إبراهيم دكس الغراوي يقدم شكل العالم الفعلي في رواية “جنون مملكة القصب”

بغداد – حمدي العطار:

الرواية بنية سردية تحتاج الى الابتكار والتجديد خاصة وهي تعبر عن احداث تاريخية حديثة ومعاصرة ، والبعض يعد (البعد التاريخي) في الرواية هو (أسطورتنا المعاصرة)، حاول اكثر من كاتب وروائي ان يتناول الفترة الممتدة من ستينيات القرن الماضي الى ما بعد الاحتلال والتغيير 2003، وأن يتصدى الى هذه المرحلة التاريخية ، ويستوجب على من يتصدى لمثل هذه المهمة  ان يأخذ في الاعتبار (زمن القصة) التي تستغرقها الاحداث في الحياة ، وزمن قصتها الذي تستغرقه في مساحة النص.

رواية (جنون مملكة القصب) الصادرة من دار أمل  الجديدة – دمشق ، سنة الاصدار 2019 وتقع في 307 صفحة، وتحتوي على ثلاثة فصول (شياطين الأرق- محطات الهجر- الو ..قابيل) يمهد الروائي بتعريف القارئ على مكان الرواية (قرية- أم كعيدة) أحدى قرى قضاء الميمونة، محافظة ميسان، وعلى بطل الرواية (سالم الحلو)التمهيد يوحي للمتلقي ان الكاتب سوف ينتزع شخصياته واحداث  الرواية من الواقع ويكتب عنها ، وما الرواية الا انعكاس للواقع الفعلي ولا ينقصنا الا خيال هذا الروائي في سرد (الواقع) وشخصياته، وبين الاهداء الذي كان على شكل رسالة الى (ادم وحواء) رمزي الاب والام وكذلك التمهيد، نستشف بإن الرواية لا تدعو الى السعادة والفرح بل الى نقل المآسي والاحزان “اخبركم أن أبنكم ليس بالخير الذي أردتموه. انا وأطفالي وزوجتي نعيش في مكان، جدبت تربته، ونزر ماءه، ووقر غنيه، وأهمل فقيره. وقدم جاهله وأخر عالمه. وكثر فساده” ص5 ، وفي التمهيد يوضح الروائي  البيئة التي سوف تكون فيها السردية ، فضلا عن قرية أم كعيدة والميمونة ومحافظة ميسان فهناك “سافرت الى بغداد\ مدينة الصدر، ثم الدورة، وسلمان باك، والبصرة، وكل مكان حط سالم رجله فيه طيلة حياته الملطخة بالنكد”ص8

*الكراهية بين الناس

يكرر السارد وهو الكاتب والعالم والصوت الوحيد الوحيد بالرواية هذه العبارة على لسان (سالم الحلو) وفي اكثر من مناسبة، فعندما يطرد مدرس اللغة الانكليزية سالم وهو الذي تحمل المطر لكي لا يغيب عن الدرس، احس بالكراهية “كم كان نادما لأنه لم يأخذ بنصيحة زملاءه الذين تغيبوا عن الدوام بسبب بلل ملابسهم… منذ تلك الحادثة عرف سالم كيف تنشأ الكراهية بين الناس”ص36 ،وحينما يضربه احد الشقاوات على خده (بربك أكو دوام بأيام المطر)؟ تلك الحادثة الثانية التي عززت لديه (الشعور بكيفية نشوء الكراهية بين الناس)ص39

*أيقاع الرواية

احتل الفصل الاول الحجم الكبير من الرواية 221 صفحة، وهو الذي يضم معظم الفترة الزمنية للرواية التي تشير الى طفولة (سالم الحلو) اليتيم الذي تربيه جدته ويعيش مع ابيه وزوجة ابيه، سالم الحلو هو اجمل طفل في القرية (شقة قمر) لذلك يكون محط اعجاب البنات منذ ايام الدراسة الابتدائية ، وقضية الجلوس من قبل زميلاته في جانبه بالصف تأخذ حصة لا بأس بها!كما ان الفصل يحتوب على شباب سالم وزيجاته المتعددة وكذلك عن ما اصاب العراق من حروب وحصار واحتلال .

قد يحس المتلقي بالايقاع البطئ للرواية مع ملاحظة سرعة الاحداث، ولا تخلو بداية الرواية من اشارات سياسية “العراق بلد يتكون من أكثر من مذهب وقومية ودين . لا يمكن لأفكارك القاصرة أن تشكل منظومة حاكمة لشعب كهذا . لذا لا غير دكتاتورية الحزب الواحد تتمكن من فرض القبضة الحديدية على المجتمع وسوق أفراده الى جادة الصواب بلا تناحر أو خلاف”ص20 كان على السارد (الروائي) ان لا يتجاوز على التاريخ وفعالياته السياسية، فقد ركزت الرواية على نوع واحد من التنظيمات المعارضة وهو (حزب الدعوة) واهملت باقي الحركات والاحزاب اليسارية التي كانت في ذلك الزمن (زمن الرواية) هي الفاعلة في الجنوب ومن ضمنها منطقة الاهوار “رحيم،  كان حذر حتى من الحجر والمدر والماء والشجر. حسبها عيونا للحزب الحاكم آنذاك، التقط أصدقاءه بصعوبة. بروحه المرحة وسرعة البديهة لديه وبريق عينيه الساحر، رغبهم بالانضمام الى تنظيم اسلامي محذور”ص19

*النساء في الرواية

الرواية اعطت للنساء حقها في الاحداث والتأثير على التطورات  ، فهناك الام الغائبة الحاضرة “سامية  التي فارقت الحياة كضحية لمرض الكوليرا ، والجدة صبرية ،وماجدة علوان حبيبة وزوجة سالم الاولى والخامسة! وكريمة زوجة المسؤول الحزبي العاجز جنسيا عدنان ، وزينب وفاطمة ومريم زوجات سالم ، واشواق ..الخ).

*سقوط النظام

الاوراق التي كتبت عن سقوط النظام والاحتلال تعد من اجمل ما كتب في الفصل الاول، وحاول السارد ان يشير الى بدء التوترات لدى سالم ورد الفعل السلبي، وهي اوراق كانت تعطي اكثر من جواب عن تلك المرحلة المعقدة من تاريخ العراق ” في ذلك اليوم الذي حفرت ساعاته تاريخا لن ينسى في ذاكرة العراقيين. كان سالم واقفا على مسافة من تمثال كهرمانة، الجاثم بشموخ يرش الماء بردا وسلاما على العراقيين..وصدم بأكثر من جسد تسابقها على الغنائم بعنف… التفت وهو يكفكف دمعة تحدرت على صفحة خده اليابس ، الى هم آخر، رجل قتلته نوبة قلبية لثقل ما حمل من أشياء سرقها من أحدى محلات بيع المواد الغذائية .. الكل خطاءون. لا فرق بين من يسرق كيس طحين وبين من يسرق كيس دولارات “ص17

المجنون في رواية

في الفصل الثاني (محطات الهجر) والفصل الثالث (ألو ….قابيل) كان يمكن ان يكونا القسم الثاني من الرواية ، لأن لهما  نفس المعنى وذات النتيجة (سالم وجنونه وهلوساته وسلوكه وهو هارب من بيته وعائلته واثناء عودته الى البيت) ويلاحظ ان الشخصيات الفرعية بالرواية ينتهي دورها في القسم وتبدو البطولة المطلقة لشخصية (سالم الحلو) – المجنون- في هذا الجزء من الرواية يتم تحجيم والغاء الشخصيات الفرعية مع تسارع الايقاع ،وخلق تنوعيات في انتقال سالم بمحطات (الهجر) بعد ان اصبح بحكم المؤكد بإنه (مجنون) وليس يمثل او يدعي الجنون!”لبس بنطلون جينز متسخ. ومعطفا لا يمت للعقلانية بشيء. دس في جيب معطفه دفتر صكوك. أنه صاحب مال وفير في إحدى المصارف . هب هاتفا بنبرة مخبولة (لبيك يا جنون)ص218 كنا نتمنى ان تكون هذه بداية الفصل الثاني لأنها تعد انتقالة مهمة في حياة سالم الحلو، لكن البناء المعماري للرواية والذي يعاني من بعض الارتباك وعدم دقة التوزيع جعلها في الفصل الاول!

*محطات الهجرة

تبدأ رحلة سالم الحلو الى الاماكن التي يعتقد فيها ظلم وخطأ وجريمة انسانية، كما يتصور ان من واجبه ان يسهم في انهاء مثل هذه المشاكل الاجتماعية ويحارب الفقر والعوز والجوع والفوضى التي يعيشها الاخرون”ساحة من ساحات الغم اليومي العراقي. هي أولى المحطات التي افتتح بها سالم ألم ترحاله”ص227 خليط غير متجانس من الناس وما يريدون بيعه او ما ينتظرون فيه كسب ارزاقهم، بعد ان يعطي السرد وصفا ومسحا للمكان ينهي هذا الوصف بهذه العبارة (تلك الأماكن تثير شهية السيارات المفخخة) الناس في هذه الامكنة لا قيمة لحياتهم بالنسبة لهم او للاخرين وحتى للدولة “بات من المسلم به أن تراهم لا مبالين بالموت إن وقع عليهم أو وقعوا عليه. لا شيء يأسفون عليه في دنيا أشاحت بوجهها عنهم. يبحثون عن قوت يومهم فقط. لا يريدون أن يدخروا للغد من شيء. كأن الجميع في هذا البلد مؤجرون لفترة محددة وليس بمالكين”ص228 مثل هذه التداعيات المؤلمة تجدها تزخر بالرواية وتغطي على باقي العيوب الفنية التي قد تدفع الى (الملل بسبب التطويل) وعندما تنفجر السيارة المفخخة (سيارة مدججة بالموت) ينتج عنها (رؤوس بلا أجساد .وشاب يقزل برجل واحدة ونهر الدم يتفجر من الأخرى! .. سالم يذكر الرجل الذي كان ينتظر رزقه “كان يكافح الحر وأشعة الشمس المحرقة بقطعة الكارتون التقطها من الشارع .. هرول سالم بخفة اللاواعي نحو الرجل ليمنحه مبلغا من المال يمسح به خجله أمام عائلة خدرت جوعها لحين مجيء الفرج. نجح بصعوبة في إقناع الرجل بأخذ مبلغ المال…أكمل خطاه صوب عربة الرقي..احتضن رقيته الى صدره واتجه للخروج من ساحة الضجيج لم يمهله الانفجار حتى بلوغ مأمنه. أختلط حمار الرقي بحمة دمه”ص230

*بؤر المشاكل

تطرح الرواية في هذا الفصل بؤر المشاكل الاجتماعية والتي لا يمكن ان نجد لها حلول فردية كما كان يعتقد سالم الحلو، فهو يوزع ماله على عامل كبير السن وصبي متسول وينصح بإيجاد حل للمناهج التعليمية ويخطب في الاسواق المكتظة ويذهب الى مخيمات النازحين والى الحي الصناعي ،ويتألم لعمالة الاطفال” رصد فتية بأعمار الورود منبطحين تحت السيارات كمنظر من دهسته سيارة وظل ممتدا تحت عجلاتها بإنتظار منقذ”ص244 كما ينتقد الاطباء والصيادلة وجشع المتاجرة بأمراض والام الناس، وتنتهي محطات رحلته الى منطقة الاهوار، وهنا الكاتب يحاول ان يعرف القارئ بحياة الناس في الاهوار وبعض التسميات المستخدمة في عملهم والتي اغلبها اسماء سومرية غارقة في التاريخ”انا نبتة (هوصان) حالمة بخضارها. غافية على حافاته المحاذية لبيوت القصب.أنا نبتة (المنشاف) التي لم تر أوراقها الشمس مطلقا ولم تمس جذورها الآرض البتة.. دار حوار – بين السائق وسالم- بخصوص لغز نبتة المنشاف.تحدثوا عن الطيور والاسماك والبردي ومفردات ريفية موغلة في القدم “ص250 وبذلك تنتهي رحلة الهجر ويعود الى بيته

الو ..قابيل

في الفصل الاخير الثالث (الو …قابيل) يبلغ الجنون لدى سالم ذروته ، وتبدأ الهلوسة تزداد حدتها، ” افتتح سالم طريق العودة إلى الوراء بمكالمة هاتفية مع قابيل. استل جهاز الهاتف النقال من جيبه ضرب الأرقام (00000000000) – الو ..قابيل) هو يعتقد أن الشر وكل المصائب كانت من اول جريمة في الكون سببها الحسد والغيرة ومنفذها قابيل ضد اخيه هابيل ،ويكشف كل الاسرار، ويصبح خطرا على نفسه وعلى عائلته ، فيوضع تحت المراقبة الشديدة، لكنه يهرب منها الى الشارع ومنها الى التجوال والهذيان “تغير كل شيء. رواد الشابندر باتوا لا يستسيغون نكهة شايه (السنكين)الكثيرون ترفعوا عن أن يحنوا قاماتهم ليقلبوا بين ركام الكتب المفروشة على أرضية شارعهم الصديق لذلك قرر المكان أن يفخخ نفسه احتجاجا على مقاطعة المقربين إليه…توجه إلى منطقة الدورة .. يقصد مستشفى الدورة الذي انتقلت أليه أبنته أشواق الطبيبة …ليفصح عما في صدره من أسرار… طار مع الاجساد التي عصف بها الانفجار.سقط إلى مبعدة من مكانه وهو يهذي بهمس لا قيمة له بين أمواج الضجيج”ص304

الخاتمة

هذه الرواية تصنف من الروايات الكلاسيكية ، صوت السارد الوحيد العارف العليم، غياب تعدد مستويات السرد، المعالجات الفنية ، ضخامة الرواية ،غياب الغموض، مثل هذه الروايات قد لا تبهر القارئ الجاد الذي لا يملك الصبر او الوقت.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here