إبراهيم بن مدان: كهنة اللغة العربية الفصحى من نفي الإبداع إلى التزمت.!

ibrahim bin moudan.jpg55

إبراهيم بن مدان

في حوار له مع إحدى القنوات التلفزية علق الشاعر والمفكر أدونيس عن الإبداع قائلا: “الإبداع لا ينمو إلا في جو من الإلحاد”. بطبيعة الحال هو لا يشير إلى الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله أو شيء من هذا القبيل، وإنما عدم الاستكانة والتقيد بالقوانين والمنطلقات التي وضعتها الجماعة وتعوق مسير وتقدم الأفراد، فالذين لم يتعودوا أن كسر جميع القيود، وتخطي جميع الحواجز، ليسوا ولن يكونوا مبدعين بالمرة.. الإبداع يتطلب من المرء شجاعة لا تضاهى يستطيع من خلالها أن يقول ها أنا رغم كل المعيقات، رغم جميع الأعراف، رغم كل التقاليد، ويتحداها معلنا عن ذاته، دون ذلك لا يكون إبداعا، إنما تقليد واجترار وتكرار، فإن أردنا أن نناقش المسألة في شموليتها، نجد “كهنة اللغة العربية” لا ينظرون لها باعتبارها كائنا حيا يتغير ويتبدل، بل يفضلون وضعها في قالب جامد ضاربين عرض الحائط كل دعاوى التجديد والإبداع.

فإذا ارتأينا قياس الإبداع لدى كهنة اللغة العربية فسنرى الفرق شاسعا بينهم وبينه، بل نكاد نجزم أن الإبداع في واد وهم في واد آخر تفصلهم مسافة ما بين المشرق والمغرب. يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه ‘خوارق اللاشعور’ : “عيب العرب الأكبر أنهم مولعون بالحذلقات اللغوية والشعرية في زمن نحن أحوج الناس فيه إلى ما ينير لنا سبيل الحياة ويشجع النبوغ والإبداع في الأفراد. همّ أحدنا أن يكتب بحثاً عن أحد الشعراء البائدين أو يؤلف كتاباً عن رفع الفاعل ونصب المفعول أو يلقي خطاباً رناناً عن مجد الأجداد ثم يهتف منشداً: ( حسبنا أننا عرب ).

فهم عوض جعل اللغة العربية الفصحى لغة حياة وتداول بين الناس من خلال العمل على تبسيطها بحذف جميع القيود والقواعد اللامنطقية والغير ضرورية، نرى العكس من ذلك تماما، يسعون لتعقيدها بدل ذلك ويخلقون نقاشات ثانوية لا تخدم اللغة العربية في شيء من قبيل: هل نقول أن أو نقول إن؟ أو هل يصح أن نقول الرئيسية أم الرئيسة وأيهما أصوب؟ ولماذا بالضرورة يجب أن تبدأ الجملة بالفعل لا بالفاعل؟!….”هي أسئلة وغيرها الكثير يحق لنا طرحها ومناقشتها لنستنتج من خلالها أن أصحاب العقلية التراثية المتزمتة البائدة أو إن صح القول” كهنة اللغة” يسيئون لها أكثر مما يحسنون بهذه التعقيدات التي لا فائدة منها، في الوقت الذي نجد أصحاب اللغات الأخرى “المتقدمة” يحذفون مصطلحات من لغاتهم ويضيفون مصطلحات أخرى مع كل سنتين أو ثلاث لأجل تبسيط لغاتهم أمام الغير حتى يرغب الجميع في تعلمها والإلمام بها.

يريدون إبعاد العامة عن لغتهم الأم الجامعة، وإرجاعهم إلى اللغة العربية الفصيحة ما قبل ألف سنة؛ لغة أبو الأسود الدؤلي وسيبويه ناسين أو متناسين أنهم يعيشون في القرن الواحد والعشرين عصر التكنولوجيا والأقمار الاصطناعية.. حتى إذا رأوا مصطلحا انتشر بين الناس بحثوا عن الابتذال أو اكتشاف قاعدة تخطئ المصطلح المتداول. يقول د. بوعلي ياسين في هذا الصدد: “كهنة الفصحى هؤلاء، عجزوا كما يقال عن ترجمة “سندويش” وفضلوا أن يسود هذا الإسم الأجنبي على أن يقبلوا بالتسمية الشعبية القديمة، والسابقة لمعرفتنا بالمصطلح الأجنبي، وهي “قضوضة”، لأنهم اعتبروها عامية أو لمجرد أن العوام استعملوها، مع العلم أنها عربية أصيلة جذرها “قض” وعلى وزن “فعولة”، وهو وزن عربي مثل “حدوثة” و “سبورة” وغيرهما.”!.

فحتى إن أراد الواحد منهم الحديث يتعمد الإتيان بغريب الألفاظ واستعراض العضلات اللغوية، مع العلم أن التقعر في الكلام عند العرب يعتبر قلة أدب وهو مذموم ذما شديدا. يقول الجاحظ في’البيان والتبيين’: “ومتى كان اللفظ كريمًا في نفسه، متخيرًا في جنسه، وكان سليمًا من الفضول بريئًا من التعقيد، حُبِّب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب”. فالمراد من كلام الجاحظ ها هنا هو الدعوة إلى اختيار الألفاظ السهلة الميسرة واجتناب تعقيد الكلام والتقعر فيه وتجنب العبارات المنمقة والجمل الإنشائية الفارغة من المحتوى. يقول الرسول(ص) “إنَّ من أحبكم إلي، وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون”.. انقرضوا يرحمكم الله ويغفر لكم.!

طالب باحث: المغرب

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. اولا انت تدافع عن ادونيس وتقوله ما لم يقل، فالرجل يقول عت نفسه حسب كلامك انه ملحد اي ينفي وجود الله الخالق الرازق وانت تقول الالحاد ليس معناه نفي وجود الله ولكنه يعني التحرر من القيود…ادونيس ليس فقط انه لا يؤنن بالدين ولكنه ينفي ان يكون عربيا. هو يقول عن نفسه ان فينيقي…هو حر في تدينه من عدمه كما انه حر في رفضه عروبته….ولذلك ليس من اللائق الدفاه عنه واعتباره نموذجا يحتذى به.
    ثانيا انت تنتقد دعاة الحفاظ على اللغة العربية، وتقول عنهم انهم يريدون العودة بالبشر الى عصر سيبويه وابي الأسود، من قال لك هذا وهل هناك تصريح واحد يقول فيه صاحبه انتا تريد العودة الى عصر سيبويه،،، موقفك هذا، كما هو موقفك من الدين يجعلك تبشر برؤية معادية للعربية كلغة جامعة لابناء المنطقة، وللإسلام كدين جامع لغالبية المنتمين للحوض الحضاري الكبير الممتد من الخليج العربي شرقا الى المحيط الأطلسي غربا…هذا لا يعني اننا نعادي ضرورة تطوير العربية وجعلها تساير عصرها. كما اننا لا نعادي تجديد الفقه واقول الفقه، وليس قواعد الدين واصوله، بما يجعله يستجيب لمتطلبات العصر الذي نعيشه دون كفر او الحاد و يجعل من العربية لغة العلم والعمل دون تهجم عليها..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here