أ.د جمال الشلبي: السلطان قابوس بن سعيد: رحيل هادئ وسريع

أ.د جمال الشلبي

عندما شرفني الصديق الدكتور خالد بن حمد بن محمد الغيلاني الوزير المفوض في الخارجية العٌمانية حالياً والقائم بأعمال السفارة لسلطنة عُمان في نيودلهي بالهند سابقاً أن أكتب له مقدمة كتابه المعنون:” مشروعية السلطة وتطور المؤسسات السياسية في النظام السياسي العُماني”  الذي صدر عن دار ورد الأردنية عام 2019، لم أكن أتوقع أن عام 2020 سيكون عام رحيل “حكيم العرب” وأعتق زعمائها تاريخياً السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله،  ولم أكن أدرك بأنني سأكتب مقالة عن عُمان الشقيق بهذه المناسبة الحزينة على العرب جميعاً متكئاً فيها على هذه المقدمة!

ان الحكمة والهدوء لم تكن سمة الراحل الكبير في حياته فقط بل لازمته بعدما انتقل إلى الرفيق الأعلى يوم 10 كانون الثاني/يناير 2020، حيث لم يسمح لنفسه أن يترك بلده دون سلطة شرعية تقود البلد نحو الاستقرار والطمائنية، مختاراً، عبر وصيته “الشرعية” ابن عمه الأمير هيثم بن طارق البوسعيدي خلفاً له كسلطان جديد لسلطانة عُمان لمتابعة مشوارها العميق، والممتد نحو المستقبل.

لقد رحل السلطان قابوس بن سعيد بعدما قاد بلده مدة 50 عاماً  من حالة التخلف والصراع إلى حالة الهدوء والاستقرار، والنمو الاقتصادي المعتدل ولكنه دائم ومستمر.

 فعلى الرغم من الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان على الخليج العربي الحساس والملتهب باستمرار، وعلى الرغم من حالة عدم الاستقرار التي سبقت وصول السلطان قابوس بن سعيد إلى الحكم عام1970، إلا أن هذه السلطنة كانت- وما  زالت – تثير كثيراً من الاهتمام باستقرارها الهادئ من ناحية، وحضورها “حيث يجب” في ملفات المنطقة الخليجية خصوصاً والعربية عموماً – ولو بطريقتها الخاصة-  بحيث أصبحت عُمان ” الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ” من ناحية ثانية.

وكنتُ دائماَ ما أسأل صديقي الشيخ حمد بن هلال المعمري السفير الأسبق في العاصمة الأردنية، ووكيل وزارة التراث والثقافة والشؤون الثقافية الحالي عن سر “صمت عُمان” إزاء التحولات التي تصيب منطقة الخليج والعالم العربي قائلاً:” عًمان لا تصمت بل تفكر وتتأمل وبعدها تأخذ قرارتها؛ لاحظ  المسافة التي تفصلنا عن مضيق هرمز وعن إيران، لذلك يجب لعب دور التوازنات الذاتية والإقليمية بذكاء ؛ وهذا ما يفعله جلاله السلطان قابوس بنفس الاسلوب في كل القضايا التي نواجها جميعاً”

وأذكر أيضاً في هذا الصدد بأنني ألتقيت عام 2017 بصديقي الشيخ حمد  المعمري وأخوه الشيخ سيف بن هلال المعمري سفير سلطنة عُمان في موريتانيا بالعاصمة الأردنية عمان،  حيث سألت رفيقي- في ثنايا الحوار عن قضايا بلادنا العربية- عن  “خليفة السلطان قابوس” الذي كان مريضاً بسرطان القولون منذ عام 2014، وكيفية انتقال السلطة في حالة انتقاله للرفيق الأعلى، وهل هناك قواعد دستورية تحكم الانتقال. وكانت الإجابات بسيطة وواضحة أن هناك “مجلس للعائلة” الحاكمة قادر على أن يأخذ زمام الأمور بيده، وأن يختار المناسب؛ وان كان المناسب لم يكن بعيداً عن السلطان الجديد كما كان يتوقع أصدقائي!

تاريخياً، بالتأكيد، ان السلطان قابوس ابن التاريخ والسياسة معاً الذي عرفت بلده “طعم الامبراطورية” الممتدة من شرق أفريقيا إلى أجزاء من باكستان الحالية، وجزء من إيران وغيرها مر عليها ثلاثة أنواع من الحكم ابتداً من الملكية، فالإمامة، وصولاً إلى السلطانة؛ فقد عرفت عُمان قبل دخولها الإسلام في القرن الأول هجري النظام الملكي واستمرت عليه إلى أن خضعت للدولة الأموية، حيث أُعلن عن قيام الدولة العُمانية الجديدة في عام 749 إذ شهدت عُمان “ميلاد أول إمامة إسلامية تقوم على أساس مشروعية دينية ذات بُعد قبلي وعرقي”,  وهكذا، نجد بأن عُمان أخذت بالانتقال من المشروعية “الدينية” المقرونة بانتقال الحكم بالبيعة، إلى مشروعية “البيت المميز” الذي تبقى فيه السلطة، حيث كرست أسرة البوسعيدي هذا الفكر في عُمان منذ عام 1792 وإلى الآن.

وفي الواقع، واجهت الدولة العمانية، كبقية الدول، في مشوارها العديد من المخاطر والتحديات التي كادت أن تُهلك النظام السلطاني لولا وصول باني عُمان المعاصر السلطان قابوس بن سعيد عام 1970 وقدرته على مواجهة تحديات بناء الدولة التي تُعد عملية صعبة ومعقدة، حيث اعتمد السلطان على مجموعة من الاستراتيجيات هي:

  1. المحافظة على التوازنات التقليدية وتكريس الوحدة الوطنية، لا سيما وان المجتمع العُماني عُرف بكثرة قبائله التي تزيد عن مائتي قبيلة بالمقارنة مع المجتمعات العربية الأخرى.

  2. الاعتماد على التنمية البشرية الشاملة وخاصة التعليم منها الذي نقل الولاء من القبيلية والمنطقة إلى الدولة.

  3. بناء نظام برلماني قائم على الشورى تبلور لا سيما في دستور 1996، لذلك، لم يكن أمام السلطان قابوس لتنفيذ برنامجه السياسي سوى اعتماد سياسة القرب من مصدر مشروعية النظام؛ ألا وهو الشعب” إذ تم تعديل هذا الدستور الممنوح من السلطان قابوس في تشرين الأول/ أكتوبر2011.

  4. السعي لإعادة توزيع الثروة المتأتية من النفط التي كانت في صلب السياسية العُمانية لتوحيد الدولة لإعطاء الشرعية للحكم الجديد الذي قاده السلطان قابوس منذ عام 1970. والسعي، كذلك، إلى الخروج من واقع “الدولة الريعية” بتبنى استراتيجية ورؤية مستقبلية للاقتصاد العُماني2020 على الرغم من بقائية الاعتماد الاقتصادي العُماني على النفط.

  5. العمل على احتواء المعارضة السياسية بكسب الولاء الطبقي، وترتيب البيت الداخلي عبر “لم شمل” عائلة الحكم من خلال استقطاب أركان العائلة الحاكمة، ولا سيما صاحب السمو طارق بن تيمور، وتسوية الخلافات السياسية مع الثوار.

هنا، تتجلى حكمة السلطان قابوس باني الدولة العُمانية الحديثة التي تجد جذورها التاريخية القديمة في حكم “أسرة البوسعيدي” عام 1742 التي كرست حكماً سلطانياً، وراثياً بعد وفاة مؤسسها الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي.

باختصار، اتسمت “عًمان القابوسية” إذا جاز لنا القول بـ “الطمأنينة السياسية” لأن الراحل استطاع أن ينسج علاقات  قوية بين شرعيته السياسية والدينية ومؤسسات الدولة المعبرة عن الشعب بأطيافه المختلفة لبناء الحاضر والمستقبل للدولة العُمانية الحديثة التي تربط بين القيم الدينية والقبلية في عالم تتصارع فيه الهويات والأيديولوجيات …كما أرادها الراحل الكبير السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله.

كاتب اردني

jamshalabi@yahoo.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. لا شك بأن مواقف عمان كانت غالبا حكيمة وتختلف عن باقي دول الخليج ولكن الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه او أوقعوا السلطان فيه هو إستقبال رئيس العدو الصهيوني النتن ياهو في آخر أيامه والله اعلم من المسؤول.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here