أ. مصطفى النجار: تنظيم “الدولة الاسلامية” وتكتيكات المستقبل

أ. مصطفى النجار

بعد التقرير السنوي الأمريكي عن الإرهاب، عقب عدة أيام من إعلان الرئيس الأمريكي عن قتل البغدادي زعيم “تنظيم “الدولة الاسلامية” الإسلامية”، ليحمل في طياته بأن تكتيكات التنظيم  واستخدامه التقنيات قد تطورت  العام الماضي، وأن عودة المقاتلين إلى بلادهم يشكل خطرا جديداً، كما أن التنظيم نفذ 8 آلاف و93 عملية في العالم  توزعت في  84 دولة.

لم يُغفل التنظيم التقرير فنشر خلاصته في صحيفته الأسبوعية النبأ الأسبوع الماضي، كما افتتحها بالحديث عن زعيم التنظيم السابق معنوناُ الافتتاحية  “ورحل مجدد ملة إبراهيم”  ليعقب ذلك بنقل الصحيفة توثيقات التنظيم لبيعات الجنود للأمير الجديد.

ويبدو أن الضربة التي تلقاها التنظيم بالرغم من قوتها، إلا أنها تمثل إنجازاَ تكتيكياً ونصراً اعتبارياً، أمام المنظمة الأخطر في العالم بين المنظمات “الجهادية” الأكثر جاذبية والأوسع انتشاراً، لكن التنظيم  دلل على تماسك هيكليته البيروقراطية، وتكيفه مع التحدي الذي واجهه بمقتل قائده، فقد خرج الذراع الإعلامي للتنظيم “الفرقان” بعد أيام قليلة، ليؤكد مقتل البغدادي والناطق باسم التنظيم المهاجر، وتعيين أبو إبراهيم الهاشمي القرشي “أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين” و “أبو حمزة القرشي” ناطقاً بديلاً للتنظيم، متوعدين “أميركا” كما وصفوها بالثأر.

ويعد تعيين التنظيم بديلاً للبغدادي بهذه السرعة تطوراً لحالته، عن  الحالة التي شهدها التنظيم عقب مقتل زعيمه الأول أبا عمر البغدادي في إبريل 2010م، فقد صدر بياناً بالإقرار بمقتله مع القيادي  أبي حمزة المصري، فيما أعلن بعد شهر عن تنصيب  أبي بكر البغدادي، الذي قاد التنظيم لقرابة العقد، ونقل التنظيم من الهشاشة والضعف إلى السيطرة على مساحات واسعة  من سوريا والعراق ومناطق متفرقة من العالم خلال 4 أعوام، استدعت تضافر جهود 75دولة للقضاء عليه.

ظهر البغدادي مرئيا مرتين إحداها خطبته المشهورة  في يوليو 2014م في المسجد الكبير بالموصل  والتي تزامنت مع إعلان التنظيم “الخلافة”، والثانية في أبريل 2019م  بعد 5 سنوات من غياب صورته، في اصدار للتنظيم بعنوان “في ضيافة أمير المؤمنين” تحدث فيه عن معركة التنظيم في الباغوز، وكانت كلمته الصوتية الأخيرة في سبتمبر الماضي تضمن وصايا لمقاتليه.

ومن المرجح أن في تسريع إعلان التنظيم لزعيمه والناطق باسمه الذي قتل في عملية أمريكية في جرابلس بعد يوم من مصرع البغدادي، والذي يعد الناطق الثالث للتنظيم بعد أبي محمد العدناني الذي قتل في غارة للتحالف بحلب  في أغسطس 2016م،  ومحارب الجبوري الذي قتل في مايو 2007م في عملية للقوات الأمريكية في بغداد، وخلع ألقاب القرشية على الرجلين رسالة للشرعيين من الإسلاميين بأن القرشية من الشروط المعتبرة لدى التنظيم في القيادة، ورسالة بأن التنظيم قوي.

ويرى الكثير من المراقبين أن إعلان الرئيس ترامب عن مقتل البغدادي كان يحمل نوعاً من المبالغة في التوصيف “كبكاء البغدادي” الأمر الذي دفع رئيس الأركان الأمريكي مارك ميلاي في اليوم التالي إلى عقد مؤتمر صحفي يخالف في بعض معلوماته  رواية الرئيس الأمريكي كالبكاء، فيما يكاد يتفق الباحثون والخبراء والمراكز الاستخباراتية على أن مقتل البغدادي نجاح رمزي، وأن التنظيم انتقل من “الخلافة” إلى “المنظمة” وحروب العصابات ،  بعد فقدانه للمدن التي كان يسيطر عليها كالموصل والرقة وصولاً إلى المناطق الصغيرة كالباغوز، فأعاد التنظيم هيكلة  ذاته عسكرياً  وأمنياً وإدارياً وشرعياً وإعلامياً، لينهي صفحة مجابهته التقليدية المعروفة ويبدأ حروب الاستنزاف.

ولعل ما  صرح به جيمس جيفري المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا في أغسطس الماضي بأن أعداد مقاتلي التنظيم يتراوحون  بين 15-20 ألفاً،  إذا ما أضيف إليها الترشيحات بأن زعيم التنظيم الجديد يلقب ب”المدمر” عبد الله قرداش الذي كان قد تولى الأمن في التنظيم، أو حجي عبد الناصر العراقي الذي تولى اللجنة المفوضة،  ورصدت أمريكيا 5مليون دولار لمن يدلي بمعلومات توصل إليه، المعطيات السابقة تعني أن المستقبل سيزخر بموجات من العنف مع  صلابة الأيدولوجية للتنظيم وشدتها وصعوبة القيادة.

ويمكن القول بأن المعارضين   للرئيس الأمريكي في إعلانه الانتصار على التنظيم  والإجهاز عليه، ثم اتخاذه قرار الانسحاب من سوريا في ديسمبر 2018م، كانوا أكثر معرفة بطبيعة “الجماعات الجهادية”  وأشدها فتكاً “تنظيم “الدولة الاسلامية””، مع التخوف من العمليات  الأخيرة التي دارت بين تركيا والأكراد الذين يحتجزون ما يقدر بنحو 12ألف مقاتل من التنظيم، مع وجود 70 ألف من ذويهم في المخيمات التي تديرها قسد، ما قد يترك مساحة لفرار الكثير منهم وانضمامهم لجيوب التنظيم وقيامهم بالعمليات المستمرة، التي أعلن التنظيم في عدديه الأخيرين عن بلوغها 123عملية  قتل وأصيب فيها 429 شخص خلال الأسبوعين المنصرمين.

وقد شملت عمليات التنظيم  مناطق التنظيم المختلفة  في قارتي آسيا وأفريقيا لتتركز نشاطاته  في المناطق البعيدة كوسط أفريقيا وغربها ووسط آسيا، مع تراجع واضح لعمليات التنظيم في أوروبا وأمريكا بعد الضربات التي تلقاها، والتي أثرت على قدرة التنظيم على تنفيذها، كما أثرت على القدرة الإعلامية للتنظيم بعد أن تقلصت أعداد الإصدارات التي ينتجها إلى حد كبير، ويظهر الضعف في نوعيتها عن الإصدارات في الأعوام السابقة، كما اختفت منابر التنظيم كصحيفة دابق ورومية والاعتصام والهمة، وبقيت الفرقان ونشرات الإخبار الصوتية، والنبأ الأسبوعية، التي هدد التنظيم في عددها الأخير نهاية الأسبوع الماضي  تحت عنوان “مظاهرات العراق الصحوات”  بأن يستأصل الجماعات التي قاتلها التنظيم من قبل في العراق وتنوي إعادة تشكيل نفسها ولم يستثنى حتى القاعدة بالإيحاء، داعياً الجميع للتوبة.

سبق ذلك مقالاً نشرته صحيفة ” نيويورك تايمز ” الأمريكية، كشفت  بأن البيت الذي قتل فيه البغدادي في بلدة بلدة باريشا  في مدينة إدلب شمال غربي سوريا، قد وجد فيه دفتر فواتير يوثق دفع التنظيم لجماعة “حراس الدين” القاعدية، 67 ألف دولار مقابل حمايته، من هيئة تحرير الشام التي انشقت عنها حينما  فكت ارتباطها عن القاعدة الأم ، لتعلن حراس الدين تمسها ببيعة الظواهري في فبراير 2018م، وضمت عددا من القادة في التكتل السابق ومنهم سامي العريدي و أبوالقسام وأبوخديجة الأردني وغيرهم، الذين يعلنون رفضهم للاتفاقات الدولية التي توافق عليها الفصائل كاتفاق “سوتشي”.

وبالرغم من تعرض جماعة حراس الدين للاعتداءات من هيئة تحرير الشام، والخصام بين الطائفتين، إلا أنه فيما يظهر أن تنظيم “الدولة الاسلامية” استغل ذلك في تأمين زعيمه، بالتعاون مع عدد محدود من أفراد الجماعة دون التحالف التنظيمي، لاعتقاد التنظيم كفر هذا الفصيل، فقد حكم عليه بالردة في  أبريل 2018م في العدد 129 من صحيفة النبأ ووصفهم “بحراس الشرك” لعدة أسباب ذكرتها الصحيفة، ما يرجح استخدام التنظيم  هذه الجماعة التي تدين لعدوه الظواهري بالولاء كأداة وحسب، ومحاولة استمالتهم  إليه، دون التحالف بين التنظيمين، اللذين يختلفان أيدولوجياَ، و يناصبان أمريكا العداء.

ونخلص أن نهاية البغدادي وتصريحات التنظيم ومعطيات التقرير السنوي للإرهاب وفصول الواقع ترسخ قناعة بأن دوامة العنف التي يقودها التنظيم لن تنتهي على المدى القريب، ما دامت أسباب الفوضى التي يستغلها خصبة مع شدة الأنظمة القمعية مع شعوبها، والخلافات الطائفية، والنزاعات الحدودية، وغياب الاستقرار في المجتمعات، والتدخلات الدولية في خصوصيات الدول الضعيفة وغيرها.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. جهود خمسة وسبعين دولة للقضاء على الخليفة الغداي هي ذات الدول التي دعمته وتقوية تنظمة ما وسلاح وخطط وعملاء في العراق وتركيا وسوريا اتاحواله وتنظيمه اكتساح أراضي شاسعة في سوريا والعراق وانتشار في أوروبا والوطن العربي وأفريقيا ولاوجودلهم عنفا في أمريكا والسعودية وقطر وبريطانيا وجودهم في هذه الدول دعما وتأهيلا لتدمير بلدان عربية وهدم اقتصادها وإضعاف جيشها حبا وكرامة للوجود الإستيطاني الصهيوني أليهودي العنصري.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here