إبراهيم بن مدان: معضلة الصراع في التاريخ الإسلامي

 

 

إبراهيم بن مدان

في كتاب دين ضد الدين للمفكر علي شريعتي كتب يقول: “إن دين الطاغوت الذي كان يتمتع بكل شيء طوال التاريخ كان بدوره آلة في يد الطبقة الحاكمة لاستثمار الطبقات السحيقة وقمعها وإقناعها، ولقد ظهر هذا الدين بشكليه الجلي والخفي في كل حقبة من حقب التاريخ”. إذا ذهبنا مع د. علي شريعتي وأمعنا البحث قليلا سنجد أن المقصود بدين الطاغوت ها هنا هو ذاك الدين الذي يخالف الدين الذي أتى به الأنبياء والمرسلون، والذي كان دائما يقف مع الطبقة الحاكمة والمتسلطة والتي تستغل بدورها هذا الدين لأجل مصالحها الطبقية، أي دين القساوسة والرهبان والسحرة.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الدين وعلى مر التاريخ كان منقسما إلى قسمين، أو بالأحرى كان دينين متناقضين، فهناك دين الأنبياء والمرسلين، وهناك دين الطاغوت، الفرق بينهما واضح وضوح الشمس في قارعة النهار، فالأول يدعو للحرية والعدل والمساواة بين الناس، بينما الثاني يدعو للتبرير والخضوع والرضى بالفقر والحرمان والبؤس. وعلى مر التاريخ خلف هذا التناقض صراعا مريرا بين الفريقين فكل واحد منهما يريد الدفاع عن الدين الذي يمثله. فأصحاب الثروة والجاه والنفوذ في كل عصر من العصور يتبعون الدين الذي يحفظ لهم امتيازاتهم، التي من خلالها يرتفعون عن غيرهم من الناس.

هنا بعدما رأى الفيلسوف كارل ماركس أن هذا الدين أي دين الطاغوت يستغل من قبل الطبقات المتسلطة لإفقار الطبقات السحيقة، سيقول قولته الشهيرة: ” إن الدين هو أفيون الشعوب”. هذه القولة أو هذا النقد الذي وجهه كارل ماركس للدين عرضه للكثير من الانتقادات والسب والطعن من قبل رجال الدين الذين رأوا أن هذا الفيلسوف يحرض الجماهير لتسحب البساط من تحت أقدامهم، لأن كارل ماركس رأى في تلك الفترة أن الباباوات ورجال الدين عموما حولوا الدين إلى نظام فكري رجعي تابع للطبقة الحاكمة، وكان دور الدين آنذاك هو تبرير الوضع الموجود وامتصاص غضب الشعوب الشيء، الذي دعا هذا الفيلسوف إلى إعلان الثورة على الدين باعتباره مخدرا يُنوم الشعوب ويعميها عن رؤية جوهر الحقيقة والمطالبة بحقوقها.

هنا نستشف أن الدين ليس دينا واحدا وإنما دينين؛ دين الأنبياء والمرسلين ودين الطاغوت. إذن لنعد قليلا لتاريخنا الإسلامي من أجل أخذ العبر والتدقيق في بعض المسائل. ومن أجل أن نسلط الضوء على بعض النقط التي يُحرم وعاظ السلاطين تناولها كما يسميهم د.علي الوردي أخذا للدروس والعبر. جاء الإسلام منذ البداية ليشكل ثورة على طغيان قريش، كما كانت المسيحية ثورة على القياصرة، لكن هذه الثورة لم تكن لتمر مرور الكرام على قريش أو لتقبلها، بل على العكس من ذلك جعلت هذه الثورة قريشا تحارب الرسول (ص) منذ البداية حربا شعواء كان الهدف منها الحفاظ على مكانتها وامتيازاتها ومصالحها الطبقية، إلى درجة أن البعض دخلوا في الإسلام ظاهرا إلا أن باطنهم كان يخفي خلاف ذلك.

 يروي لنا عالم الاجتماع العراقي د. علي الوردي في كتابه “وعاظ السلاطين” أن أبا سفيان كان يود من صميم قلبه أن ينهزم المسلمون في واقعة حنين التي تلت فتح مكة، وذكر أنه هتف عندما رأى المسلمين ينهزمون بادئ الأمر حتى قال: ما أراهم يقفون دون البحر ولعله كان يريد أن ينهزم المسلمون ويرمون في البحر، ليضيف أنه عند واقعة اليرموك كان أبو سفيان يهتف لجيوش الروم ويود أن تنتصر على جيوش المسلمين.

وتذكر كتب التاريخ أن أبا سفيان مر بقبر حمزة عم الرسول (ص) الذي قتل في غزوة أحد فركل القبر برجله وقال: ” قم يا أبا يعلي فإن الأمر الذي قاتلتنا عليه صار إلينا وراثة “، فأبو سفيان لم يكن لينس عداءه للإسلام وخوضه الحروب في وجهه بادئ الأمر لأن أبو سفيان ومروان ومعاوية وغيرهم من زعماء قريش كانوا يشعرون بمرارة الخذلان الذي منوا به، وحاولوا استرجاع مجد قريش الضائع.

على النقيض من ذلك نجد الإمام علي ابن أبي طالب (ع) هذا الرجل الذي أحبه العرب لأنه ثار بهم ضد قريش المتجبرة المتكبرة، ولكنهم نقموا عليه بعدا حينما وجدوا أنه يساوي بين العرب والعجم ولا يفرق في ذلك بين سيد ومولى وبين حر وعبد وشريف ومشروف. يسوق لنا الباحث مختار أسدي في كتاب “أزمة العقل الشيعي” قصة تنسب للإمام علي مفادها أن امرأة عربية جاءته ذات يوم تريد تفضيل نفسها على صاحبتها القبطية فأخذ شيئا من التراب فقال: “ما أعلم أن الله فضل أحدا من الناس على أحد إلا بالتقوى والطاعة”، فقد عاش الإمام علي ربع عمره من أجل وحدة المسلمين صبرا واحتسابا، وهو القائل: “لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين” فكان جزاءه من ذلك السب واللعن من خصومه من فوق المنابر، لأنهم كانوا يتهمونه بتفريق الجماعة وشق عصا الطاعة، لكن ما هي الجماعة التي يتحدثون عنها؟ إنها جماعة الباطل والظلم والحكام المستبدين.

التاريخ طبعا يقول كلمته في كل عصر وحين، فقد خلد اسم علي ومجده مجدا يستغرق الدهر كله وعلى امتداد العصور والأجيال، حتى أصبح اسم علي كما ورد على لسان العقاد في “عبقرية الإمام علي” علما يلتف به كل مغضوب، وصيحة ينادي بها كل طالب إنصاف، وقامت به الدول بعد موته، لأنه لم تقم له دولة في حياته، وجعل الغاضبون على كل مجتمع باغ وكل حكومة جائرة يلوذون بالدعوة العلوية كأنها الدعوة المرادفة لكلمة الإصلاح، أو كأنها المنفسُ الذي يستروح إليه كل مكظوم. وعلى نهج الثورة على الظلم والوقوف إلى جانب المحرومين والفقراء الذين أعياهم وأنهكهم البغي والجور، سار أهله من بيت النبوة من بعده.

في هذا الصراع المرير الذي عرفه التاريخ الإسلامي كما غيره من تواريخ الأمم الأخرى، بين فريقين متناقضين في المبادئ والأسس والأهداف، ففريق يريد الملك والجاه والرئاسة، وفريق أخر يريد العدل والإنصاف وتحقيق المساواة بين الناس وجعلهم سواسية كأسنان المشط. هنا يبقى الإنسان حائرا لا يعرف أي الفريقين على حق وأيهما على باطل  من هذا الصراع، ليأتي الجواب على لسان الإمام علي (ع) عندما قال قولته الشهيرة في هذا الباب واضعا أصبعه على الجُرح: “إن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، فاعرف الحق تعرف أهله واعرف الباطل تعرف أهله”. وفي هذا يقول الرسول (ص) : “علي مع الحق يدور حيث دار”.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. بالليبي نقول (كل عقل شايل من الهموم مجازه ) انت وين والناس وين . قال . ركل . هتف . انت كنت معاهم .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here