إبراهيم أبو عواد: ياروسلاف سيفرت والطرد من الحزب الشيوعي

ibrahim-aby-awad.jpg888

إبراهيم أبو عواد

     وُلد الشاعر التشيكي ياروسلاف سيفرت ( 1901_ 1986) في العاصمة براغ لأسرة عُمَّالية. كانت والدته كاثوليكية مُتحمِّسة ، ووالده مناضلاً اشتراكِيًّا .

     عَرف سيفرت _ خلال سنوات حياته الأولى تحت الإمبراطورية النمساوية المجرية _ الفقرَ الذي ضرب عائلته ، كحال جميع سكان الأحياء العُمَّالية في براغ ، وخاصَّة ( حي جيجكوف ) ، حيث وُلد . ولهذا له مكانة بارزة في التَّشكل الاجتماعي ، كما أنه عالَم البؤس والاستغلال والخطيئة ، وكذلك عالَم الطبقة العاملة والمراقص الشعبية والحانات .

     وعلى الرغم مِن إرادة والديه _ الذي كان يُحبهما بإخلاص _ غادرَ الثانوية قبل حصوله على البكالوريا ، لِيُخصِّص وقته للشِّعر والثورة الاشتراكية ، التي هَزَّت العالَمَ بعد انحدارها من الحرب العالمية الأولى . وفي الثامنة عشرة من عُمره، بعد أن شاركَ لفترة قصيرة في الحركة الفوضوية ، نشرَ أُولى قصائده في صحيفة ( حق الشعب ) الاشتراكية الديمقراطية .

     في عام 1921، نشرَ أول دواوينه ” مدينة الدموع ” ، يومها كان يَعتبر نفسه شاعرًا بروليتارِيًّا ، وهي لافتة تَجَمَّع تحتها العديد من كبار الشعراء في عشرينات القرن العشرين .

     وقد عَبَّرَ في قصائده عن موقفه البروليتاري مِمَّا يجري حوله ، وعن تطلعاته الثورية . أمَّا في ديوانه الثاني ” حُب بِحُب ” ( 1923) ، فقد امتدحَ التطور التقني الحضاري التشيكي ، واللذة الحسية، والسَّفر إلى أمكنة بعيدة مجهولة، وجماليات تفاصيل الحياة اليومية . وقد شَكَّلَ هذا الديوان على صعيد الشكل والمضمون نقلةً نوعية في شِعر سيفرت نحو المذهب الشِّعري ، الذي تجلى في ديوانه ” على مَوجات الأثير ” ( 1925) .

     وبعد إقامته مدة عام تقريبًا في الاتحاد السوفييتي السابق ، نشرَ في عام 1926ديوان ” غِناء عندليبك لا يُطرِب ” ، الذي تناولت قصائدُه مسائل اجتماعية شائكة ، أدَّت إلى جانب مواقفه السياسية المنفتحة على الآخر ، إلى طرده من الحزب الشيوعي التشيكي عام 1929.

     وفي دواوينه اللاحقة ، مِثْل : ” تفاحة مِن الغصن ” ( 1933) . ” وداعًا للربيع″( 1937)، التفتَ إلى موضوعات الوطن والطفولة وبيت الأسرة ، ولا سَيَّما موضوع الأم ، ودور المرأة في بناء المجتمع. وبسبب مواقفه الصريحة من خطر النازية على الوطن ، ومِن فاشية موسوليني وفرانكو، عادَ التقارب بينه وبين الحزب الشيوعي ، ولكن إلى حين .

     في أثناء الاحتلال النازي لوطنه ، نشر سيفرت المجموعة الشِّعرية ” مروحة بوجني نيمكوفي ” (1940) ، التي أكَّدت قصائدها على الوحدة الوطنية ، وعلى ضرورة تَوطيد الثقة بالنَّفْس في مُواجهة الطغيان من أجل التحرير . وفي عام 1945، صدرت له مجموعة ” خُوذة مِن تراب ” ، التي مَجَّدَ في قصائدها انتفاضة مدينة براغ ، وتحرُّر بلاده من الاحتلال النازي .

     في أثناء الستينات ، نشر سيفرت ” كونسرت في الجزيرة ” ( 1965) ، و ” مُذنَّب هالي ”    ( 1967) ، اللذين حملت قصائدُهما الكثير من سمات السيرة الذاتية بصدق حياتي مُؤثِّر وشعرية نفَّاذة ، فلُقِّبَ سيفرت ” شاعر الأُمَّة التشيكية ” . لكنَّه عندما عارضَ غزو الجيش السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968، لإسقاط ما سُمِّيَ آنذاك ” ربيع براغ ” ، طُرد مُجَدَّدًا من الحزب الشيوعي ، وأُلْقِيَ عليه وعلى أعماله ستار من الصمت والتهميش ، مِمَّا دفعه إلى نشر دواوينه الجديدة في ألمانيا الغربية . وقد هيمنت على دواوين السبعينات والثمانينات موضوع الشيخوخة ومواجهة الموت ، كما في ” عمود الطاعون ” ( 1981) ، و ” أن تكون شاعرًا ” ( 1983) .

     حصل سيفرت على جائزة نوبل للآداب عام 1984. ووفقًا لموقع جائزة نوبل الرسمي ، فقد حصل على الجائزة : (( لأشعاره التي تُغطِّيها العذوبة وثروة الابتكارة ، مِمَّا يُقدِّم صورة مُتحرِّرة عن رُوح الإنسان وبراعته التي لا تُقهَر )) .

     ورأى بعضُهم أن الجائزة تكريم لجيل طويل من أولئك الكبار في الشِّعر التشيكي الحديث . وكان سيفرت الوحيد الذي لا يزال على قَيد الحياة بينهم. وفي بيان الجائزة ، جاءت عبارة اللجنة على النحو الآتي : (( أكبر شاعر وجداني خلال ألف سنة في الأدب التشيكي ، كما أنه مُعلِّم كبير مِن مُعلِّمي الشِّعر العالمي )) .

     في ديوانه الشِّعري الأخير ” أن تكون شاعرًا ” ( 1983) ، يعود الشاعرُ إلى مراهقته ، وإلى حُبِّه الأول :

     (( عَلَّمَتْني الحياة / مُنذُ زمنٍ طويل / أن أجمل الأشياء التي يمكنها مَنحنا إيَّاها / الموسيقى والشِّعر / إِن اسْتَثْنَيْنَا الحب طَبْعًا )) .

كاتب من الأردن

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here