أ. محمد حسان أبوبكر: تأملات في أسباب فشل البيان رقم (1).. السلام على أساس الدولة الفلسطينية الواحدة

أ. محمد حسان أبوبكر

المأزق السياسي الذي تعيشه القضية الفلسطينية يبدو للوهلة الاولى كانه تجاوز عنق الزجاجة الى نفق مسدود تماماً، فالعرب تجاوزوا مبادرة السلام العربية التي تقترح التطبيع مقابل الحقوق الفلسطينية، تجاوزوها إلى السلام مقابل السلام حسب تعبير نتنياهو، وهم بذلك يكرسون إسرائيل كعضو أساس في المنطقة غير ابهين بفلسطين وموقعها المتبقي في الخارطة أو الفلسطينيين ورضاهم .

كما أن العالم والأمم المتحدة والرباعية الدولية وكل المنظمات والهيئات الاممية والدولية لم تجلب للفلسطينيين دولة في حدود حل الدولتين المقترح، والذي وافقت عليه القيادة الفلسطينية وصولا لحركة حماس وفتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

أما السلطة الفلسطينية والتي يفترض أن تكون جسر عبور نحو الدولة، وليدة منظمة التحرير، فقد صارت عبئاً على عبئ، فالسلطة لم تصبح دولة، ولا تتمتع بالاستقلالية السياسية أو المالية، بل على العكس . السلطة محاصرة لا تستطيع توفير فاتورة الرواتب أو حتى إصلاح شارع او انبوب مياه دون موافقة إسرائيلية …

فأي سلطة دون سلطة هذه السلطة ؟!

قبل أسابيع قليلة زار وزير الخارجية البريطانية المنطقة والتقى الفلسطينيين والإسرائيليين وذكرهم بعملية السلام على أساس حل الدولتين ، ذكرهم وقد كدنا ان ننسى عملية السلام.

الفلسطينيين طلبوا ان تكون المرجعية دولية حقوقية، أما إسرائيل فتمسكت بالمرجعية الامريكية ،فصار الخلاف خلاف مرجعيات،لم تُستأنف عملية السلام ، لكن حل الدولتين بقي هو الإطار المحدد لمستقبل الصراع ، حسب الاسرائيليين والفلسطينيين .

وعوداًعلى ذي بدء، فان حل الدولتين هذا يفترض أننا في دولتين متقاتلين على بعض الحدود، وبعض الموارد والأقاليم ذات الاهمية او الاختلاط العرقي، وهذا تزييف مقصود للواقع، فنحن تأصيلا نعيش في فلسطين التاريخية كلها  تحت الاحتلال الإسرائيلي ولا وجود لدولتين في الاساس، وإنما دولة واحدة، تتفاخر بكونها مبنية على أساس الهوية الدينية وليس الهوية المدنية، وهذا في جوهره التعبير الافظع عن نظام الفصل العنصري المعروف اصطلاحا بالابارتهايد .

إن حل الدولتين هذا يؤسس لواقع الفصل العنصري انف الذكر، ويبدو للمتدبر فخاً لإستخدام الأغلبية السكانية العربية كعمال في دولة اسرائيل “العتيدة” دون أدنى حقوق مدنية متساوية، وهذا بالمناسبة يتفق مع بعض النصوص التلمودية بحق “الجوييم” أو الأغيار !!

فاي دولتين تلكم يا صاحبي ؟!

إننا وامام هذا كله، وتخلي القريب والبعيد عنا، وفشلنا في ادارة شؤوننا الخاصة بسبب الاحتلال وبالرغم من وجوده، فان كان لا بد من طرح سياسي تتبناه أي قيادة فلسطينية في مشهد عبثي كالذي تعيشه فلسطين، فليكن حل الدولة الواحدة، أي حل الدولة الفلسطينية الواحدة الموحدة، ولتكن حيفا تماما مثل الاغوار والقدس وغزة وايلات وتل الربيع، وحدة جغرافية واحدة تحت الاحتلال، ولنسمي الاسماء باسمها الحقيقي، ولنعد تأصيل الصراع ابتداءً، نحن نعيش مع الإسرائيليين في دولة واحدة على اساس عنصري، لا نعيش بدولتين ابدا …هذه هي الحقيقة التي نحاول التحايل عليها، الفلسطينيون يعيشون في جيوب سكانية منخرطة كليا مع اليهود ويسيرون على ذات الشوارع ، ويمكنهم بالعين المجردة رؤية حدود  فلسطين التاريخية الشرقية والغربية على امتداد فلسطين التاريخية من راس الناقورة حتى ايلات .

ثم مهلا؛ لماذا يتمسك الإسرائيليون بحل الدولتين، حتى اليمين المتطرف الإسرائيلي متمسك بحل الدولتين، وقد يبدو ذلك صادما للبعض، لكن الحقيقة ان حل الدولتين يعطي الإسرائيليين تفوقاً اخلاقياً مفترضاً وتحايلا خبيثاً على الواقع، اي ان اسرائيل في نزاع حدود مع الدولة الفلسطينية الجارة، وليست في وارد دولة عنصرية منحطة وتلمودية تعامل الفلسطينيين بدونية .

قال لي صديقي: هل ناضل شعبنا وقدم الاسرى والشهداء والجرحى من اجل دولة واحدة، يعيش فيها اليهود والعرب، وان صراعنا اصبح ضد العنصرية ومن أجل حقوق مدنية متساوية ؟؟!!!

قلت له،، طبعا لا، لم يناضل من أجل ذلك.

كما انه لم يناضل من أجل حل سياسي على اساس حل الدولتين وهذا أكثر من مؤكد، وأكثر من ذلك، فإن الغالبية الساحقة من الفلسطينيين لا يقر بسيادة ما تسمى اسرائيل على أي مدينة فلسطينية. فضلا عن القدس التي تقع في جوهر الصراع، وما زلنا نرسم خريطة فلسطين التاريخية كلها في كراسات طلاب المرحلة الاساسية .

وأكملت: لكن يا صاحبي، ان كان لا بد من طرح سياسي فليكن حل الدولة الواحدة الذي لن تقبل به اسرائيل، لانه يفضحها تماما ويعريها وينسفها نسفا كدولة صهيونية دينية …

ان ما طرحه القذافي قبل سنوات، بالمطلق لا يتفق مع ما يمكن للفلسطينين  طرحه، فالحقائق لا تقبل القسمة على اثنين، والهوية والتاريخ والمعتقد، هي اشياء غير قابلة للمواءمة المبنية على ميزان القوة، (اسراطين) هو عنوان ممتلئ بالنفاق والخضوع والتزوير، كانت تسمى فلسطين عندما عبر اليها العبرانيون، وظلت تسمى فلسطين بعد ان عبر منها جلهم، وبقى بعضهم، فلسطين أرض كنعان، وحصيلة تمازج شعوب المتوسط وامتداد طبيعي لأرض العرب العاربة والمستعربة والبائدة، فلسطين أرض السلام، ليس لعرقية فيها التفوق بحكم الجينات أو الهوية الموروثة، ولا عداء بين سكان الارض الفلسطينيين واليهود او غيرهم من الطوائف الدينية، بل عاش اليهود الى جانب غيرهم من الطوائف الدينية بسلام في فلسطين قرون طويلة، دون مساس بهم او بعقيدتهم من الاغلبية العربية المسلمة. بل إن اليهود بالأساس لم يعيشوا بسلام إلا في كنف الدولة  الإسلامية أساسا. واسأل القادمين اليهود من العراق واليمن والمغرب، ثم أسأل يهود أوروبا الاشكنازيم .

اسرائيل هو الاسم الآخر لنبي الله يعقوب، وقد عاش في فلسطين، وهو محمود ومقدس لدى المسلمين، ويعقوب سكن وأبناء عمومته العرب فلسطين، ولم يطرد سكانها، ولم يقل في تعاليمه الدينية ما يدعو لنسب كامل الأرض الفلسطينية له، ولنسله، ولو كان حيا بين ظهرانينا لأنكر كل ما يدعيه هؤلاء الذين يدعون أنهم أبناؤه، وربما هم ليسوا كذلك أصلا ، وهو ليس بابا للنقاش ، ولا يغير شيئا في متن الموضوع .

من حق بني اسرائيل او بني يعقوب عليه السلام او من يدعون ذلك العيش في فلسطين، لكن ليس من حقهم إنكار الآخرين كلهم عبر التاريخ، ليس من حقهم تزوير اسم الارض الى اسمهم، ولا طرد الاخرين او قتلهم او احتلالهم ومحاولة استعبادهم لأنهم ليسوا اسرائيليين، والإسرائيليون ليسوا إلا أقل من عشر العشر على مائة عشر ممن سكنوا هذه الارض زمنا وعددا، وليس لهم حق فوق حدود ذلك .

في ما يسمى بمبادرة ابراهام او ابراهيم، المقترحة من ترمب وجوقة الصهاينة في الادارة الأمريكية محاولة بائسة لاقتحام باب مفتوح على مصراعيه أصلا، بالقول ان لليهود الحق في العيش بسلام الى جانب شعوب المنطقة والفلسطينيين، ومن ادعى بعكس ذلك أساساً، وهل عاش اليهود في سلام إلا في كنف العرب والمسلمين ؟!

التطبيع مرفوض متنا وموضوعا، لأنه يتجاوز حقوق الفلسطينيين ويزور الحقائق ويعطي للأقلية الدينية ما لا يعطي للأكثرية، ويعتبر الصهيونية التي تتجاوز المنطق والتاريخ وحتى النصوص الدينية يعتبرها طبيعية، والطبيعي ان يهود المنطقة أهل ذمة لهم حقوق المواطنة كغيرهم من الاقليات الدينية .

إن تجميع يهود العالم واستغلال ظروف عوزهم والتمييز ضدهم، واستقبالهم وأبنائهم في معسكرات خاصة لهو بالأساس فكرة استعمارية كولونيالية، لا أساس يدعمها سوى منطق القوة، وليس قوة المنطق، والركون الى ذلك هو فعل سياسي مؤقت سرعان ما ينتهي تأثيره بزوال مفعول القوة الغربية الايلة للسقوط . أي أن اسرائيل أيضا ايلة للسقوط بحكم أن القوة الاستعمارية التي أنشأتها خارج سياق المنطق والحق، ايلة للسقوط . وان الفهلوة المتأخرة في تطبيع الأنظمة العربية مع اسرائيل لن تحميها ايضا .

انا قصدت هذا الاستعراض لأصل الأمور، لأننا للأسف ومن خلال المناورة السياسية نساهم  في أن تفقد الامور أصلها، والأصل ان هذه فلسطين ولا حق مطلقاً للمشروع الصهيوني. وأن لا مساومة على ذلك.

يتساءل الدارسون عن سبب اندلاع انتفاضات وثورات فلسطينية في مراحل محددة، وعدم القدرة على انتاجها في مراحل اخرى، فبالرغم من كل البيانات واجتماعات الفصائل ،إلا أن الناتج كان صفراً على أرض الحقيقة، والواقع أن الفلسطينيين لا ينتفضون لأجل نقل السفارة الأمريكية الى القدس مثلا “بالرغم من فداحة ذلك سياسيا “، او لان الفصائل اجتمعت في الفنادق وأنتجت بيانا بالرقم (1) .

لكن الفلسطينيين يحرقون الارض لو تم المساس بالحرم القدسي، وأن الفلسطينيين لن يحفلوا كثيراً بضم الاغوار ما دامت كل الأرض الفلسطينية تحت الاحتلال .إن استنهاض الناس ممكن إذا كان المشروع متعلقا بأمرين اثنين حصرا ،اما تحرير كل الأرض الفلسطينية ،والثاني منع المساس بالحرم القدسي ،ان هذه هي المرحلة المناسبة لقول الحقيقة ،ونسف كل مبادرات التسوية التي لا تحترمنا، وليس وقتا للمساومة مطلقا.

يا أيها السياسيون والفصائليون، ريما لستم متعودين على سماع هذا الكلام،انتم فشلتم، وتتبنون خطاباً فاشلاً غير مثمر ولا مجدي، ربما يطيل في أعماركم المؤقتة، لكنه خطاب فاني لن يسمعه أحد بعد التحرير، وستبدون كجوقة الحمقى التي كانت تدافع عن الفراغ الذي نعيشه .

اننا بعد ٢٧ عاما على أوسلو بلا دولة ولا مطار ولا ميناء، ولا طرح مناسب للقضية، وقد تنكر لنا البعيد وصعر لنا خده القريب …

أتساءل بعد كل هذا، ونحن نمتلك افضلية التاريخ ورواية الحقيقة ونمتلك رهان المستقبل على ذلك، لماذا بعد كل هذا لا تتصرف بعناد، او فلنستعمل المرادف الفلسطيني المناسب للكلمة، لماذا لا نصر على حقنا ونتصرف ب”تياسة” الفلسطيني المعروفة، فلا أحد يحسن لنا التصرف ولم يعد أحد يلقي بالا لتأدبنا المبالغ ..

يا ايها السياسيون، مع خالص تبجيلي واحترامي لعمركم وقدركم لدى احبائكم، ارجوا ان لا تلزموا ما لا يلزم اكثر، لقد تصرفنا سياسياً بغباء لعقود،  فلماذا لا نتصرف ب(عناد)، ذلك يشبهنا ونشبهه، وخطابنا للعالم الآن أصبح لا يشبهنا وقد صار مبتذلا جدا .

يا أيها الموقرون، اسمعوا وعوا، لا يمكن لإسرائيل أن تقبل بتمثيل ديمقراطي للعرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا بدولة ثنائية القومية، ولا بدولة فلسطينية اصلا في حدود مدن الضفة الغربية حتى!!!

أرجوكم لا تحدثونا عن حل الدولتين أبداً، ولا تستنهضوا هممنا ببياناتكم الأولى ، بل أسقطوا ما بنيتموه من شطط الطرح والواقع .

فلسطين واحدة موحدة والصهيونية مشروع الى مزبلة التاريخ، وستأخذ في طريقها كل المطبعين العرب وأزلامهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

m.said.jurban@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here