إبراهيم ابراش: ما بين الأصولية الإسلاموية والأصوليات الدينية الأخرى

 

إبراهيم ابراش

أينما يممت النظر في العالم الإسلامي، وخصوصاً العربي منه، إلا ووجدت جماعات أصولية إرهابية تقتل وتخرب، في سوريا وليبيا والعراق واليمن وتونس ومصر وقبلهم في الجزائر والمغرب ودول أخرى عربية وغير عربية، وما ألحقته هذه الجماعات من خراب ودمار وقتل في ديار المسلمين يفوق بكثير مما فعلته بأعداء الإسلام والمسلمين.

فماذا تريد هذه الجماعات؟ وما شكل الدولة ونظامها الاجتماعي والاقتصادي والتنموي والتعليمي الذي ترومه كبديل عن الدول والأنظمة التي تعمل على تدميرها؟ وهل لهذه الجماعات مرجعية سياسية وفكرية وتنظيمية واحدة توجِه تفكيرها وتنسِق أعمالها في الدول المختلفة التي تنتشر فيها؟ أم أن القرآن والسنة والسلف الصالح مرجعيتها كما تزعُم؟ وهل القرآن والسنة والسلف الصالح مرجعية للقتل والإرهاب وتخريب الدول؟ أم مرجعية للبناء والسلام والمحبة وإعمار الأرض كما كان الأمر في العصور الزاهية للمسلمين؟ ولماذا الأصوليات الإسلامية من بين كل الأصوليات الدينية، هي التي تمارس الخراب والدمار وتسير عكس مسار التطور العلمي والحضاري ؟.

في عام 1994 نشرنا بحثاً في مجلة المستقبل العربي العدد 194 الصادرة في بيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان “حدود استحضار المقدس في الأمور الدنيوية: ملاحظات منهاجية”، وقد تمحور البحث حول ملاحظة أننا كمسلمين عرب من أكثر الشعوب استحضاراً للرب أو المقدس في كل مناحي الحياة، وقد خَلُصت في البحث إلى ضرورة إزالة الخلط بين ما هو مقدس سماوي أو رباني وما هو مقدس من صنع البشر، والفصل بين الدين والسياسة، وهو رأي سبقني إليه كثير من المفكرين والمثقفين المتنورين الذين تمردوا على رهاب الخوف من الخوض بأمور الدين بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن الخوض بأمور الدين من اختصاص (رجال الدين) فقط ، وكان لا بد من كسر هذا التابو أو المجال المُحرم عندما وجدوا أن ما يسيء للإسلام هي جماعات تتلطى بالإسلام ومن ينصبون أنفسهم فقهاء ورجال دين بالإضافة إلى توظيف الدين من طرف بعض الأنظمة.

ولكن يبدو أن الأمور سارت نحو مزيد من الخلط بين المقدس وغير المقدس لدرجة أصبحت بعض الجماعات والتوجهات الدينية تصطنع مقدساتها الأكثر قدسية من المقدس السماوي وتنصِّب نفسها مفوضاً عن الرب، إن لم تؤله نفسها.

كل المجتمعات البشرية المتحضرة بكل دياناتها تسعى لتعمير الأرض والأخذ بناصية الحضارة وحسمت أمر علاقة الدين بالدولة وفصلت بين ما هو ديني وما هو دنيوي وآل الأمر إلى نوع من المصالحة ما بينهما ليصبح الدين في خدمة الدولة والمصلحة العامة والتطور الحضاري دون أن يكون في ذلك أية إساءة للدين، إلا عندنا كمسلمين وخصوصاً (الإسلاموية العربية)، حيث الجماعات الإسلاموية العربية تسير عكس تيار الحضارة والتقدم وعكس المصلحة الوطنية للشعوب بل وعكس روح الإسلام والفهم العقلاني لرسالته السامية بحيث وظفت الدين وشطَّت في تفسيره وتأويله بما فيه إساءة للإسلام وخراب للأوطان.

صحيح، توجد جماعات أصولية متطرفة في كل الديانات إلا أن الأصوليات الإسلاموية العربية نشاز عن كل الأصوليات وخصوصاً فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة والمجتمع. الأصوليات الإسلاموية العربية تغالي في تطرفها حيث إنها: تدَّعي أنها ناطقة باسم الإسلام والمسلمين بل وباسم رب العالمين، أصولية متخلفة حضارياً وأخلاقياً وإنسانياً، تعادي وتُكفر كل من يختلف معها في الرأي والعقيدة، تهتم بشكليات التديُّن وتتجاهل جوهر الدين، نزعت الدين من مجاله ووظيفته الأنطولوجية السامية وهي التقرب إلى رب العالمين بالعمل الصالح وإعمار الأرض وإشباع الحاجات الروحية للإنسان وحولته إلى أيديولوجيا، تخرب الأوطان وثقافتها ولا تؤمن بها، تعادي الديمقراطية والتقدم والحداثة وإن تعاملت معهما فكأداة للتمكين والسيطرة، تثير الفتنة والأحقاد حتى بين المسلمين أنفسهم، مشتَّتة التوجهات، متضاربة المصالح، عداواتها وصراعاتها مع بعضها البعض ومع المسلمين أكثر شراسة وخطورة من عدائها مع غير المسلمين، صوت وتأثير الأموات عندهم أعلى وأهم من صوت وتأثير الأحياء، أصولية إسلاموية تنقلب على وتتعارض مع التفسير العقلاني للدين وتأخذ منه ما شذ من المتشابهات وتتجاهل ما هو بيِّن من حق وباطل، تُكرِه الناس على الخضوع للملتحين والمعمَمين والمتجلببين والمتسلحين بجهلهم وبسلاح الموت، وتتجاهل أهل العلوم بمختلف تصنيفاتها المتسلحين بتقوى الله دون شكليات وبشهاداتهم العلمية وخبرتهم وصناعاتهم، أصولية تهتم ببناء المساجد أكثر من اهتمامها ببناء المدارس والمصانع والمستشفيات ومراكز الأبحاث، بل تناوئ وتعادي العلم والعلماء و كل مظاهر الحضارة.

كل الشعوب تحترم تاريخها وموروثها الديني والثقافي ولكنها لا تحبس نفسها داخله، كما أنها تميز ما بين المقدس منه وغير مقدس، وما بين المقدس السماوي المُنزل من رب العالمين أو موحى به منه والمقدس الأرضي أو ما يصطنعه البشر من مقدسات لتحقيق أغراض دنيوية، كما أن هذه الشعوب ومن خلال التجربة والإدراك العميق لمغزى الدين توصلت إلى أن سَوسَ وإدارة أمور الناس شأن الناس أنفسهم وليس من اختصاص الرب أو من اختصاص رجال الدين، وأنه حيث يكون الحكم بيد الكهنوت أو رجال الدين يكون الاستبداد والطغيان والفوضى، وأن الأحياء أبقى من الأموات، وأن صلاح السلف يقاس على زمانهم وما يَصلُح للماضي ليس بالضرورة أن يصلُح للحاضر، وأن الجيل الراهن من العلماء والخبراء المتخصصين في كل المجالات أكثر فَهْماً وقدرة على التعامل مع قضايا الأمة واحتياجاتها من السلف الصالح ومن رجال الدين مهما علا شأنهم، وأنه كلما علا شأن الدولة وتقدمت وازدهرت علومها ومجتمعها كلما أصبح دينها أكثر احتراماً وتقديراً داخلياً وخارجياً .

هذا هو الحال بالنسبة للمجتمعات التي تُدين بالمسيحية والهندوسية والبوذية والموسوية والديانات والمذاهب الأخلاقية في الصين وأفريقيا الخ. فالمسيحية عند الشعوب التي تُدين بها لم تقف حائلاً أمام تقدم هذه الشعوب بل أصبح الغرب المسيحي، كما تنعته الأدبيات الإسلامية، سيد الحضارة والتقدم ومنبع ومصدر كل اختراع وإبداع مُفيد للبشرية في الطب والتكنولوجيا بكل أنواعها، في الزراعة وحماية البيئة والنقل والمواصلات والاتصالات، وهي إبداعات استفادت منها كل الشعوب بما فيها الشعوب الإسلامية التي ما كانت تخرج من حالة الجهل والتخلف في العصر الحديث لو بقيت منغلقة على تراثها وعلوم ومعارف السلف والتفسيرات الانتقائية والملتبسة للقرآن والسنة.

أخذُ الغرب بناصية العلم والحداثة لم يكن على حساب الديانة المسيحية أو حق ساكنة الغرب من مسيحيين وغيرهم من أصحاب الديانات ممارسة شعائرهم الدينية، بل اكتسبت الديانة المسيحية الاحترام والتقدير عندما خضعت الكنيسة ورجال الدين طواعية للدولة الوطنية وقوانينها الوضعية.

ونفس الأمر بالنسبة للشعوب الأخرى بدياناتهم ومنظوماتهم وفلسفاتهم الأخلاقية كالصين واليابان والهند التي بها عشرات الديانات السماوية والوضعية حتى بالنسبة للوثنيين وعبدة النار الخ، حيث لم تقف دياناتها ومعتقداتها الغيبية عائقاً أمام تقدمهم ونهضتهم. هذه الأمم تجاوزت مرحلة الصراعات والحروب التي كان سببها تعدد تفسيرات وتأويلات رجال الدين، وفي جميعها كان السمو لإرادة الشعب وللقوانين الوضعية وللعلم دون المس بحرية العبادة.

حتى عند اليهود تم توظيف العقيدة اليهودية حتى في تمظهراتها المتطرفة وبكل ما يعتريها من خرافات وتزوير، لخدمة الدولة وتأسيس مجتمع حضاري عصري، وكيف أن كل الأحزاب الإسرائيلية وعندما يتعلق الأمر بوجود الدولة وضرورات نهضتها وتطورها وحمايتها من المخاطر الخارجية يتناسون خلافاتهم، ويصبح اليهودي الأكثر شعبية وإخلاصاً لدينه هو الأكثر دفاعاً عن الدولة والمصلحة العامة، أما الخلافات على أساس ديني بين اليهود فهي مجرد ورقة للابتزاز السياسي والمالي ولم تشكل يوماً تهديداً لوجود الدولة.

صحيح، إن الدول غير الإسلامية بمجتمعاتها وأديانها وثقافاتها تتفاوت ما بين غرب استعماري وإمبريالي واستغلالي يتخوف من وحدة العرب والمسلمين ونهضتهم بل ويحاربهم، ودول إن لم تكن معادية للعرب والمسلمين إلا أن لها مصالحها القومية ونزعاتها الدينية والثقافية التي لا تتوافق دائماً مع مصالح العرب والمسلمين بل أحياناً تتصادم مع المسلمين في الدولة الواحدة كما هو الحال في الهند والصين وبورما وحتى في الغرب، ولكن ،هل يمكن مواجهة (أعداء الإسلام) بحالة التخلف والجهل الحضاري والسياسي والثقافي التي عليها وفيها حال المسلمين؟ وإلى متى سيتم السكوت عن مصادرة الدين الإسلامي من طرف قلة من الجهلة والمتخلفين والمرتزقة والمتطرفين الذين يتاجرون بالدين لإرضاء شهواتهم ورغباتهم المنحرفة أو لصالح دول وحكومات معادية للعرب وللإسلام الحقيقي؟ هل تساءل العقلاء في أمة الإسلام لماذا كان للغرب وأدواته في المنطقة دورٌ في صناعة وتمويل وتوجيه غالبية الجماعات الإسلاموية، من جماعة الإخوان المسلمين إلى القاعدة وداعش والنصرة مروراً بمئات الجماعات الأخرى؟ لماذا لو خُيِّر شباب المسلمين ما بين العيش في ديار الإسلام أو العيش في ديار الغرب النصراني والعلماني لاختار أغلبهم الأخيرة ؟.

المشكلة لا تكمن في الدين أو البعد الروحاني عند البشر ولا في أصل الدين كفكرة أو نصوص مقدسة، ولا في الإسلام الذي أسس في زمن مضى حضارة كانت نبراساً للعلم والمعرفة ومنها وعليها أقام الغرب حضارته، بل في جماعات أصولية صادرت الدين الإسلامي وفسَّرته على غير أصوله الحقيقية، ووظفته كأداة للارتزاق والصراع للوصول إلى السلطة. إنها جماعات تعبر عن نهج في التفكير والممارسة يسيء للإسلام والمسلمين أكثر مما ينفعهم، وإن استمر حال المسلمين على ما هم عليه فلن يكونوا خير أمة، لا في الدنيا ولا أعتقد أنهم سيكونون كذلك في الآخرة.

كاتب ووزير فلسطيني سابق

Ibrahemibrach1@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. حديث سليم جدا الجماعت او المنظمات المسماة اسلامية في البلاد العربية جميعها صناعة اما ماسونية بريطانية او امريكية صرفة او سعودية هدفها الفتنة وخلق حالة من الفوضى والحرب الاهلية
    لناخذ تركيا مثلا الحكومة اخوان مسلمين لكن الدستور علماني تقدمت تركيا كثيرا لكن رئيسها الاخواني خرج عن مبادئ حزبه صفر مشاكل وحطم وخرب سوريا طبقا لتليمات امريكية اوروبية اسرائيلية. قطر التي تدعي الاسلام يوجد بها ممثلية اسرائيلية ومفتيها اجاز شرعا للناتو بضرب سوريا وليبيا وخرب الدولتين وشتت شعبيهما.
    ما اريد قوله نحن مسلمين وديننا حنيف ومعظم شعوب العرب متدينين لكن الاحزاب التي تدعي انها اسلامية هي احزاب مشبوهة وتاسيسها بريطاني والان تحت الراية الامريكية ولا اخص هنا حركات المقاومةكحماس والجهاد الاسلامي فهي حركات تحرر وطني

  2. أثارني المقال بعنوانه الجذاب ، فظننت أن الكاتب يبدأ بالمقارنة أولا بين الإسلام وبين غيره من الديانات سماوية أم وثنية للإنتقال إلى تحليل خلفيات الجماعات الإسلامية المتميزة تميز مرجعيتها عن غيرها، وأدبياتها في التعاطي مع الواقع السياسي الذي تعيشه في الدول الإسلامية وخاصة العربية،لكن ذلك لم يحدث فوجدت بدله خطابا علمانيا متطرفا يجتر التهم الجاهزة للجماعة الإسلامية التي تحفظها ـ عن ظهر قلب ـ السلطة العربية المعتلة سياسيا والمختلة حضاريا ،ومن العجب العجاب أن تبحث دائما السلطات الفاشلة على إمتداد الوطن العربي شماعات خارجية تعلق عليها إفلاسها الحضاري في تحقيق طفرة حضارية تعبر بها المجتمعات العربية من التخلف إلى التقدم ،ودائما تجد الجماعات الإسلامية هي الحل لتحمل المسؤولية والتنصل منها والهروب من المحاكمة التاريخية،ولاتعدم هذه السلطات سماسرة يدافعون عن فشلها وإفلاسها غير اللوبي العلماني الأعمى والإنتهازي الذي يستفيد من ريعها ويدافع عن هيكلها فهم أشبه بكلب أهل الكهف الذي نام بنومهم ثلاثة قرون .
    يا سيدي المحترم بدل أن تسأل السلطة العربية ماذا أنجزت طوال عقود من الزمن ؟ وهي التي إستولت على السلطة والمال والأمن ولم تجني منها الأمة غير الإستبداد والفساد والإضطهاد
    وهل للجماعات الإسلامية مسؤولية في تسيير الشأن العام ؟ على العكس فالجماعات الإسلامية هي التي دفعت ثمن معارضتها الشرسة لهذه السلطات العبثية و وقفت بالمرصاد لها بينما يقبع العلمانيون أمثالكم في سرايا الأنظمة يقتاتون من موائدها ،ويستفيدون من ريعها بعد إخصائكم سياسيا لتعيشون مع الحريم السياسي داخل قصورها المغلقة .

  3. هذه ارض الاديان، لم اذن لا تسحب الدولة البساط من تحت الجماعات الاصولية وتسعى هي لتطبيق الدين المتنور؟ لقد جربنا الاشتراكية والقومية والرأسمالية والليبرالية والعلمانية وكل المذاهب الارضية. وكان الحصاد هزيلا، ان لم اقل مرا، بالمعايير التنموية والديمقراطية والحوكمة الرشيدة والهوية الوطنية وهيمنة الاجنبي. لم لا نجرب الاسلام “المتنور” معرفا بقطعياته ومحكماته وبيناته؟ اخذين بعين الاعتبار ان لكل امة تاريخها وظروفها وخصوصياتها المتميزة ولا يمكن تكرار التجارب التنموية لدول اخرى.

  4. الحضاره الاسلاميه والتي تعترف بانها قدمت الكثير لم تكن تفصل الدين عن الدوله بل كانا سوياً
    الخطا في ان الغرب ولى علينا من ارادنا ان نكون هكذا
    الاصولين او المتطرفين ما هم الا صناعة هذه الانظمه واسيادهم
    لتاخذ فرصتك للمطالبه بفصل الدين عن الدوله

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here