أ.د عبدالرحيم مراشدة: الأردن ثقافياً وإبداعياً

أ.د عبدالرحيم مراشدة

    تتمتع الأردن بموقع مهم على خريطة الثقافة والإبداع في العالم العربي، حيث هي من حواضر الشام، وبمحاذاة فلسطين ومصر والعراق، وكانت العواصم العربية التي تنقاد لها الثقافة والإبداع في تاريخنا العربي،  بعد القدس والحجاز والشام والعراق هي: القاهرة وبيروت وبغداد، ولا يمكن بأي حال من الأحوال سلخ الحراك الإبداعي، والنشاط الكتابي في الأردن عن الوطن العربي، وعن محيطه على الأقل ، رغم العوامل السياسية والاجتماعية والإيديولوجية التي راحت رياحها تهب على العالم العربي، ولهذا ارتأينا الوقوف على بعض المحطات التي شكلت قواعد مهمة في الأردن، أسهمت في تعميق  الثقافة العربية ومنتجها العام والخاص، ومن هذه المحطات:

الثقافة والإبداع ما قبل عصر النهضة:

نجد من الأسماء البارزة التي اخترناها بوصفها نموذجا على تاريخ الأردن الثقافي والإبداعي القديم، المفكرة والاديبة(عائشة الباعونية) وارتأينا أن يكون هذا الاختيار قصديا ولافتاً، من حيث إسهام المرأة في مسيرة الثقافة المحلية والعربية، ومدى تجذر اسهامات المرأة بشكل عام، لا سيما وأن الإبداع  النسوي  يأخذ مساحة مهمة في عصرنا الحديث،  ويمكن القول، تبعا لهذه المعطيات: إن (عائشة الباعونية) تشكل نموذجا نسائيا دمشقياً رغم أن ميلادها في الأردن، لأنها فقيهة شافعية امتلكت اليراع في فقه المذاهب الأربعة، وشغلت منصب الإفتاء والتدريس ، وكانت زاهدة عابدة، عارفة بالله، أديبة وشاعرة، سيرتها ملأت كتب كبار العلماء العرب، كالغزّي وابن العماد الحنبلي وغيرهم، ، وقد تم تصنيف اسمها في موسوعات الشعر العربي الأصيل، وتصدّرت قائمة المكرمين  في منظمة  اليونسكو عام 2006.

سميت الباعونية نسبة إلى القرية التي ولدت فيها، باعون من أعمال عجلون الأردنية في بلاد الشام، ووالدها مقدسي المولد، وقد نشأت في بيت علم وأدب بين أحضان أسرتها التي سكنت دمشق، في بعض مراحل حياتها،  فانعكس ذلك على شخصيتها العلمية والفقهية والأدبية بامتياز. وقد حفظت القرآن في الثامنة من عمرها وتتلمذت بين أحضان عائلتها.

    كما أن أديباً بارزاً وموسوعياً أسهم في انجاز أكثر من ثمانين مصنفاً في الفكر والثقافة والأدب، ولا يمكن تجاوزه  في محطات وتحولات الإبداع الثقافي في الأردن، وهو (روكس بن زائد العزيزي 1903-2004) وهذا يعني معاصرته لفكر ومنتج عصر النهضة، ويعد معاصراً لمدارس الإحياء وأبولو والديوان.. إلخ. ثم إن العزيزي كان أول مراسل صحفي في الأردن، عندما اعتمدته جريدة الأحوال البيروتية مراسلاً لها، انتخب عام 1976 رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين، وكان ممثل الرابطة الدوية لحقوق الإنسان في الأردن منذ عام 1956 حتى وفاته، نال من التكريم ما لم ينله أديب أردني آخر تقديراً له على جهوده العظيمة في البحوث التراثية والدراسات، نال عضوية شرف لمجمع اللغة العربية الأردني، وحصل على وسام التربية والتعليم، ووسام الصليب الأبيض الذي لا يُمنح إلا لخاصة الخاصة، ومنح شهادة يوبيل الملك حسين الفضي التكريمية في الأدب عام 1977.

في المجال الشعري:

    لا يمكن تجاوز علم من أعلام الشعر العربي في أواخر مرحلة عصر النهضة ، وهو الشاعر مصطفى وهبي التل (1889- 1949) الذي أسهم بحق في تأسيس الشعر في الأردن، وتمكن من اللحاق بالشعر العربي فنياً وموضوعيا، حتى أنه من أوائل الذين كتبوا في شعر التفعيلة، باعتراف نازك الملائكة في مقدمة كتابها الموسوم ( قضايا الشعر العربي المعاصر)، ويعد من أوائل الذين نادوا للانتصار للطبقة المسحوقة من الشعوب، وبالتالي حرص على أن لا تكون لغته كلاسيكية، واقترب من اللغة المتداولة، وابتعد عن العامية، في الوقت نفسه، ثم أنه لم يهادن وكان له جلسات ثقافية وفكرية وشعرية، ومداولات شعرية مع الملك عبدالله المؤسس، الذي كتب الشعر كذلك، وكان قصره عامراً بالادباء والشعراء، ويذكر أن عراراً كان متمرداً، أشبه بصعاليك العرب، لكنه التمرد الفكري السياسي الواعي، وكان معاصراً لبعض من شعراء الإحياء، ومترجماً مهماً عن الفارسية والتركية، حيث  أتقن اللغتين: التركية والفارسية، وله ترجمات مهمة، لا سيما ترجمته لرباعيات الخيام، إضافة لاشتغالاته السياسية، التي أودت به إلى السجن في غير مرة.  ومن النماذج المهمة لهذا الشاعر نختار بعض الأبيات: من قصيدة ( إن الزمان ولا أقول زماني):

               يا رب إن بلـــفور أنفــذ وعــــده     كم مسلم يبقى وكم نصراني

وكيان مسجد قريتي من ذا الذي      يبقي علـــيه إذا أزيل كـــياني

وكنيسة العــــذراء أين مكانها        سيكون إن بعث اليــهود مكاني

 ومن قصائده أيام الاستعمار البريطاني، في ديوانه الموسوم: (عشيات وادي اليابس) لمنطقتنا نجد الأبيات التالية: التي تنم عن وطنيته  وانتمائه النظيف لعروبته وقومه:

فأنا يا (عوف) نشوان أسـىً       وخماري اليــوم آلام وبـــرحُ

موطني الأردن لكني بــــه           كلما داويت جرحاً سال جرحُ

وبنفسي رحلة عن أرضـــه          علّـه يشفي من الإرهاق نزح

في فلاة ليس للعلـــج بهــــا              حـــيّةٌ تسعـــى وثعبـــان يفــحُّ

***

     وهناك شاعرة، وباحثة، وناقدة، لا يمكن تجاوز مسيرتها الإبداعية، وهي (ثريا ملحس 1925-2013) تركت هذه المبدعة آثارا مهمة منذ انطلاقتها من بيروت وشغلت أكاديمياً  استاذة النقد والأدب في الجامعة الأمريكية، حيث سجلت حضوراً لافتا على الصعيد العربي، فاشتركت في مجلة شعر والكتابة فيها، وهي المجلة التي انبثق عنها موجات الحداثة، وتعد من أوائل الذين كتبوا قصيدة النثر، إلى جانب أدونيس وأنسي الحاج، والماغوط وجبرا إبراهيم جبرا ونذير العظمة…إلخ..وقد صدّرت ديوانا بهذا الاتجاه، يعد مرجعا مهما لقصيدة النثر أسمته:  ( التائه) صدر عام 1948. تركت أكثر من خمسين كتاباً في النقد والشعر والأدب.

الرواية في الأردن:

ابتدأت الرواية بشكل مهم ولافت، على أسس صلبة في الأردن، بعد الإفادة من المحيط العربي، لا سيما في لبنان وفي مصر، حيث كانت البدايات الأولى في بلاد الشام جورجي زيدان، وفي الأردن ابتدأت الرواية مع مجموعة تمكنت من تجاوز الحدود، فكانت عابرة  لغير مكان، إذ صدر أكثر من  (350) رواية في الأردن أنجزها (180) من الروائيين، حيث بدأت الرواية بشكل فني متكامل ومعاصر، ومواكب للرواية العربية والعالمية، مع (غالب هلسا 1932-1989) الذي خّلف لنا أثراً روائيا مهماً من ذلك الروايات: ( الضحك، والخماسين، والسؤال، والبكاء على الاطلال، وثلاثة وجوه لبغداد، وسلطانه، والروائيون)، ثم جاء تيسير السبول، الذي قدم أعمالاً شعرية، ونثرية، ورواية تعد من أهم الروايات التي تثير أبعاداً سياسية وإيديولوجية تحت عنوان: ( أنت منذ اليوم) وتمت الإشارة التاسيسية لهذين الروائيين لتمكنهما، وفي فترة مهمة من تاريخ الرواية العربية من استيعاب تقنيات الحداثة والعمل عليها، والانخراطر الأول في كتابة الرواية العربية، انطلاقه من بيروت والقاهرة، ثم جاء روائيون مهمون، عملوا على إثراء الرواية في الأردن وتجاوزوا الحدود كذلك، من أمثال (هاشم غرايبة ) و(صبحي فحماوي)، الأول كان أكثر التصاقا بالفكر الشيوعي، والاشتراكي، والسياسي، وله اشتغالات في الرواية التاريخية خاصة والسياسية عامة، ثم التراثية، ومن أهم رواياته: (مقامات الأحوال وثقوب الخزان وبترا، وأوراق معبد الكتبا ..إلخ) وهو معاصر وحداثي إلى حد ما، وهناك الروائي المهم صبحي فحماوي الذي تمكن من إنجاز روايات مهمة على الصعيد السياسي والتاريخي، لا سيما المتعلقة بالهموم العربية، والمجتمع العربي في اتجاه رواية (السسيونصي) التي تتناول حركية وهموم الشعب العربي الفلسطيني، و قدم روايات حداثية لافتة، كسرت إيقاع التقليدي والعادي، في رواياته التي يمكن تصنيفها تحت ما يعرف بـ ( رواية المستقبل)، ( ورواية الغرائبي والعجائبي) و(رواية التاريخ)،  ومن رواياته المهمة في هذا الاتجاه: (“عذبة” ، و “الحب في زمن العولمة”،  و “حرمتان ومَحْرَم”  و “سروال بلقيس” و”قصة عشق كنعانية” و،  “الأرملة السوداء”  و “الاسكندرية 2050″  و صديقتي اليهودية،  و..”قاع البلد” ….وغيرها)، وبالطبع هناك روائيون آخرون اكتسبوا شهرة محلية وعربية من أمثال سميحة خريس ورمضان الرواشدة وإبراهيم نصرالله وقاسم توفيق…إلخ.. حيث يضيق المجال عن سرد جميع المبدعين في هذا الجنس الأدبي.

***

عميد كلية البحث العلمي- جامعة عجلون الوطنية- الأردن.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. يقول الدكتور فيصل دراج في مقالة له في الدستور فكرة سديدة هي – مابين (عرار-) رائد الشعر العمودي في الاردن – الكلاسيكي ت 1949 -و( عزالدين المناصرة )رائد الشعر الحر لتفعيلي في الاردن منذ 1962 – ومؤسس رابطة الكتاب الاردنيين 1973 ( رئيس اللجنة التحضيرية التأسيسية)- هناك مسافة وعلامات مهمة في الشعر الاردني.
    انظر كتاب العرار- عزالدين المناصرة- لمؤلفته أمل العمايرة ( الطفيلة )

  2. يقول الدكتور فيصل دراج في مقالة له في الدستور فكرة سديدة هي – مابين (عرار-) رائد الشعر العمودي في الاردن – الكلاسيكي ت 1949 -و( عزالدين المناصرة )رائد الشعر الحر لتفعيلي في الاردن منذ 1962 – ومؤسس رابطة الكتاب الاردنيين 1973 ( رئيس اللجنة التحضيرية التأسيسية)- هناك مسافة وعلامات مهمة في الشعر الاردني.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here