إبراهيم عبدالله صرصور: قراءة في “الشورى/الديموقراطية” “شبه الشورى” و”الدكتاتورية”..

إبراهيم عبدالله صرصور

على ضوء النقاش الذي دار بعد قرار المؤتمر العام للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، والذي تقرر فيه رد توصية مجلس شورى الحركة بتثبيت قائمة المرشحين للبرلمان وفتح باب الترشيح من جديد لخوض انتخابات الكنيست المقررة بتاريخ 17.9.2019، وبناء على تجربتي المتواضعة لعقود في مختلف المواقع الدعوية والسياسية في الحركة الإسلامية، أحببت ان أدلى برأيي التأصيلي في القضية المطروحة تجلية لحقائق ديننا وقواعد العمل الراسخة في حركتنا..

لا يخفى على المتأمل في تاريخ الأمة الاسلامية الطويل من ذوي الالباب والنظر والنُّهَى فيها، أن المسلمين لم يختلفوا في تاريخهم على أمور الدين والشريعة الا قليلا، وإن اختلفوا نجحوا في أغلب حقب التاريخ وبفضل علماء أفذاذ وقادة عظام في ضبط هذا الخلاف فلم ينزلق نحو صدام ساخن..

كان الاختلاف في جملته بسبب “السياسة”، لا لذاتها، ولكن لخللٍ في ممارستها، وتَغَوُّلٍ في ممارسة الصلاحيات الموكلة لأصحابها، فيسيئون استعمال هذه الصلاحيات والاختصاصات تحت مختلف التأويلات تحقيقا لأغراض لا صلة لها بمصالح الأمة، بل هي النقيض لهذه المصالح، كما هي النقيض الكامل لمقاصد الشريعة الاسلامية..  يكفي النظر في الفتن الكبرى التي نشبت بين المسلمين في عهود مبكرة دليلا على ما قلت، مما يفرض علينا الاعتبار والاستبصار..

(1)

“الشورى” مثلا هي “قيمة أخلاقية” قبل ان تكون أداة فنية لإدارة الشأن العام، مصداقا لقوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، وتحقيقيا للأمر الإلهي في قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)..

التأكيد على هذا المعنى هام وضروري جدا، لأن المرض العضال الذي أصيبت به العقلية العربية عموما إسلامية كانت او علمانية – ليبرالية (من غير تعميم)، قد لا يكون في تخليها الكلي عن “الشورى/الديموقراطية” كأداة فنية، فيكون الاستبداد والدكتاتورية المشار اليه في تراثنا النبوي ب – “الملك العضوض والجبري” هو البديل، ولكن في تخليها عنها ك “قيمة أخلاقية” قبل كل شيء وبعد كل شيء، فتتحول الشورى الى دكتاتورية واستبداد تحت قناع زائف من “شورى/ديموقراطية” بلا معنى أخلاقي..

مثال ذلك الدكتاتوريات في العالم العربي التي تدير شؤونها بناء على دساتير ونظم في أصلها إيجابية في الغالب من حيث البنود النظرية، لكنها ليست أكثر من قناع تُدار من تحته شبكة من الحيل والممارسات اللاأخلاقية واللادستورية (اخراج القوى المعارضة من الصورة بكل الطرق بما في ذلك الدموية، السيطرة على الاعلام، طرح أسماء صورية لإكمال المهزلة، سيطرة الحزب الواحد واللون الواحد، السيطرة على أجهزة الدولة ذات الصلة… الخ…)، التي تهدف الى خدمة مصالح الحاكم المتنفذ، فتخرج علينا “العملية الانتخابية” مشوهة ومزيفة من حيث أساليب تنفيذها ونتائجها، وإن كانت من حيث آلياتها الفنية المجردة متفقة مع الدستور..

(2)

المثال النقيض لهذه الصورة يمكن ان نلتقطه من واقعتين في عصر النبوة:

الأول، سقيفة بني ساعدة – لن أكون مبالغا إذا قلت ان اجتماع “سقيفة بني ساعده” في المدينة المنورة كان المؤتمر الأول الذي ضم “اهل الحل والعقد” ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُدفن بعد، للتداول في أخطر قضية يواجهها المسلمون بعد وفاة النبي عليه السلام، وهي اختيار خليفة له.. الذي يهمني في هذه الواقعة، صلتها ب “الشورى” كما فهمها الصحابة الكرام رضي الله عنهم، آلياتها، وطبيعة اهل الحل والعقد المجتمعين لاتخاذ القرار وتحديد مصير الأمة والدولة.

المتفق عليه تاريخيا ان الأنصار قيادات وكوادر طليعية هي التي بادرت الى هذا الاجتماع، ورسول الله عليه الصلاة والسلام لم يُدفن بعد كما قلت.. هدف الاجتماع اختيار خليفة للمسلمين.. موقف الأنصار كان موحدا ومتفقا عليه، ان يكون الخليفة منهم.. انعقد الاجتماع في غياب مُكَوِّنٍ مركزي في الامة والدولة الا وهم المهاجرون..

سمع رؤوس المهاجرين (عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما) بالخبر، فأسرعوا مع رهط من المهاجرين الى مكان الاجتماع، ودار نقاش موضوعي يضاهي في عمقه وموضوعيته وديموقراطيته، اعظم النقاشات والمداولات في أعظم برلمانات العالم، إن لم يتفوق عليها،  انتهى بانتخاب الصحابي الجليل ابي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين..

الذي يهمني التركيز عليه فيما له علاقة بموضوعنا:

  1. أن الاجتماع جاء لبحث قضية خطيرة جدا..

  2. ان الأنصار جاءوا الى السقيفة موحدين في موقفهم، ودافعوا عنه بإصرار..

  3. اثبت الأنصار انهم احرار في تفكيرهم وإن جاءوا موحدين في موقفهم، إلا ان الحق كان مقدما في وعيهم عن أي اتفاق داخلي بينهم.. فما أن عرفوا الحق وتبين لهم وجه الصواب في القضية، إلا وانضموا مسرعين الى المهاجرين في القرار دونما شعورٍ بالحرج من قادتهم، أو اعتبارٍ للتوافق الاولي بينهم.. كان الحق هو عنوانهم وهدفهم بغض النظر في طرف من يكون، وعلى يد من يظهر..

  4. لم يتخذ قادة الأنصار أية إجراءات قمعية او تأديبية ضد المخالفين ل – “التوافق الانصاري”، لأن الجميع كانوا مع الحقِّ إذا تبين.. فكانت الوحدة من وراء الخليفة الجديد الضمانة – بعد الله تعالى – التي شكلت الرافعة لوجودٍ عربي – إسلامي استمر لأكثر من أربعة عشر قرنا شيد خلالها العرب والمسلمون أعظم حضارة وأرقى مدنية، وأقاموا دولة العدالة والقانون والرفاه الاجتماعي التي لم يشهد له التاريخ مثيلا..

الدرس المستفاد: التوافق المسبق إن افترضنا جوازه، لا يجب أن يكون مقدما على الحق إن ظهر في غيره… تقديس التوافق المسبق وتقديمه على الحق وان ظهر واضحا كالشمس، خلل لا يليق بأمة تحترم نفسها..

الأصل في النظر في القضايا المطروحة، البحث عن الحق فيها، والحرية المطلقة في اتخاذ الموقف حيالها دون النظر لاي اعتبار غريب مهما كان نوعه.. أمام هذا الواقع يُحَرَّمُ على القيادة اتخاذ أي اجراء حيال المخالفين لتوافقها، لأن الأصل في المسؤولية انها شخصية، ولا يتحمل الانسان تبعاتها إلا ان يكون حرا تماما في اتخاذ قراره حسبما يمليه عليه ضميره الحي، ووعيه الكامل، والا ينتظر الأوامر من أحد..

(3)

الواقعة الثانية، معركة أحد – من المتفق عليه تاريخيا أيضا ان حوارا جرى بين “اهل الحل والعقد” برئاسة النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم في قضية تعتبر الأخطر أمنيا في تاريخ الدولة الإسلامية الأولى، بعدما سمع المسلمون ان مكة خرجت بخيلها وخيلائها تريد المدينة والقضاء على الإسلام فيها….

وَسَّعَ الرسول عليه السلام دائرة المشاورات فشملت شيوخ الصحابة وشبابهم، وكان السؤال المطروح: الخروج لمواجهة قريش خارج المدينة، او التحصن فيها ومواجهتهم من داخلها.. كان موقف الرسول عليه السلام وشيوخ الصحابة الكرام التحصن في المدينة والدفاع عنها من داخلها.. اما الغالبية وكان اكثرهم من الشباب، فكان موقفهم مخالفا لهذا الرأي، وكان اغلبهم ممن لم يشهدوا معركة بدر، ورأوا فضل الله على من شهدوا بدرا، فأرادوا ان يكون لهم نصيب من ذلك الفضل..

نزل الرسول على رأي الأغلبية، واستعد للمواجهة رغم عدم قناعته، وتوفر الأدلة على خطا القرار.. مضى الرسول في تنفيذ القرار ولبس لأْمَةَ الحرب، بالرغم من تراجع الشباب عن موقفهم فيما بعد، ونزولهم على رأي النبي والشيوخ، قائلا: (لا ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب، وأذن للناس بالخروج، أن يخلعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه)…

الدرس المستفاد:

  1. دخول عنصر الشباب في مناقشة مسألة من أخطر المسائل التي تحتاج الى تجربة وحنكة وسابق تجربة وبعد نظر، ونزول الرسول على رأيهم امر يستحق الوقوف عنده مليا.. احترام التجربة عند الشيوخ لا يلغي حق الشباب في المشاركة في اتخاذ القرارات مهما كانت خطيرة، خصوصا إذا كان الشباب من ذوي القدرات العلمية والخبرات العملية والتجارب الميدانية..

  2. احترام إرادة الشباب وحقهم في المشاركة في اتخاذ القرارات لا يعني بحال إلغاء قواعد راسخة تفرض احترام ذوي الرأي والتجربة والحكمة والخبرة من الشيوخ، وأخذها بعين الاعتبار عند إبرام الرأي الأخير، بعيدا عن المرض العضال الذي لا مكان له في تراثنا الإسلامي والذي يسمونه ب – “صراع الأجيال”.. الاحترام المتبادل بين الأجيال، والانطلاق من قاعدة جامعة وهي البحث عن الحق بعيدا عن الاهواء سواء من جهة الشيوخ او الشباب هي الضمانة للوصول الى القرار الصحيح في النهاية..

  3. لم يمارس الرسول ثقله الاعتباري وصلاحياته الدستورية في اغتصاب حق دستوري في مسألة هي من أمهات المسائل وهي “الشورى”، فجعلها لمُكَوِّنٍ واحد دون آخر، وإنما جعلها لذوي النهى والعقل شيوخا وشبابا..

  4. لم يستدع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قادة الشيوخ والشباب لاجتماع سري بعيد عن الأنظار، داخل الغرف المغلقة، ل – “يقنع” او “يبتز!!” منهم – حاشاه عليه الصلاة والسلام – موقفا مسبقا داعما لرأيه، ولو فعل لما خرج واحد منهم عن إرادته.. لم يفعل ذلك كله، ليعلمنا درسا عظيما ان كل واحد فينا حر في قناعاته وقراراته ما لم يكن فيها مخالفة لدين او قانون، وان قراره يجب ان يكون نابعا من هذه القناعة التي يبنيها على معطيات قد يسمعها من كل الأطراف اتفقت مع بعضها او تناقضت، ويُعْمِلُ عقله في تحليلها والوصول الى النتيجة التي يراها هو، لا التي يراها غيره نيابة عنه..

عنوان هذه السياسة النبوية عبر عنها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما بعد بقوله: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا!”…

  1. لا أتصور أن الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم شمل في مشاوراته ما تنقصه الكفاءات والمهارات والمؤهلات ليكون مستشارا، لأن “المستشار مؤتمن”، وعلى رأيه ستترتب مصالحٌ أو مفاسدٌ تعم الأمة بأسرها.. لذلك يشكل موضوع (أهل الحل والعقد) واسطة العقد في هرم نظام الحكم الإسلامي، المكون من رئيس الدولة/السلطة التنفيذية، الذي يحتل قمته، والشعب الذي هو قاعدته، و – “أهل الحل والعقد/السلطة التشريعية” الذين يمثلون الشعب، ويجسدون وسيلة تطبيق إرادته في ميدان الأمر العام. على يمين وشمال هذه المؤسسات تقوم مؤسسات الدولة الأخرى: القضائية والإعلامية وغيرها والتي تقوم كلها على حماية هذا التوازن الدقيق من أي تغول او تداخل..

الأمر ذاته ينطبق كذلك على الحركات والتنظيمات والأحزاب، فهي عموما تقيم بنيانها التنظيمي على نفس الأسس، وتتوخى ان تختار لمؤسساتها السيادية أكفأ العناصر وأكثرها قدرة على إدارة الشأن العام باحترافية ومهنية..

على ضوء تطورات العصر، أصبح واضحا أنه وبقدر ما تكون العناصر القيادية صاحبة القرار في الدولة/التنظيم/الحركة/الحزب وهياكلها المختلفة، أكثر كفاءة وقدرة ومهنية واحترافا وتجربة من ناحية، وتجردا عن كل هوى ومصلحة خاصة، وزهدا والتزاما بالقيم والمبادئ، وأعمق تحررا من هوى النفس ونزعاها من ناحية أخرى، وأقدر على اتخاذ القرار بناء على قناعات وحيثيات بعيدا عن أي تأثير خارجي من ناحية ثالثة، تكون الفرصة أكبر أن يكتب الله لهذه الكيانات الحياة والبقاء، وإلا فالفناء والانهيار طال الزمان او قصر..

يتساوى في نظري أمام هذه القاعدة من تتوفر فيهم الصفات التي ذكرت بغض النظر إن كانوا شيوخا او شبابا.. الحكم في نظري للمؤهلات التي ذكرت سابقا، لا لأي عامل آخر.. فإن اجتمعت كلها او جلها في خليط من الشباب والشيوخ، فذلك الفضل من الله يؤتيه من يشاء..

(4)

تذكرت وانا أكتب هذه الخواطر القول المنسوب لبعض السلف “كَدَرُ الجَمَاعةِ خَيْرٌ مِن صَفْو الفُرْقَةِ”، والذي يُروى بلفظ آخر: “كدر الجماعة خير من صفو الفرد”، رأيت من المناسب أن اختمها بالتعليق السريع على ما تحمل هذه العبارة من قيم رائعة لارتباطها بموضوعنا..

استبق وأقول بخطء الانطباع الاولي الذي قد يخرج به من يسمع او يقرأ هذه المقولة، فيذهب بعيدا في تحميلها ما لا تحتمل، فَيَحْمِلَها على ترك النصيحة وأنَّ الباطل في الجماعة خير من الحق فردًا، وهذا بالطبع مخالف لصريح النقل والعقل..

فالله عز وجل لم يأمرنا بأن نجتمع على الباطل أو أن نسكت عليه، بل أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحرص على الجماعة والألفة وترك التفرق ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، ولذا قال الله عز وجل في كتابه العزيز: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) …

ذم الله سبحانه كذلك مَن لم يقبل البينات والهدى وحاد عن الطريق المستقيم، قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ. وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)..

كما ان الله سبحانه هدى رسولنا عليه الصلاة والسلام إلى الحل والمخرج مما يمكن ان تستشكل فيه العقول، وتضطرب فيه الافهام، فقال سبحانه: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، فأمره بأن يدعو للحق وأن يستقيم عليه وأن يترك ما عليه أهل الأهواء ولم يقل له سبحانه: اسكت عنهم واجتمع معهم على الباطل. بل أمره بإظهار للحق والجهر به، فقال: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)..

المتأمل في هذه المقولة القيمة يلاحظ أنها أشارت الى “كدر” الجماعة، وليس الى “ضلالها” أو “انحرافها” عن الحق..  ف “الكدر” و “الكدرة”، عكارة قليلة تعكر صفو الماء، أو شيء قليل جدا من السواد يصيب الثوب الأبيض الناصع.. فالماء الكثير لا يفسده الكدر القليل، والثوب الأبيض لا يفسده اتساخ محدود، والهواء النقي لا يكدره تلوث قليل..

الملاذ الآمن من الوقوع في فخ الاضطراب يكمن في عدم النظر إلى سلوك الحركات والتنظيمات الكبيرة كالحركة الإسلامية مثلا، بالأجهزة المكبرة او المقربة، فليس هذا من الحكمة في شيء، إلا أن يكون هذا السلوك مخلا في الثوابت الدينية والوطنية، والقواعد الراسخة كالشورى وتداول السلطة، والأمانة والطهارة الظاهرة والباطنة، والعدل والشفافية والمساواة وحسن النية وسلامة الصدر والاخوة الصادقة والوحدة المتينة، والقدوة الحسنة، وغيرها من القيم التي لا يمكن السماح بالمساس بها..

(5)

عندما يعيش الجميع من اجل الغاية الكبرى مجردين من كل غاية خاصة، وهوى شخصي متبع، واعتداد بالرأي وإن كان باطلا، وإنكار للذات، وفناء في الله، ليس لهم هدف سوى مرضاة الله، عندها وعندها فقط يذوب الإحساس بالذات، وتُحْفظ لكل فرد صَغُر او كَبُر، قيمته ومكانته ودوره، وعندها أيضا يكون بينان التنظيم كما قال الرسول عليه السلام: “كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا”..

ما أكثر العبر في تاريخنا الإسلامي، وما أكثرها في تاريخ البشرية، وما أقل ما يتعلم الانسان، ولذلك نراه يَقع ويُوقع من معه، ويَسقط ويُسقِط من معه، ويَهلك ويُهلك من معه، ثم يُرد إلى عالم الغيب والشهادة الذي تُبلى عنده السرائر، فلا مكان لإخفاء الحقائق، ولا مجال للتدليس فيها، ولا فرصة للعب بالعقول في سبيلها..

**** الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here