إبراهيم أبو عواد: الوردة التي لا تدوسها الأقدام

ibrahim-aby-awad.jpg888

إبراهيم أبو عواد

(1) كُن وَردةً تَنشر عِطْرَها ، ولا يُمكن سَحْقُها تَحْتَ الأقدام .

     التَّسامحُ لا يَعْني الضَّعفَ والخضوعَ . فالتسامحُ قوةٌ وانتصار . والقيمُ النبيلة لا تَصْدرُ من الضُّعفاء ، بل تَصْدر من الأقوياء . فالضعيفُ يتحرك رَغْمَ أنفه لأنه مُضْطر وخاضع لقوى خارجية، أمَّا القويُّ فيتحرك انطلاقاً من الوازع الداخلي بدون ضغوطات خارجية . والضعيفُ يَعتبر الخيرَ سِلاحاً دفاعياً ، أمَّا القويُّ فَيَعتبر الخيرَ سلاحاً هجومياً . والضعيفُ يَنظر إلى الخير بِوَصْفه نسقاً حياتياً، أمَّا القويُّ فَيَنظر إلى الخير بوصفه حياةً قائمة بذاتها. القويُّ يُسامِح الآخرين ، ولا يَسْمحُ لأحدٍ بالتطاول عليه أو كَسْره. المحبةُ تُحيطه بهالةٍ واقية وسِياجٍ مُكَهْرَبٍ . وللأسف الشديد، فقد ارتبطَ الاحترامُ بالسَّذاجة ، وارتبطَ التسامح بالضَّعف ، وارتبطَ الإجرامُ بالقوة .

(2) الدَّمارُ أَحدُ أركانِ الحضارةِ .

     ” لَوْ ” لا مَعْنَى لها في سياق الانكسارِ الإنسانِيِّ والانهيار الحضاريِّ . لَوْ فَعَلَ الإنسانُ كَذا لَمَا مات . لَوْ فَعَلْنا كذا لَمَا قَامَت الحربُ . لَوْ عَمِلْنا كَذا لَمَا انهارت الحضارةُ . الإنسانُ يَمشي إلى الهاويةِ بِرِجْلَيْهِ ، والحضارةُ تَسيرُ إلى الخرابِ عَلى قَدَمَيْها. تَمُرُّ الحضارةُ بِنَفْسِ الأطوارِ التي يَمُرُّ بِها الإنسانُ : الولادة ، الطفولة ، الشباب ، الكُهولة ، الشَّيخوخةِ ، الموت . والمسافةُ بَيْنَ الانبعاثِ والانطفاءِ هي الفُسحة الزَّمنية لصناعةِ الأحلامِ أوْ إضاعتها . والدَّمارُ واقعٌ عمليٌّ ، لأنَّ الإنسانَ كائنٌ ناقصٌ . ومَهْما بَلَغَ مِنَ الذكاءِ والعَبقرِيَّةِ سيظلُّ عَقْلُه محدوداً . والبشريةُ لن تتعلم من التاريخ حتى لو حفظت التاريخَ عن ظَهْر قلب . لَم تَستفِد البشريةُ مِن أخطائها ، لأنَّ كُلَّ فَرْدٍ يعتقد أنَّه استثناء ، وَكُلَّ حضارةٍ تعتقد أنها استثناء . إنَّ الدمارَ لا يُفَرِّق بين القاعدة والاستثناء . التاريخُ يُعيد نَفْسَه بأدوات العَصْرِ الْمُعاش، والحضارةُ الإنسانيةُ مَحكومة بالفناء ، وتَتحرَّك في دائرة مُغلَقة. سَوْفَ تُكرِّر البشريةُ نَفْسَ الأخطاء ، كما يُكرِّر السياسيون نَفْسَ الأخطاء ، وَيَقُودون بلادهم إلى الدمار، لأن الإنسان والحضارة لا يتحركان بمفردهما في هذا الوجود . هناك عوامل خارجة عن إرادة الإنسان، وهناك ظروف مفروضة على الحضارة ، لا شأن للحضارة بها . لذلك ، تصبح رَدَّةُ الفِعل في أحيان كثيرة هي فِعلاً قائماً بذاته. ومهما كان حارسُ المرمى واثقاً مِن نفْسه ومن قدراته ، فلا بد أن تدخل الأهداف في مرماه ، لأنه لا يملك القدرة على صد كُل الكرات. إن الدمار والحضارة وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما . وكل حضارة تشتمل على عوامل انهيارها في داخلها ، كما أن الذبول جزء لا يتجزأ من حياة الوردة . والعبقريةُ لا تَستطيع مَنْعَ الدمارِ ، لكنها تَستطيع إدارة الدمار ، والتقليل مِن آثاره وأضراره .

(3) هُناكَ أشخاصٌ يَبْحَثُونَ عَن الكَرَاهِيَةِ لِيَتَمَسَّكُوا بالْحُبِّ .

     بِضِدِّها تتبيَّن الأشياءُ . كأننا نبحث عن ضوء الحب في الليل المظلم . ندرس الأمراض كي نتجنبها . دِرهم وِقاية خَيرٌ مِن قِنطار علاج . نعرف حدود الْحُفَر لئلا نسقط فيها . لن نعرف قيمة الشمس إلا عندما نرى القمر ، ولن نعرف قيمة القمر إلا عندما نرى الشمس . لا بد من التوازن بين العناصر . لا بد من الوقوف بين الأضداد مُتَأمِّلين ، وخاشعين لِعَظَمَةِ اللهِ . ولَن تَعْرِفَ التأمُّلَ الحقيقيَّ إلا عِندَما تَمشي في الليلِ وَحيداً . وهذا سَيَقُودُكَ إلى مَعرفةِ عَظَمَةِ الخالق تعالى . مَن أرادَ أن يُصْبِحَ فَيْلَسُوفاً فَلْيَمْشِ في الليل وَحيداً . سَيَتَّحِدُ بالأشجارِ ، وَيُعيدُ اكتشافَ ذاته ، ويَرى عَناصرَ الطبيعةِ بِقَلْبه . يُعيد بناءَ العالَم . سَيَرى الكَوْنَ الذي لا يُرَى . سَيَمْشي الأمواتُ مَعَهُ . يُعيدُ رُؤيةَ حياته كَشريطٍ سينمائيٍّ . يَعيشُ مَعَ الأمواتِ ، ويُولَد مِن جَديد . والْمُبْدِعُ هُوَ الذي يَرَى ما لا يُرى .

كاتب من الأردن

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here