إبراهيم عبدالله صرصور: غياب المشروع العربي، وحضور مشاريع الأخرين: لماذا؟

إبراهيم عبدالله صرصور

لا يحتاج الأمر إلى ذكاء خارق من أجل تشخيص الخلل الخطير التي تعاني منه المجتمعات العربية والإسلامية عموما، دولا كانت أو غير ذلك، الى حَدٍّ يجعل الحليم حيرانا.. تنبع هذه الحيرة من ان أمَّةً بهذا الحجم وهذه القدرات البشرية والمادية، عاجزة تماما عن ان تحجز لها مكانا تحت الشمس يليق بقيمتها وقامتها، وبمكانها ومكانتها..

(1)

غياب مفهوم الامة والذي أنتج الدكتاتوريات والأنظمة الجبرية والعاضة (الملك العضوض)، وفَرَّخَ العصبيات والصراعات المذهبية والعشائرية والطائفية والإقليمية داخل الدولة القطرية الواحدة وبينها وبين بعضها، غياب القيم وطغيان الغرائز، وظهور تيارت التغريب والتجهيل والعدوان على تاريخ وتراث الأمة، وتجريف الحياة السياسية والثقافية والابداعية والاجتماعية والاقتصادية، كلها أسباب أدت الى نشوء هذا الوضع غير الطبيعي في امتنا، فضعفت وذلت وانهزمت وتخلفت وتمزقت ونزفت، حتى ما عاد لها ثقل في موازين الحضارة والمدنية او موازين السياسة …

كان آخر عهد الامة الإسلامية ب – “المشروع” الذي يمثلها أمام نفسها وامام العالم، ما سعى اليه السلطان الصالح عبدالحميد الثاني – رحمه الله ورضي عنه – طوال فترة حكمه، والتي كان في صلبه عدم التفريط بأي شبر من الوطن الإسلامي تحت أي ظرف، وإجهاض كل مشاريع الغرب المحتل لضرب مكامن القوة في الأمة، وسعيه لجمع شتاتها تحت سقف الخلافة من خلال التعاون الكامل والشراكة الفاعلة، في إطار ما اسماه ب “الجامعة الإسلامية”، كان من اهم أهدافها، أولا، مواجهة نزعات التغريب التي تسعى لسلخ الامة من هويتها الإسلامية. ثانيا، محاولة إيقاف الدول الاستعمارية الأوروبية وروسيا. وثالثا، إثبات أن المسلمين يمكن أن يكونوا قوة سياسية عالمية، يُحسب له حسابها.

عرفت أوروبا (بريطانيا وفرنسا وروسيا أساسا) هذه الحقيقة وخطرها على مصالحهم وخططهم للسيطرة على الشرق العربي والاسلامي، والتمكين للصهيونية العالمية في فلسطين، فعملوا على القضاء عليها بكل الطرق.. كان إلغاء الخلافة العثمانية في الثالث  من آذار 1924م على يد مصطفى كمال أتاتورك، وإقصاءها عن منصة الحكم، الضربة القاصمة التي وجهها الغرب لمشروع الوحدة الإسلامية، على اعتبار ان الخلافة مثلت منذ ان انطلق قطارها ابتداء من الخلافة الراشدة التي مهد لها عهد النبوة، الوعاء الوحدوي الذي حفظ كيان الأمة من التشرذم والتفكك.. شكل سقوط الخلافة صدمة كبيرة، كما أن انهيارها أدى مع أسباب أخرى إلى انفراط عقد الأمة وجعل الدولة القطرية بديلاً سياسيا للرابطة التي كانت تجمع بين شعوب المنطقة في ظل دولة الخلافة العثمانية.

الدولة القطرية القومية فكرة ومفهوما، منتج أوروبي خالص، اتفقت أوروبا بناء عليه على تكوين وحدات سياسية جديدة أطلقوا عليها ما أسموه الدولةَ القوميةَ القطريةَ. أما الدولةُ القطريةُ القوميةُ في البلادِ الإسلاميةِ فقد نشأت وريثةً للاحتلال (الاستعمار) الاجنبي الذي كان جاثما على صدور الكثير من بقاع العالم الإسلامي.. إلا ان فروقا جوهرية وقعت في نشأة كل من الدولتين.. اتسمت السياسات الثقافية والتعليمية التي صاحبت بروز الدولة القطرية، بالانعزاليةٌ والانفصاليةٌ، حيثُ عملُ كلُّ قطرٍ في البلادِ الإسلاميةِ على ترسيخِ هُويةٍ محليةٍ بالاستنادِ إلى دعاوى تاريخيةٍ موهومةٍ في الغالبِ أو مجزأةٍ من سياقاتِها.. يضافُ إلى ذلك تفجيرُ المناكفاتِ السياسيةِ والنزاعاتِ الحدوديةِ بينَ البلادِ الإسلاميةِ، وتعزيز ثقافة الاستبداد والدكتاتورية ودعهما بكل قوة، الأمر جعل من الأمة جثة هادمة لا حياة فيها، ولا خير يُرجى منها..

كانت الدولة العثمانية على اعتبارها وارثة شرعية للخلافة الإسلامية في دوراتها السابقة، تجسيدا لنقيض القيم التي زرعها الاحتلال الغربي في عالمنا العربي لضمان ضعفه وعجزه. لذلك لم يكن غريبا في ان سعى الخلفاء العثمانيون الى وحدة الامة على مدى تاريخهم الطويل، الا أنهم مع ذلك حرصوا على احترام خصوصيات الاقوام والاوطان، الا ان حرصهم كان اشد على: الأول، وحدة المرجعية العليا المتمثلة في محكمات القرآن والسنة الصحيحة.. ثانيا، وحدة دار الإسلام التي تجعل الأوطان الإسلامية وان تباعدت، وطنا واحدا او دارا واحدة. وثالثا، وحدة القيادة حين فرض على المسلمين ان يكون لهم خليفة واحد تجب عليهم بيعته.

كان السلطان عبد الحميد الثاني واعيا لهذه الحقيقية تماما، ومدركا بأن الأمة الإسلامية لن يكون لها مكان محترم بين دول العالم ما لم تؤسس لوحدة قوية تحافظ بها على كيانها، وتختط بها وجودا جغرافيا قويا سياسيا واقتصاديا وعسكريا، يحفظ لها تماسكها الداخلي، وهيبتها الخارجية، ويردع عدوها فلا يجرؤ على الوثوب عليها او تهديد أمنها، كما كان حالها على مدار قرون طويلة..

(1)

لكل دولة او تكتل سياسي / اقتصادي في هذا العالم مشروع محدد المعالم، يخدم اهدافه ومصالحه ويُؤَمِّنُ له مكانا متقدما تحت سماء هذا الكون، يقوم على منظومة كاملة ومُحْكَمَةٍ من عناصر القوة: الديموقراطية، الحرية، الكرامة الوطنية، حكم القانون، التداول السلمي للسلطة، الابداع، رعاية العقول، العدالة في توزيع الثروة، المساواة، استقلال القرار الوطني، الشفافية، الرقابة الشعبية والمؤسساتية، الفصل بين السلطات، قوة عسكرية (الجيش) تكون محكومة لا حاكمة، خادمة للشعب والوطن لا للحاكم، وتحكمها المصلحة العليا للامة، لا مصلحة النظام، ووظيفتها حماية الحدود والامن القومي ويردع عدوها، لا التغول على اقتصاد الدولة ومفاصلها الحيوية، والانخراط في السياسة.. الخ..

بدأت دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية تتجه بخطى حثيثة نحو إقامة تكتلات سياسية واقتصادية، تهدف الى تحقيق التكامل السياسي والاقتصادي بين أعضاء هذه التكتلات، وتأمين حركة التجارة بينها، ودعم القوي منها الضعيف، والسعي لإقامة مجتمع الرفاه الذي يُؤَمِّنُ لأفراد هذه الدول الكرامة الإنسانية، والحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والعدالة الاجتماعية.. كما تهدف فوق كل ذلك الى تعزيز القيم المشتركة مع الحفاظ على الخصوصيات الثقافية لكل دولة وشعب، وتحويل الاختلافات الى روافع لتحقيق المزيد من التكامل والتعاون، وتعزيز المناعة لدى الأعضاء منفردين ومجتمعين لمواجهة التحديات التي تواجههم من تكتلات أخرى اقتصادية كانت او سياسية او امنية..

من أشهر هذه التكتلات التي نشأت بين دول سادت بينها ولقرون طويلة حالة من العداء المستحكم بدرجات متفاوتة: الاتحاد الأوروبي (EU)، تجمع العشرين ( G-20 )، التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية (NAFTA)، تكتل دول البريكس ( BRICS )، التكتل الاقتصادي الآسيوي، ويشمل رابطة جنوب شرق آسيا ( ASEAN ) وجماعة التعاون الاقتصادي لآسيا الباسيفيكية ( APEC )، الاتحاد الافريقي (  AU )، وتكتل دول أمريكا اللاتينية..

جعلت هذه التكتلات الاقتصادية والسياسية لدولها مكانة رفيعة وتأثيرا قويا في تحديد السياسات الاقتصادية والسياسية حول العالم، وضمنت لها حصة في النهضة العالمية انعكست إيجابا على مستوى حياة مواطنيها.. كما ساهمت بشكل حاسم في سيطرتها بتفاوت بينها على الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وصندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية، وغيرها من المؤسسات المؤثرة في رسم الصورة السياسية – الاقتصادية للعالم..

(2)

أمام هذا المشروع العالمي المنظم، والاصطفاف الدولي المُحْكَم، يظل الغائب الأكبر هو المشروع العربي، ما جعل المنطقة العربية بمنزلة الرجل المعوق الذي يتصارع الجميع على اقتطاع ما استطاعوا من ميراثه دون أن نرى له اية ردة فعل من اي منوع، أو أية اشارة تدل على أنه ما زالت به بعض حياة..

الأدهى من ذلك والأَمَرّ، ان دولا عربية كثيرة رضيت لنفسها دور “العميل” الذي يخدم عدوه على حساب شعبه ووطنه، فبادرت الى تسهيل مهمته في التهام ما تبقى من كرامته بعد ان قضى على ثروته وهدم بنيانه السياسي الذي لم يبق منه الا شبح هزيل أدمن الركوع والخضوع للأجنبي، ورفع سيف العداء في وجه الاخ في الدين والوطن واللغة والمصير…!!..

لأَكُنْ أكثر وضوحا.. لماذا نجحت دول اسلامية غير عربية (تركيا، ماليزيا، إيران، وغيرها)، في ان يكون لها مشروع يثير الاهتمام والاعجاب على المستويات السياسية والاقتصادية والتنموية، إضافة الى حضورها القوي والمؤثر على الساحة العالمية، بينما ظلت الدول العربية في الخلف تتكبكب في سقوطها حتى اصحبت في قاع سحيق او تكاد؟!!!…

هذه حقيقة.. نعم.. لكنها لا تنسجم مع طبيعة هذه الامة التي عاشت في وضعٍ على مدار 14 قرنا، هو العكس تماما مما تعيشه اليوم.. وضعٌ عاشت فيه امتنا قائدة ورائدة في جميع المجالات، تتمتع بوزن نوعي في عالم السياسة والحضارة والمدنية، حسدها العالم عليه..

ما حققته الامة على مدى قرون طويلة لم يأت من فراغ.. كان ثمرة لواقع صنعته الامة قيادة وشعوبا بأيديها على نور من الوحي، وهداية من الكتاب العظيم، وتوجيه من الهدي النبوي الكريم.. حفرت الامة في الصخر، وخاضت غمار الممكن حتى استسلم لها المستحيل، إذ لم يكن يَحُدُّ احلامَها حدودٌ بعد ان سبحت ارواحُها في عالم السماوات، ولامستْ اشواقُها قوائم عرش الرحمن، حتى لم تعد هذه الدنيا كافية لاحتضان او احتمال تلك الاحلام والاشواق..

(3)

إذا كان الدين واللغة، والتاريخ والجغرافيا، والتقاء المصالح الوطنية العليا، ووحدة المصير والمسير، هي من العوامل التي تدفع الى إقامة مثل هذه التكتلات، فليس هنالك على وجه الأرض أمةٌ حباها الله بمثل هذه الميزات أكثر من الأمة العربية والإسلامية. فلماذا تقدم الاخرون، وتراجع العرب والمسلمون؟!!

أصبح واضحا اليوم ان التكتل السياسي والاقتصادي والأمني يخدم في النهاية مصالح الدول ذات العلاقة حتى لو دفعت الدول في سبيل ذلك شيئا من سيادتها. الاستمرار في أن تعيش الدول في جزر معزولة، وهي تظن انها قادرة على تحقيق المعجزات، أصبح ضربا من الخيال.. أكبر دليل على ذلك، ما تعيشه دولنا العربية والإسلامية منذ الاستقلال الافتراضي، من أوضاع مزرية هي انعكاس لاتفاقية سايكس – بيكو التفتيتية، والتي زادت الأمة ضعفا على ضعف، واستنزافا على استنزاف، الأمر الذي ما زال يعرضها لانتهاك اوطانها وشعوبها ومقدساتها وثرواتها والانتقاص من مكانتها، بعدما مزقتها أنظمتها الاستبدادية من الداخل، واذلت شعوبها، واستنزفت ثرواتها، وَجَرَّفَتْ حياتها السياسية والحزبية والثقافية، وضحت بمصالح الوطن على صخرة مصالحها هي في البقاء في السلطة الى اجل غير مسمى..

كل التجارب “الوحدوية العربية” (الجامعة العربية، مجلس التعاون الخليجي، الاتحاد المغاربي..)، وكل التجارب “الوحدوية الإسلامية” (منظمة التعاون الإسلامي.. الخ)، باءت كلها بالفشل، وبقيت جثثا لا حياة فيها.. سبب ذلك – في رأيي المتواضع – يكمن في انها تمثل انظمة في اغلبها الساحق لا علاقة لها بالوطن العربي وامنه، ولا بمصالح الامة العليا، و لا حتى بمصالح شعوبها، وانما سُلِّطَتْ عليها تسليطا، بعكس الأنظمة التي تحكم الغرب والشرق على حد سواء، حيث لا دكتاتورية ولا استبداد ولا فساد..

اشك في ان الامة اليوم قادرة على التحرر من واقعها التعيس ما لم تتحرر عقولها وارادتها ووعيها مما يكبلها من قيودٍ عفنةٍ من الاهواء والمصالح الدنيئة والاغراض المشبوهة والهمم الهزيلة، ولا يكون ذلك الا بأعاده الارتباط بعد انفصال دام طويلا، بما صَلُحَ به اولها (الاسلام)، وقد كانت قبله في وضع (الجاهلية) اشبه بوضعها اليوم..

الخطوة الأولى على هذا الطريق الذي قد يطول، لا يكون الا بتغيير النظام السياسي والانتقال من الدكتاتورية الى الشورى الديموقراطية والحرية، حيث يصبح الحاكم خادما لا إلها او نصفَ إله..

**** الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here