أ.د. حسين سالم مرجين: ليبيا: استنطاق المسكوت واستظهار المضمر في حكومة السراج

أ.د. حسين سالم مرجين

مع استمرار الاشتباكات بطرابلس منذ 27 أغسطس 2018م، – وهي لعنة لازمت البلاد ولم تفارقها قيد أنملة منذ سنة 2014م- لا يزال يُخيم على المسألة الليبية حالة من الانقسامات والتجزئة، في ظل ضعف أداء حكومي واضح، وفي هذا الصدد يمكن الاستشهاد بحديث أحد أعضاء المصالحة الذي حدّثني بأنهم عندما دخلوا إلى طرابلس في أحداث أغسطس لم يجدوا أيّ مسؤول حكومي في مكتبه، فالواقع يقول أنه لا تحدث أيّ اشتباكات محلية إلا في مناخ يهيئ لها، ويجعل حصولها وارداً ونتائجها متوقعة، ونعتقد بأن أداء حكومة السراج ساهم إلى حد كبير في بروز ذلك المناخ على السطح المجتمع، فالمناخ العام كله كان ولا يزال يتسم بالرفض؛ رفض من سوء الخدمات، ورفض تطاول الجماعات المسلحة على أفراد المجتمع؛ وبشكل خاص أمام المصارف، ورفض الفساد المالي، ورفض اللامبالاة الحكومي الذي ظهر في جّل الأزمات، ورفض التدخلات الخارجية، فتولد عن كل ذلك غضب شديد ملأ النفوس، وربما ذلك يفسر موقف اللامبالاة لأفراد المجتمع الذي ظهر مع الاشتباكات الأخيرة، وعمومًا وأيا كانت تلك الاشتباكات وخلفياتها وأيا كانت طبيعتها أو التحول الذي ربما تؤدى إليه، فإننا نود التطرق إلى حكومة السراج التي حظيت بدعم دولي؛ مما مكنها من دخول العاصمة طرابلس سنة 2016م، إلا أنها كانت ولا تزال عاجزة عن مواجهة أيّ تحديات أو أزمات تواجهها، ونحاول في هذه المقالة استنطاق واقع حكومة السراج المسكوت عنه تارة، واستظهار المضمر عنها تارة أخرى، وليس هدفنا من ذلك الإحراج أو التشهير، إنما إزالة اللبس، وإعادة المراجعة والتقويم، وعلى وجه الإجمال يمكن تحديد عدد من المحددات أهمها:

  • بادئ ذي بدء، إن جّل أعضاء المجلس الرئاسي – بما فيهم رئيس المجلس- يفتقرون إلى المهارات، والخبرة، والدراية بشؤون السياسة، والحكم، مما أدى إلى فشلهم الفاضح، والواضح في إدارة شؤون الدولة.

  • بروز ظاهرة المنشقين في المجلس الرئاسي، وكذلك بروز مؤشرات الفساد المالي والأخلاقي لدى البعض منهم، وهي بحاجة إلى لجان تقصى حقائق للتأكد من تلك المؤشرات.

  • بالرغم من الأزمات الكبيرة التي عاشها المواطن الليبي – وبشكل خاص في طرابلس منذ 2016- سواء أكانت تلك الأزمات اقتصادية كارتفاع الاسعار، أم قلة السيولة المالية في المصارف، أم انعدم الأمن…. إلخ، إلا أننا لم نشاهد أو نسمع أيّ خطاب للسيد فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي موجه إلى أفراد الشعب يُبين فيها رؤيته وخططه في التخفيف من تلك الأزمات، والتي – كان من المفترض أن يراها بالبصيرة متاحة – ويستشعر بالحس – السياسي الوطني – قدرة شعبه على تحمل تكاليف الأمل والعمل في سبيلها، ويتوقع بالحساب – من خلال الخبرة- أن بلوغها ممكن، كما يعتقد في نفسه بشرعية وأهلية تحمل المسؤولية فيما راهن عليه.

  • إن نجاح أيّ حكومة مرهون باتساع قاعدتها الاجتماعية، وعندما نسأل أنفسنا : ما القاعدة الاجتماعية التي استندت عليها حكومة السراج ؟ سوف نجد أمام قاعدة الجماعات المسلحة فقط، والتي باتت تحمي استمرار وبقاء هذه الحكومة.

  • لقد كانت هذه الحكومة ولا تزال محل خلاف وجدال واسع على المستوى الوطني، وخاصة فيما يتعلق بشرعيتها، حيث لا تزال هذه الحكومة لم تتحصل على الموافقة- الشرعية – من قبل البرلمان الليبي؛ والذي من المفترض أن يُشكل جواز مرورها إلى السلطة، إلا أنها اكتفت بالحصول على دعم وسند دولي – خارجي- فأصبح ذلك أساس شرعيتها، والذي أيضًا على أهميته لا يخلو من بعض المثالب، وإذا أضفنا إلى كل ما سبق حقيقة أخرى وهي أنه هناك العديد من الأحكام القضائية التي تبطل قرارات عمل هذه الحكومة.

  • افتقار حكومة السراج لوجود أيّ قوة عسكرية حقيقة على تضاريس الأرض، حيث لا تزال تعتمد  على بعض الجماعات المسلحة الموجودة بطرابلس، وذلك بالرغم من الفرصة التي كانت متاحة أمامها لتشكيل وامتلاك قوة عسكرية حقيقية، بهدف الاستحواذ واحتكار أدوات القوة بجميع أشكالها داخل العاصمة، ونقصد هنا القوة الشرطية والعسكرية.

  • وقعت حكومة السراج – وهي بمحض إرادتها – تحت مجموعة من الضغوطات الداخلية (الجماعات المسلحة)، والخارجية ( من قبل بعض الفاعلين الدوليين)، فأدى كل ذلك إلى بروز حكومة غير قادرة على مواجهة الأزمات الداخلية، أو مواجهة التحديات الخارجية، فلم تتمكن حتي من النفاذ إلى خارج أسوار – طريق السكة- المبني الحكومي في منطقة بن عاشور.

  • أصبح المجلس الرئاسي أو الحكومة عبارة عن سلطة رجل واحد، وهي سلطة السراج، وهي السلطة الفعلية والحقيقة في المجلس الرئاسي وفي الحكومة ، بالرغم من وجود أعضاء آخرين بالمجلس رئاسي، كان من المفترض أن تكون لديهم المشاركة الفعلية والحقيقة والمؤثرة في إصدار أيّ قرارات لها علاقة بتقرير مصير الدولة، إلا أننا نلاحظ وجود تيه لدور ذلك المجلس، حيث أننا لا نعلم من يشاور أو يحاور هذا المجلس في إصدار القرارات المصيرية؟ أم أن السراج يتخذ القرارات بنفسه ؟ وفي الوقت نفسه فأننا نعلم بأن السراج رئيس المجلس الرئاسي أصبح هو رئيس الحكومة، والقائد الأعلى للجيش، ووزير الدفاع……إلخ.

وتأسيسًا على ما تقدم فإنه يمكن الخلوص إلى كون مسالة استمرار حكومة السراج على وجه التحديد يجب إعادة النظر فيها، وعدم التعويل عليها كثيرًا، وذلك مع استمرار عجزها عن مواجهة الأزمات والتحديات، وبشكل خاص عجزها الحالي عن حماية وتأمين العاصمة وسكانها، فالمجتمع في ظل هذه الظروف بحاجة إلى قيادات تعبر عنه، وتسعَ إلى حمايته والدفاع عنه، وتلامس احتياجاته، وتوجه نحو بناء علاقات مجتمعية تؤدي إلى التناغم والانسجام المجتمعي، من خلال فهم هذا الطرف وذاك.

كاتب واكاديمي ليبي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here