أ.د.كامل خالد الشامي: غزة في بطن الحوت

dr-shami-(1).jpg55

أ.د.كامل خالد الشامي

كنت إنا والبحر وجها لوجه, لا إنا صديقه ولا هو يعرفني, لكني عقدت معه صفقه حل وسط دون أن يعلم بها, سأغادر عندما تعلو أمواجه وتشتد, وسأعود لأستمتع بهدوئه, لكن من قال إن البحر هادئ , أنها كذبة ورثناها, -وقد ورثنا كذبات كثيرة- وقبل كل طوفان يسود الهدوء ,هذه هي الحال السائدة في بلد يشتهر بصناعة النكبات, ولا تجف فيه دموع الأمهات, ولا يسود فيه إلا قانون ينتفع به الباشاوات , باشاوات جدد,وباشاوات نحاف,وباشاوات سمان , وباشاوات بالوراثة, وباشاوات بالأنابيب.

باشاوات ثقلت موازينها فهي في عيشة راضية لديها كل شيء حتي لبن العصافير, راضون عن أنفسهم, ومشروعهم بات, ربطات عنق  وأزياء ايطالية وعطور باريسية  وتنانير وجلاليب, وحريم السلطان  زينة الحياة الدنيا.

 وعندهم خفت موازين الشعب ففعلوا القيامة وأشعلوا جهنم في غزة  فامتلأت بالفقراء والباطلين عن العمل وبمرضي السرطان والكلي وكل ما يقدر الرحمن,  جوع وعطش, وماء صديد, وحروب قيامة  وأحجار سجيل ,وما الرحمة إلا من عند الله .

 ما اجمل الباشا الواعي الواعد المثقف الذي  يصرح لنا باستمرار عن إعداد الباطلين عن العمل ويبشرنا بأن لا حلول في العشرة أعوام القادمة, وكأنه يتناغم مع ذلك الصامد الصابر, الذي بشرنا بعشرة عجاف, وما أجمل الباشا البطل الذي تحول الي حاتم الطائي فذبح البراق, وما اجمل الباشا العملاق مخترع المقاومة الذكية.

أصابت العين الحاسدة الخليج العربي في مقتل في ليلة مظلمة , فاستيقظ الناس علي انقسام وحصار, واغلاقات , ومناكفات, بعدما كان الخليج هائما في حب ايفانكا.

أهي لعنة ايفانكا أن يجد الإعلام ضالته ويبلي بلاءا حسنا في توسيع هوة الانقسام, وتشجيع الحصار ,ويخرج علينا بعض المطبعين يعددون محاسن إسرائيل في الدفاع عن الكرامة, والاستقامة, فيا محاسن الصدف , مبروك عليكم إسرائيل وعماتها وخالاتها.جاور السعيد بتسعد.

دغدغ نسيم البحر أعصابي المدغدغة أصلا, فغفوت وانأ جالس علي كرسي البلاستيك الذي تخشاه عظامي, ورأيت حوتا ضخما يعادل في حجمه سفينة التيتانك واكبر يقف علي شاطئ البحر, رأيت الناس مهرولين , مسرعين الي بطن الحوت, لكني لم أشاهد باشاوات غزة بينهم, سألت  عنهم, فقال لي احدهم هم في بيوتهم آمنين  مطمئنين لا يصيبهم أذي.

لكني رأيت أيضا أمواجا عاتية تضرب الساحل ورياح ساخنة تلفح الوجوه وسمعت أصوات صواريخ وقنابل تنفجر في كل مكان من حولي, ورأيت البيوت تتهدم, لكن الناس كانوا يدخلون الي بطن الحوت غير آبهين.

ورأيت جارتنا أم علي التي تشتم أولادها كل اليوم وتدعوا لهم بالزوال,من ضيق حالها, رأيتها  تدخل بطن  الحوت وهي تحمل علي رأسها لجن غسيل بداخله وابور الكاز وسخان مياه ومسحوق غسيل, فهذا كل ما تملكه.

استيقظت فجأة, علي شعاع الشمس يحرق وجهي الذي تسلل من بين سعف النخيل في المظلة التي اجلس فيها.

لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين, اللهم أحفظنا في بطن الحوت من الهشم او الهضم. بطن الحوت أرحم بنا مما هو قادم.

[email protected]

باحث وكاتب مستقل

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here