أ.د جمال الشلبي: كامل أبو جابر الأردني: رحيل رمز للعروبة بشقيها المسيحي والإسلامي

أ. د جمال الشلبي

“أنا من عشيرة كبيرة ومعروفة بالأردن، وأنا طوال عمري لم أفكر بأني مسيحي؛ أنا عربي بالدرجة الأولى ومسيحي في الدرجة الثانية. انا ابن حضارتين، المسيحية والإسلامية، أنا مسلم ومسيحي. والإسلام بالنسبة لي مثل جلدي لا أستطيع الخروج منه”. بهذه الكلمات الصادقة الخارجة من القلب والعقل، الواضحة فكراً ومعناً، يعبر كامل أبو جابر أحد أعمدة الأكاديمية والسياسة في الدولة الأردنية الحديثة عن” الروح” التي تشوب ليس فقط مسيحي الأردن وفلسطين، بل وكل مسيحي الشرق العربي، إزاء  “توائمهم” الآخر المسلمين الذين يتشاركون معهم الأرض، والعقيدة، والثقافة، والتاريخ، والمستقبل.

لقد بدا لنا أنه من الضروة بمكان البدء بهذه “التوطئة السريعة” لنفسر من خلاله معنى رحيل الدكتور كامل أبو جابر يوم الخميس 29 أيار/ مايو 2020، معلناً بدء الأردن بغلق صفحة أسماء” الرعيل الأول” الذي ساهم في بناء الدولة الأردنية التي تتجه للاحتفال بمئويتها العام القادم. فكامل أبو جابر الذي قاد الوفد الأردني الفلسطيني في محادثات السلام في مؤتمر مدريد عام 1991 بصفته وزيراً للخارجية الأردنية يمثل، بلا شك، واحداً من ذاك الجيل الذي خدم الدولة الأردنية، فكراً، وعلماً، وسياسةً.

ولد أبو جابر في منطقة اليادودية القريبة من العاصمة عمان عام 1932، والده صالح فريح صالح أبو جابر وجه من وجوه العائلات المسيحية الأردنية الاقطاعية، الغنية والمثقفة، وأمه أنيسة زعرب من مدينة الرملة في ضفة النهر الغربية للأردن. وكبقية العائلات الأردنية الإقطاعية شق أبو جابر طريقه الأكاديمي بالذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر ميناء بيروت ليدرس في جامعة سيركوز العريقة، ويحصل منها على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1965 عن رسالته المعنونة “حزب البعث العربي الاشتراكي: التاريخ والايديولوجيا والتنظيم”، وهي التي صدرت لاحقاً على شكل كتاب، الأمر الذي جعل البعض يشك في ارتباطته السياسية مع حزب البعث، لا سيما وان لديه رصيد مهم من العلاقات الجيدة مع قياداته.

وقد شجع تأسيس أول جامعة في الأردن عام 1962 تحت اسم” الجامعة الأردنية”، “الدكتور” الجديد أبو جابر لإرسال طلب إلى إدارة الجامعة عارضاً رغبته للعمل بها، إلا أنه كان يتفاجأ بالرفض المستمر دون إبداء أي أسباب لذلك، إلى أن جاء الخبر اليقين بعد 4 سنوات من الراحل وصفي التل الذي أعطاه “الضوء الأخضر” للعودة إلى الأردن عام 1969 للعمل كأستاذ في كلية الاقتصاد والتجارة. خلال فترة الانتظار، لم يضع أبو جابر وقته بل عمل أستاذاً في جامعة سيركوزا لمدة عامين، قبل أن ينتقل إلى جامعتي تينسي وسميث الأمريكيتين بين عام 1967-1969.

بعد عودته إلى الأردن كرس أبو جابر وقته ومعرفته لخدمة وطنه الذي عاد إليه بعد17 عاماً من الغربة، عبر التدريس في الجامعة الأردنية باثاً فيها روح الفكر والسمو الإنساني، دافعاً نحو قدسية العمل من أجل بناء الوطن والأمة. وربما لخصائصه الفكرية والعلمية والإنسانية تم استدعائه للمشاركة في حكومة السيد زيد الرفاعي الأولى عام 1973 كوزير للاقتصاد، بيد أنه ما لبث أن قدم استقالته منها معترضاً على تأخر الحكومة من أخذ موقف سريع من الحرب الدائرة بين مصر وسورية من جهة وإسرائيل من جهة ثانية.

وهكذا، عاد أبو جابر مرة أخرى إلى التدريس في الجامعة في الفترة مابين 1973-1991، مكرساً وقته وجهده لتأسيس وبناء “نخبة” سياسية واقتصادية أردنية، عبر قيادته لعمادة “كلية الاقتصاد والتجارة” في الجامعة من ناحية، وعبر إدارة “مركز الدراسات الاستراتيجية” في الجامعة الذي يمثل” عقل الدولة” الفكري الذي يزودها بالمعلومات، والأفكار، والمقترحات من ناحية ثانية.

بعد 18 سنة؛ أي في عام 1991 عاد نجم أبو جابر للبروز برغبة من الملك الراحل الحسين بن طلال رحمه الله، بدعوته ليكون وزيراً للخارجية في حكومة السيد طاهر المصري، ورئيساً للوفد الأردني الفلسطيني في مؤتمر مدريد عام 1991 الذي جاء بعد حرب الخليج الثانية، بمشاركة عربية وأووربية، وبضمانات القوى العظمى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي “في أخر أيامه”، كدليل على رغبة العرب في الوصول إلى حل سلمي، وعادل، وشامل للقضية الفلسطينية.

وقد سببت مشاركة أبو جابر في محادثات السلام العربية – الإسرائيلية الكثير من الحرج وحتى الاتهام بأنه فاوض الإسرائيليين ومصافحتهم، مما أفقده وهجه الفكري والأكاديمي والقومي أمام مريده. ولذلك، كان يرد أبو جابر بهدوئه المعهود وحكمته المعروفة، ودماثته المضحكة بالقول” سئُلت في مؤتمر مدريد لماذا لم تصافح أو تقبّل شامير؟ فقلت لهم حينها (لو كان فتاة إسبانية حلوة لكنت قبلتها. أما شامير فماذا أقبّل فيه). وثانياً، أنا كوزير خارجية، بمجرد أن أصافح شامير يعني هذا اعتراف بدولة إسرائيل؛ ونحن حتى اللحظة في حالة حرب مع إسرائيل. عندما تسوّى الأمور ونصل إلى تفاهم ليس لدي مشكلة في المصافحة”.

ولتأكيد، رؤيته وموقفه الثابت من القضية الفلسطينية بالقول بأنها قضيته المركزية والشخصية، فقد أثار أبو جابر ما يسمى بـ “دولة إسرائيل” بمقال قد نشره في الصحيفة الأردنية الناطقة الجوردان تايمز    Jordan Times في 28 نيسان/ أبريل 2014 تحت عنوان”الكذبة الصهيونية الكبيرة والمهمة المقبلة” مقتبساً بعض الأفكار من كتاب كفاحي لهتلر. حيث قامت وزارة الخارجية الإسرائيلية باستدعاء السفير الأردني في تل أبيب السيد وليد عبيدات للاحتجاج على المقال الذي اعتبرته “مناهضاً لها ومعادياً للسامية”.

وعلى كل حال، ورغم خروجه من وزارة الخارجية الأردنية عام 1993 إلا أن الديناميكية وروح العمل التي يمتلكها أبو جابر جعلته ينتقل إلى مهات وطنية متعددة؛ فمن عضو في مجلس الأعيان” مجلس الملك” من عام 1993- 1997، ليقود بعد ذلك المعهد الدبلوماسي الأردني حتى عام 2001، حيث أمضى لاحقاً عاماً واحداً رئيساً للمجلس الأعلى للأعلام، ليصل أخيراً إلى رئاسة المعهد الملكي للدراسات الدينية بطلب من سمو الأمير الحسن بن طلال شخصياً، لمعرفته بالرجل وبقدراته وعلاقاته الواسعة التي يمكن أن يستغلها لصالح المعهد وأهدافه الدينية والإنسانية العالمية.

شخصياً، تعرفت عليه لأول مرة بشكل شخصي في مؤتمر “الغرب والإسلام” الذي نظمته جامعة آل البيت والجامعات السويدية عام 1997 حيث لفت انتباهي شخصية هذا الرجل السياسي- الأكاديمي في حركته، وأفكاره، واقتراحاته، وقربه ووده من الجميع عرباً وغير عرباً، إذ تولد لدي إحساس بأن الرجل يحظى باحترام وتقدير الجميع، وينظر إليه كـ “مرجعية فكرية”، وقامة علمية وسياسية مهمة في الأردن والشرق العربي.

وقد تسارعت علاقتي مع أبو جابر وتعمقت كوننا زملاء في الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، وكان يلقي باستمرار العديد من المحاضرات حول الهوية الوطنية الأردنية، والإسلام والمسيحية، والصراع العربي الإسرائيلي، ومستقبل العالم العربي، وكلها مواضيع كانت تمثل شكل من أشكال النضال بالنسبة له، إذ كان يعتبر نفسه في خدمة القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية. وأحياناً كان أحدهم يطرح عليه سؤالاً حول طبيعة العلاقة الأردنية الفلسطينية كما يراها؟ فيجيب الراحل الكبير “ماذا تريد أن تقول: أمي من غرب النهر، وابنتي متزوجة من شخص من غرب النهر أيضا” وييبتسم..ويبتسم الجميع من بعده!!

وقد أتاح لي الأخ والصديق كامل أبو جابر بصفته رئيساً للمعهد الملكي للدراسات الدينية بمرافقته إلى زغرب عاصمة كرواتيا للترويج ” لرسالة عمان” التي أطلقها جلالة الملك عبد الله الثاني عام 2004 لإبراز الإسلام وروحه الحقيقية التي لا تتماشى مع طروحات وسلوكيات بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية هنا وهناك في هذا العالم المشتعل بالأيديولوجيات المزيقة. فشعرت بسعادة مرتين: الأولي لأني بصحبة مختارة يمكنها أن تتحدث بشكل رائع عن “رسالة عمان” مثل د. عامر الحافي مستشار المعهد الأكاديمي، ومدير أوقاف الزرقاء الشيخ الدكتور. جمال البطاينة، ومدير أوقاف مدينة إربد الشيخ محمد العثامنة، إضافةً إلى زوجته الأمريكية الإيطالية الأصل لور التي أعطته زهرتين في الحياة هما: ليندا ونائلة. وثانياً: كم كنت أشعر بالفخر والفرح بالطريقة التي كان يتحدث بها أبو جابر عن الإسلام بصفته عربياً مسيحياً، وذكائه الفطري في تقريب الأفكار والأمثلة للأخرين بسهولة وبمعق، ساعياً من وراء ذلك دفع الغرب للنظر للعرب والمسلمين بمنظار جديد خالي من التعصب، والكراهية، والأفكار المسبقة القاتلة.

رحم الله الأخ والصديق والزميل والرفيق للجميع كامل أبو جابر العربي الأردني المسيحي صاحب الإرث العروبي الاسلامي السامي، والرؤية الإنسانية العميقة في بحر من التسامح والسمو والرفعة.

أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here