أ.د. بشرى البستاني: الهايكو العربي وقضية التشكيل هايكو محمود الرجبي مثالاً

boustani.jpg888

 

أ.د. بشرى البستاني

 يثابر الشاعر الياباني بانيا ناتسويشي الذي ولد ونشأ في وطن الهايكوالأصلي في الدعوة إلى هايكو عالمي ، مؤكداً أن هايكو العالم الذي يدعو اليه إنما هو مفهوم إشكالي ما زال يبحث لنفسه عن أسس قوية يرتكز عليها ، وان هذا المشروع الهايكوي تعترضه إشكاليات نظرية وأسلوبية كثيرة ، فكيف بالهايكو العربي الذي لم تمض على حضوره في الثقافة العربية وإبداعها حقبٌ طويلة. ويواصل الاستاذ عبد القادر الجموسي في طرحه لمشروع بانيا الياباني في التأسيس لهايكو العالم انه يبحث عن هذه الأسس في العمق الأنطولوجي للكائن من حيث إمكانية الإمساك بالمشترك الانساني وتجاوز الفروق الثانوية بين المجتمعات البشرية ، مشيراً إلى أن في الحلم ظاهرة كونية ومشتركاً حضاريا وإنسانيا عبر الحقب الزمنية المتعاقبة ، وأنه مشتركٌ  له القدرة على تزويد الإبداع والمخيلة بطاقات متجددة تؤهله ليكون الرمز المفتاحي لشعرٍ فاعل يحقق في الهايكو أبرز أشكاله ، شعرٍ إنساني كوني يُكتب بمختلف لغات العالم. وإذا كان كلام بانيا عن الحلم ليس جديدا على الشعر والفنون ، فإنه يؤكد ما يحتاج للتأكيد دوما.

     إن الشعر العربي بعمقه التاريخي الممتد لما قبل الاسلام بقرون قد تمكن من النبض بحلم الانسان وبمشاعره المختلفة ، وعبّر عن مكابداته الوجودية ، وعن رؤاه ومواقفه من إشكاليات الإنسان والحياة والاحداث والجمال ، أما من الناحية البنيوية فقد عرف الشعر العربي البيت الواحد اليتيم والنتفة ، وما قل عن سبعة ابيات فمصطلحه قطعة ، أما السبعة أبيات وما زاد فمصطلحه القصيدة ، وداخل القصيدة العربية يوجد أبيات سارت أمثالا لاكتفائها بنيويا بالتعبير عن دلالات مفتوحة ، مما يدلُّ على أن الشعر العربي مهيأ للاشتغال على الإيجاز والتركيز اللذين يتطلبهما الهايكو ، وقادر على الإيحاء الذي هو جوهر الشعرية ؛ ولذلك كانت نماذجه ناجحة منذ الريادة الاولى في النصف الثاني من القرن الماضي تنظيرا وتطبيقا ، فالتنظير بدأ بالترجمة والدراسات عن الهايكو الياباني وكان لجهد الشاعر محمد الاسعد ونماذجه حضورٌ في تلك المرحلة ، كما كان لريادة الشاعر عذاب الركابي سبقٌ في نشر مجموعاته الهايكوية وحواراته ذات الاهتمام بهذا الفن  ، تلك المرحلة التي تحتاج لدراسة نتاجها وجهد روادها في التأسيس لفن الهايكو العربي.

 وصار للمرحلة الثانية التي نعاين نتاجها اليوم مبدعون جادون اهتموا بطرح قضاياه بنيويا ورؤيويا وما زالوا يواصلون طروحاتهم بالرغم من الإرباك الذي تعيشه الحياة العربية ، والثقافة والابداع جزء منها. وفتحوا لهذا الفن ابوابا معاصرة على شبكات التواصل الاجتماعي ، وعلى المواقع الثقافية الالكترونية ، ولعل المبدع محمود الرجبي واحدٌ من الطلائع التي اهتمت بهذا الجانب التواصلي عبر أكثر من صفحة وتجمع على الفيس..

يمتاز هايكو الرجبي بسمات جريئة في التشكيل ، وبطرح مختلف الرؤى الشعرية لعدم انصياعه لخواص الهايكو الياباني موظفا كل الطاقات التشكيلية للغة العربية في تفجير العلاقة بين الدال والمدلول مع الاحتفاظ بالسمات التأسيسية للهايكو الأصلي ، كالالتزام بالاسطر الثلاثة والمشهدية والمراوحة في التوجه نحو الطبيعة توجها مباشرا وغير مباشر مرة وعدم الالتزام بهذا التوجه أخرى ، كما كتب في هايكو الحياة اليومية الذي ليس من الضروري أن يشير الى الفصول والطبيعة ، على أني لا أتفق مع القائلين بان لغة الهايكو تتصف بعفوية لا تحتاج لتدبر او تفكير كما يفعل الطفل الصغير ، فلغة الهايكو الأصيل لغة ذات بنية عميقة لا تُدرَك الا بالتدبر والتفكير ، لأنها أكثر الأحيان لغة تشتغل على المستوى التأويلي ، وتنفتحُ على أبعاد دلالية ثرة ، وهي في إيجازها تضمر طاقة الايحاء التي تحتاج لجهد ذهني في البحث عن الدلالة. وبدءا من العنوان (وتذوبُ ثلوجُ العينين) يتوجب على المتلقي أن يبحث عن  المقصود بثلوج العينين ، ومتى تحتضن العينان ثلوجا ، وكيف قُدّر لهذه الثلوج أن تذوب ، فهل هي الدموع المؤجلة التي قد أوقفتها كبرياء الشاعر عن الجربان ، وما علاقة العنوان الرئيس بالعنوانات الداخلية التي تتصدر كل قصيدة هايكو، علما أن العنوان حينما يكون جملة ولا سيما بهذا التشكيل الفعلي يحتاج لجهد أكبر في التحليل وفي متابعة حضوره في النصوص الفرعية.

 إن العناية بالعنونة تعمل على تماسك النص ومنحه هويته التداولية من خلال التسمية ، وتبني شخصيته الانجازية ، كونه رسالة للمتلقي تعينه على الكشف عن الجزئيات البنيوية وما تضمره من دلالة ، وتعمل على إضاءة الشفرات المتنية التي  تمكِّن من الوصول لأقصى ما تتيحه معطياتها من قدرة على إضاءة الغموض وملء الثغرات التي تختفي بين طيات النص بدءا من بنياته وتفاصيله الصغرى وصولا إلى البنية الكبرى.

 إن تأمل البنى التركيبية لعنوانات قصائد مجموعة (وتذوب ثلوج العينين) نجدها تعتمد على البنية الافرادية ، ما عدا مضاف ومضاف اليه ورد مرة واحدة (سوء فهم) وهو جملة أسمية من مبتدأ وخبر ، يختلف تقدير المبتدأ أو الخبر فيها حسب رؤية القارئ النحوية وتفسيره ، وخبر موصوف لمبتدأ محذوف (إحساس داخلي) ورد مرة واحدة أيضا ، والعنونة بحرف (ربما) مرة واحدة كذلك:

   (وطن ، سوء فهم ، رحمة  ، ضد ، الجمال ، جنون ،صعود ، الغياب ، 18 ، صعود ، الغياب ، رحمة ، إحساس داخلي ، عبث ،ابداع ، تلصص ، لحظة ،ربما ، براءة ، هبة ،انتصار، نسيان ،نزيف ، سفر) ، مما يشير إلى طغيان العنونة الافرادية على النصوص ، وهيمنة العنونة بالنكرة التي تشير للعموم والشمولية مما يوسّع دائرة الدلالة. فضلا عن كون المبدع يستخلص الطاقتين التشكيلية والدلالية في قصيدة الهايكو ليعمل على تبئيرها في مفردة واحدة قادرة على البث. إن محمود الرجبي يخرج على الكثير من اشتراطات الهايكو الياباني مستجيبا لكل ممكنات اللغة العربية ومرونتها في التشكيل والتدليل ، إنه يضع لكلّ قصيدة هايكو عنوانا، بينما لا يُفضّلُ ذلك في الياباني ، كما يضع لمجموعة قصائد الهايكو عنوانا رئيسا انطلاقا من وعيه بقدرة سيميائية العنونة على مدّ التيارات الدلالية نازلة وصاعدة من العنوان للمتن ومن المتن إلى العنوان. بل هو يعمل على تكثيف الدلالة وإضفاء بعد جديد إليها ، فالعنوان يتوازى مع المتن مرة ويحيل عليه أخرى ويكون له نافذة لإثارة أسئلة شتى يحاول المتن مقاربتها أو الإجابة عنها بطرائق مباشرة أوغير مباشرة حسب أفق توقعات كل قارئ.

 إن العنوان قد يُضلل الدلالة أو يُشيع فيها اللبس بقصد إغواء القارئ وإثارته وتشويقه لمتابعة القراءة ، وقد يكون توضيحا للمتن كما نجد في الهايكو الأول بعنوان ..(وطن) حيث يبدأ الهايكو بالتشبيه خارجا على مجمل شروط الهايكو الياباني بتجنب البلاغة وأدواتها ما أمكن ، وبتجنب اللجوء لضمير المتكلم ، إذ تبدأ سمات الهايكو العربي بالتبلور ، تشبيه وضمير متكلم انطلاقاً من وعي بأهمية الفاعلية التي يتمتع بها هذا الضمير في الفعل الإنساني ؛ كونه الضمير الوحيد الذي ينهض من أعماق غور الإنسان والذي يمثله حصراً:

وطن

كسلحفاةٍ تحملُ بيتها

أحملُ حزني معي

لكنَّه ينامُ في داخلي !!

فنحن أمام مشهدين ، الأول هو المشبه به ، سلحفاة تحمل بيتها على ظهرها في صورة بصرية معروفة ، والسلحفاة حيوان برمائي ليس لها أسنان بل لها منقار شديد الضغط ، وهي ترمز لدلالات كثيرة منها صلابتها ظاهرياً وطيبتها من الداخل ، وقدرتها على التعايش ، وتتصف بطول العمر مما يجعلها تحيل على الحكمة لطول خبراتها الحياتية ، كما تتسم بالكسب القليل المضمون الذي يشير للحلال ، وترمز الى الهدوء والتأني لبطء مشيتها وطول عمرها(ويكيبيديا ، نت ، سلحفاة) ، والمشهد الثاني مشهد المشبه: أحمل (أنا) حزني في داخلي ..والعمق الدلالي لهذا الهايكو يتجلى في كون قبعة السلحفاة التي تعلوها والتي يطلق عليها (الدرقة) ذات جلد مقوى بحراشيف قرنية، تدخل السلحفاة في جوفها لتشكل لها وطنا عند النوم وعند الاستراحة وهي وطن خارجي يغطي الداخل ، بينما يكون الشاعر وطنا لحزنه وهو مرتبط به ارتباط ديمومة ، فكما أن بيت السلحفاة جزء عضوي في جسمها ، فإن حزن الشاعر جزء نابض فيه ، مفيدا من شعرية التضاد التي تعمل على تحريك النص وتلوينه بين الظاهر والباطن ، والخارج والداخل ، والجامع بين المشهدين دلالة الاحتواء التي يوحي بها الوطن. فعنوان الهايكو هنا يُلقي ضوءا على المتن من حيث الترابط المصيري المشترك.السلحفاة (لها) وطن يحتويها ، الشاعر (هو) وطن الحزن متماهيا ، لكن الشاعر يرفض أن يكون هذا الحزنُ علامة ضعف أو اندثار ، ولذلك يقدم رمزه الصلب في شبيهه السلحفاة أولا ، فهو بالرغم من الحزن الثاوي داخله ، إلا أنه مقاوم عنيد قويٌّ شديد التحمل ، ومعمّرٌ ليس باستطاعة الحزن ولا الملمات أن تعمل على الإطاحة بإرادته أو تؤثر على استمراره وتواصله مع الحياة ، مما يحيل على مقاومة المستوى الدلالي في هذا الهايكو لكل عوامل السلب والضعف الانساني التي بدون مقاومتها لا يمكن لكرامة الروح أن تُصان ، ولا يمكن للإنسان أن يواصل دحره للظلم والاستلاب في سعيه الدائب نحو فضاءات الحرية والجمال وبهاء الخلاص.

في هايكو (سوء فهم) يفيد الشاعر من جمالية الاستفهام في تحريك النص والإيحاء بنبض كلام مسكوت عنه نستشفه من خلال سؤال الجبل في حوار أُعلنَ منه الطرف الأخيرُ فقط ، عنوان الهايكو هنا يعبر عن اللبس الحاصل في إبلاغ الجمل الخبرية:

البحر نحاتٌ ماهر

ولكنه بطيء

ما معنى بطيء, سأل الجبلُ ؟!

وسؤال الجبل يثير المتلقي للانفتاح على أكثر من دلالة وجواب ، هل الجبل معترضٌ على مهارة البحر في النحت ، هل هو معترض على اتهام البحر بالبطء ، أم هو لا يفهم المراد من هذا الكلام حقاً ، أليس التعبير بالماء وجريانه الدائم إشارة إلى الزمن وفعله في التغيير والنقض والفقدان ، وإلى الموت والانفصال والاندثار أمراً واردا..! إن الجمالية التشكيلية لهذا الهايكو تكمن في الاستفهام الذي عمل على تنشيط حركية الشعرية ، إنها متأتية من هذه الانتقالة السريعة من الاسلوب الخبري في جملتي السطرين الأول والثاني إلى الاسلوب الإنشائي في الاستفهام ، ثم في إيجاز الحذف الذي غيّب جواب سؤال الجبل بما جعل الجواب متاحاً على احتمالات عدة . أما التنشيط الاسلوبي الآخر والمفاجئ فقد كان في المشهد الثاني المقابل لمشهد البحر ، وهو مشهد الجبل الذي ينهض فجأة متسائلاً ومحققا دلالة العنوان في اللبس وغموض معنى البطء في فاعلية البحر / الزمن. والتضاد واضح بين المكانين ، البحر منبسط ، سائل جارٍ حركي ، والجبل شامخ ثابت صلب.ان الفعل الكامن في اشتغال البحر والجبل هو فعل تضاد ، ففي حين ينحت البحر في صخوره وشواطئه وينقصها ، يكون الجبلُ رمزا للتراكم ، وكلاهما فعل زمني ، سواء في الاندثار أو التراكم ، وتلك هي طبيعة الزمن من الأزل حتى الأبد ، يعطي مرة ويأخذ أخرى،  يسعد ويُحزن ، ويتحول تحولات متناقضة بين الأضداد عبر انسيابه الأزلي.

في هايكو الجمال يتألق التشكيل بطرح أرقى القيم الإنسانية التي تتألق في مظهر من مظاهر الطبيعة عبر مشهدين رائعين متداخلين ، فالهايكو العربي وقد تمكن من التعامل مع سمات ثقافته لم يعد منصاعاً لأية قواعد تقليدية ، لأنه صار قادرا على دمج المشهدين في التشكيل:

على صخرةٍ في البحر

طائر النورس تسحره الأسماكُ الجميلة

فيموت جائعاً !!

 المشهد الأول ، طائر النورس الجائع على صخرة في البحر ، المشهد الثاني ، الأسماك الجميلة التي يصمت النص عن وصف منظر تهاديها في المياه وجمال ألوانها وفتنة حركيتها من خلال الموج ، وهو مشهد مندمج بالأول من خلال اشتباك الفاعل (الأسماك) بالمفعول المتصل بالفعل (تسحر) وهو ضمير الهاء العائد على النورس في (تسحره) ، ويأتي السطر الثالث بضربة فاتنة ، ذلك أن النورس يُعلي قيمة الجمال على حياته مفضلا أن يموت جوعاً على إلحاق الأذى بهذا الجمال وتغييبه بافتراسه.

    إن هذا الهايكو ينجح نجاحاً باهرا في إيصال رسالة بالغة الأثر للإنسان ، فإذا كان الطائر الحيواني يتمتع بهذه الحساسية الجمالية التي تدفعه إلى التضحية بحياته من أجل منح  قيم الجمال الفرصة في الحضور والتواصل والاستمرار إثراءً للحياة ، فماذا يجدُرُ بالإنسان ذي الوعي المتقد أن يفعل.! إن الهايكو أراد أن يقول ما قالته الأديان السماوية والفلسفات الملتزمة من كون القيم عنصراً أساسياً في دفع الانسان وكل نماذجه المعرفية إلى الرقي والسمو بإنسانيته لأعلى المراتب ، ذلك أن نظرية القيم جزء أساسي من فلسفة العلوم عموما ، وان النظريات الغربية التي دعت لعزل العلم والمعارف والسياسة عن القيم وأحلت المصلحة والقوانين الذرائعية محلها كانت السبب في العدوان على الانسان وخراب البلدان وتهشيم قيم الجمال التي تمنح الروح اشتراطات وجودها وأمنها وسعادتها، فهناك فرق شاسع بين القانون والقيمة ، القيمة تنطلق من الداخل بدافع ذاتي إيماني ، والقانون يُفرضُ من الخارج باشتراطات وقسرٍ أحيانا مما يعزز دور القيمة أمام القانون ويزيدها أهمية وبهاء.إن هذا النوع من الأدب يمجد القيم الجمالية التي باتت مرتبطة بكل اشتغالات الإنسان وفي المجالات جميعها ؛ لأنها تؤثر وتتأثر بها على الرغم من اتهام بعض النظريات لطبيعة القيم بالمراوغة منذ هجوم الفلسفة الحديثة على الميتافيزيقيا وتبنيها التحليل العلمي المادي ، لكنَّ الجمال – مندمجا بالقيم- سيظل الحاجة الاساسية التي تهفو لها روح الإنسان سواء كانت حسية بصرية أو سمعية ، أو تأملية ذهنية عاطفية مشاعرية أو معرفية.

  إن الإيجاز والتكثيف يؤديان في الهايكو مهمة ذات أثر بالغ ، فكلما زاد التكثيف الذكي في التعامل مع اللغة نجد إطلاق الدلالة يتخذ أبعادا أوسع في التشظي ، ولعل أهم متطلبات التكثيف العمل على اتقاء الإبهام ومحاولة جرّ القارئ لمقاصد النص وليس لمقاصد المبدع ، فقد تكون مقاصد المبدع مختلفة عن مقاصد النص ، ولذلك لن تكون مهمة القارئ استقراء الغيب في التعرف على مُراد المرسل ، لأن مسؤوليته تكمن في مقاربة لغة النص كونها المتاح الوحيد الذي يمكن للناقد أن يتعامل معه ، ساعياً لتفكيكه والكشف عن مخزونه ومرجعياته ومن ثم إعادة تركيبه دلالياً بعد الخروج بمراميه من خلال القراءة الواعية. ويواصل الرجبي مرونته في التعامل مع مشهدية الهايكو ، التي اهتم بها معظم منظري هذا الفن ، يقول في هايكو (رحمة):

 لا تقطفي الوردة

دعيها تموتُ على صدرِ أمِّها

فقد شَمَمْتِ روحَها كاملة !!

فالمشهدية هنا لا تتأتى إلا من خلال مستوى تأويلي يُلحّ على النص ليقسمه على مشهدين ، وإلا فهو في قراءته الهادئة مشهد واحد: شجرة ورد هي الأم ، ووردة استُنفد عطرها من قبل ابتزازٍ أرهقها امتصاصاً وقهراً ، وتركها بانتظار الموت ، والعنوان دعوة لرحمة الوردة من الإجهاز عليها بالقطف ، تُرى أيهما أكثر رحمة ، قطفها وإراحتها من قسوة الانتظار ، أم تركها تنتظر الموت على صدر حنان الأمومة ..؟ العنوان لا يشرح لنا الأرحم بل يؤشر لنا بسيميائية محفزة على التعددية ، أن هناك خياراً ثالثا ظل مسكوتاً عنه في ثنايا النص ، وهو أن تثور الوردة على مبتزيها لو قُدّر للورد أن يثور ، أو أن يكفَّ الإنسان عن قسوته فلا يرتكب ابتزازا ولا عدوانا ضد الطيبة والصفاء وضد الجمال. ان الوردة لا تغفر حسب ، بل تمنح مع الغفران عطرا لمن أساء إليها ، وفي هذا الكرم المثالي دعوة للتأمل وحثٌ على ترميم القصور الإنساني وتجنب فعل السلب . وقد نجد لمفهوم الغفران ومعطياته حضورا في الفكر الديني وفي العلوم الاجتماعية ، لكنه في الأدب والفنون متاح لتداول دائم.

ويؤكد نصُّ الرجبي أن الهايكو العربي لا يخشى ضمير المتكلم ، فهو في اللغة العربية ضمير الفاعلية الذي يحرك الحدث ويمنحه نبض الفعل والمبادرة القصوى ، يقول في هايكو (صعود):

 أصعد إلى جبال رم

الزهورُ الصغيرةُ تنحني خائفةْ

قدمي تدوسها فتنزف رائحةْ !!

أية قيمة عليا وأيّ سمو أن تدوس بقدمك الوردَ فيعطيك عطرا ، إن سيميائية العنونة هنا بــ (صعود) تلخص مُرادَ الهايكو ، وتنهض سموّاً بالدلالة الرائعة التي تنتج عن شعورٍ متعالٍ على الحقد والشرور والتعامل بالمثل ، فالعنوان هنا يُكثّف مقاصد المتن تكثيفا دلاليا في التعبير عن سموٍّ مطلق وطيبةٍ راقية وتسامح نفيس ، أن ندوس بأقدامنا كائنا بالغ الجمال كالوردة ، فلا يقابلنا بالمثل ولا يردُّ شرّ فعلنا بشر مثله ، ولكنه يمنحنا أرقى آيات البهاء بنزفه عطرا. وهذا السلوك لا يصدر الا عن مثالية متعالية لمخلوقات لا توجد إلا في القمم ، ولذلك رافقها الصعود مرتين ، مرة في العنوان وأخرى في المتن ، مما يؤكد أن المراد بالصعود هنا ليس الصعود المادي ، بل هو الصعود القيمي الرفيع. إن الشاعر يُقدم نموذجا سلوكيا نادرا يحاول من خلاله التعريض بالشرور والأحقاد والاصطراعات التي تجتاح العالم المعاصر وتقسم الانسانية الى قسمين ، (أنا) الأنانية المستغلة المتمثلة بالقلة القليلة التي استفردت بالملايين ، و (الزهور) البريئة ، التي هيمنت عليها الـ (أنا) رمز الظلم والطغيان بكل غطرسة القوى المتجبرة والقادرة على سحق العُزَّل.

إن (أنا) محمود الرجبي هنا لغوية ، إنها إدانة للأنا الذاتية المنعزلة والمغلقة على فرديتها التي تعود على (أنا) الطغاة ، والهايكو هنا يدمج مشهدين لنماذج غادرة و مغدورة معاً ، وإذا كانت الزهور هنا مغدورة أمام الأنا الغادرة ، فإن هايكو (عبث) يمثل أنا المتكلم في أقصى المغدورية وقمة المعاناة الانسانية والجدب الروحي الذي يبدو ضحية اغتراب جارح ،إذْ يُشيعُ العنوان عبثية البحث عن جواب لنداءات الأمل الوحيد المتضرعة للغيوم العابرة بأن تجود على صحراء الروح بغيث..وبالرغم من قوة الجبل وتماسكه وقربه من الغيوم نسبيا ، إلا أن عوامل السلب في الهايكو تكاد تكون هي المهيمنة على فضاء الشعر من خلال عدم تعدد نوافذ الخلاص ؛ فالأمل هو الجبل الوحيد ، والروح صحراءً قاحلة ، والغيوم عابرة لا مقرَّ لها في فضاء الشاعر ، ولا استقرار:

الأملُ جبلٌ وحيد

في صحراء روحي القاحلةْ

ينادي الغيوم العابرةْ !!

ثم يسكت النص عن رد فعل الغيوم تجاه النداءات ، لكن وصفها بالعابرة يجعلها غير عابئة بالجواب ، مما يجعل الأمل في حالة حصار بعوامل السلب ، لكن عدم التصريح بالرفض يترك الباب مفتوحا لإدامة حالة الحلم التي يعززها التشبيه بالجبل قوة وديمومة.

في هايكو (الغياب) نجد لونا آخر من ألوان عذاب الفقدان ولوعة الانتظار ، عبر مشهدين يندمجان ببعضهما ، ويعمل العنوان على تبئير لوعة المتن ببراعة تَضمر قيمة الحب ولهفته لتواصلٍ منتظر ، ويتداخل العنوان بالمتن تداخلا جدليا مبهرا بجمالية الحزن:

نافذةٌ لا تُغادر الطريقْ

يتساقطُ الصبرُ عنْ شجرةِ حزنها –

امرأةٌ تنتظر !!

بهذا اللبس الذي يُعدُّ سمة من سمات النصّ الحداثي ، والذي يشوبه نوع من الحيرة يتألق جمال الهايكو، هل النافذة هي المرأة ، هل المرأة هي شجرة الحزن ، هل هي النافذة والشجرة مندمجتين معا ، فضلا عن إيجاز القصر الذي اختزن طاقة الابداع في الداخل ، فأي عزيز تنتظر المرأة ، أهي تنتظر زوجاً حبيبا أم فلذة كبدٍ أم أما أم والدا ، وأيّ أمر غيّبَ هذا المنتظَر الذي أحال الصبرَ على ثمر يتساقط من شجرة الغياب التي تحولت لشجرة حزن. إن تفاصيل الأحداث والوقائع التي تشرح أسباب الغياب وعلاقته بالمرأة التي تنتظر بمرارة مسكوتٍ عنها ، هي اختصارات زمنية وتغييبٌ لكل الفاعليات السلبية التي حدثت فيها. وقد يعتمد الهايكو على جمالية الايقاع كما في هايكو (إبداع):

الإبداعُ ماءٌ يجري كي يَتَجدَّدْ

لا يأخذُ شكلاً أو جسداً

حتى يَتَجَمَّدْ !!

إن جمالية الإيقاع هنا ارتكزت على الطاقة العروضية والقافوية معا ، إذ اعتمد الهايكو على طاقة تفعيلة الخبب ماعدا الاولى التي جاءت على المتدارك ، كما اعتمدت على روي الدال وهو من الحروف المجهورة التي يتسم صوتها بالقوة ، فضلا عن كون الروي مقيدا بالسكون ، وهذا القيد وقوفٌ عند الدلالة المقصودة وإصرار عليها في ضرورة التجدد وأهمية الحركية التي هي شرط الإبداع ، فإذا فارقته إلى الجمود والسكونية فإن سمة الإبداع تنتفي عن النص حالما يتقولب في شكلٍ أو جسد واحد، فضلا عن التجمعات الصوتية التي نجدها في أكثر من صوت ولا سيما صوتا الدال والجيم المجهور ،

إن الهايكو العربي لو نال ما يستحق من اهتمام المؤسستين الثقافية والسياسية وحتى الأكاديمية ، برصد الدعم المادي والمعنوي والمعرفي والإعلامي له ، لتمكَّن من التطور أسرع ، ولتمكنت سماته من التبلور والتماسك ومن تقديم تنظير يستوعب ماهية النماذج النصية المطروحة في إبداع الهايكو ليكون التنظير له واحداً من الأسئلة المهمة في نظرية الأدب العربي المعاصر،ومبحثا من مباحث الدراسات الحديثة القادرة على احتواء أكثر من طريقة بحثية لقراءة نصوصه واستشراف فنون تشكيله ، فالتنظير النقدي ومتابعته لجذور الفن المدروس ومراحله التاريخية ، وما يلتقطه من سمات ذلك الفن ، والعمل على الكشف عن طرائق اشتغال هذه السمات وتشكلاتها وإمكانية تطورها من خلال ما تضمر من طاقة على الانفتاح ، فضلا عن الافتراضات والتصورات التي يمكن للمحلل أو الدارس أن يضعها لمسيرة ذلك الفن ، وكل ذلك يعد جوهر العمل على إنشاء أي نظرية أدبية أو فنية ، وليس ذلك على فن الهايكو العربي بكثير.

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. الصحافي محمد الأسعد هو مترجم للهايكوعام 1999 سبقه محمد عظيمة واخرون … وهو ليس شاعراحتى لو أصدر ديوانا بل هو صحافي ومترجم لا أكثر ولا أقل

  2. معنى الريادة الحقيقيةوالفعلية تنطبق على الشاعر الفلسطيني الكبير عزالدين المناصرة… ولا تنطبق على صاحب ( دكانة الهايكو الأردنية ) لأسباب عديدة.
    – ما قالته الصحفية الخليجية أو المصرية المقيمة في الخليج كلام غير صحيح وما كتبته هو نوع من التزلف الى صاحب الدكانة.
    – من المؤسف أن هناك خطأ متداولا وهو عدم التفرقة بين ( شاعر الهايكو) وبين ( مترجم الهايكو) فأذا ترجم أحدهم رواية مثلا لا يمكن أن نطلق عليه صفة الروائي بل هو مترجم.

  3. لو فتحنا النافذة اليوم على هذه القراءة لتوارت واضمحلت لشدة المغالطات في القراءة والنصوص

    من حيث تعويم الانية والتشبيه والمجاز الصارخ بالنصوص المقال تم اعداده وقت كان الهايكو العربي يكتب دون وعي بالخصائص اي انه يقتصر على المعنى والمشهد ولو اردنا اعادة تدوير النصوص كقراءة اليوم ستكون بالتاكيد عبارة عن ومضات وشذرات لا علاقة ها بالهايكو ..

  4. ليس كل من فتح (دكانة هايكو ) يصبح رائدا كما ادعت الصحافية شهرزاد جويلي

  5. باكبار واخلاص أحييك سيدتي المبدعة في مقارباتك النقدية

  6. باكبار واخلاص أحييك سيدتي المبدعة في مقارباتك النقدية

  7. اعترف محمود الرجبي صاحب موقع جدار الهايكو العربي في ندوة عامة أن ( المناصرة ) هو الرائد الفعلي لفن الهايكو العربي لكنه ظل مصرا على تسميته بفن التوقيعة. كما يرى المناصرة أن تسميات ( الابيجرام – الومضة – وغيرها هي فروع من فن التوقيعة.

  8. قصيدة ( هايكو – تانكا 1964 لعزالدين المناصرة:

    هايكو:يا باب ديرنا السميك- الهاربون خلف صخرك السميك- افتح لنا نافذة في الروح.
    تانكا: أجاب شيخ يحمل الفانوس في يديه- يوزع الشمعات -على نثار دمنا المسفوك- وحين سلمنا عليه – بكى واصفر لونه.. ومات.
    — أما قصيدته ( نبيذ الدن .. في فن الزن ) التي نشرها في التسعينات حيث حول فن الزن السردي الى شعري- فتقول:

    ولدت قبل البيلسان في أريحا ..كان يعزف الحقول – ولدت في الجبال كي أقول -معتق هو النبيذ في الجرار-تستيقظ الغيوم في صباح نجمة المدار – يستيقظ العرار -تستيقظ ا الجمال في الصحراء في المدى تزن- أجراسها حيث الصدى تعن-شعوب بوذا أصبحت تزن – تشأن تشأن تشأن-أما أنا فمنذ ذلك النبيذ- أدندن النشيد فوق طوبة حمراء-قد ترجع الحمامة الزرقاء-بيضاء فوق غصن ذلك الوطن- أو تركض الأيام في مسارب الزمن- في ساحل الشجن – أو تصفر الرياح في شعابه الخضراء — لا هيكل في القدس يا سماء..
    – هكذا كان هذا الشاعر يجرب في شبابه الأشال الشعرية العالمية والعربية التراثية وه يرى أن ( الومضة) هي سهم البرق الذي يخترق الضباب الكثيف.

  9. المقال جيد ولكن:
    – الدكتورة بشرى البستاني تجاهلت أو نسيت أن رائد الهايكو العربي هو الشاعر الفلسطيني الخليلي الشهير ( عزالدين المناصرة) الذي كتب قصيدته (هايكو – تانكا) عام 1964 لكنه تراجع عن التسمية وأطلق على هذا النوع من الشعر اسم ( التوقيعة) منذ نصف قرن في قصيدته ( توقيعات ). وصدرت قبل سنوات الطبعة الثانية من كتابه ( توقيعات عزالدين المناصرة ) حيث قدم تعريفا للتوقيعة يستوعب خصائص الهايكو الياباني ويتجاوزه لأن التوقيعة حسب المناصرة أكثر اتساعا من النمط الياباني للهايكو. وقد اعترف الناقد الدكتور ( ابراهيم نمر موسى – جامعة بير زيت ) في أحد كتبه بأن الشاعر الفلسطيني الوحيد الذي تأثر بالشعر الياباني خصوصا الهايكو.
    – ويتذكر الباحثون المصريون الذين لاحظوا تأثر الشعر العربي بأنماط ( الهايكو الياباني- الابيجرام اليوناني ) أن اسم المناصرة كرائد لشعر التوقيعة هو نفسه ( رائد الهايكو العربي ) لكنه ظل مصرا على الاسم العربي حيث حدد المناصرة مراجعه ب( التوقيعات النثرية العباسية – قصيدة المقطعات – قصيدة البيت الواحد – والهايكو الياباني أيضا ). وقد قرا المناصرة توقيعاته في الجمعية الأدبية المصرية في ديسمبر 1964 كما يؤكد ذلك عدد من النقاد والباحثين المصريين.
    -مؤخرا في عام 2017 أقيمت ندوة بعمان العاصمة الأردنية لشاعرة هايكو شابة هي ( فاتن أنور ) وقد أكدت الصحف الأردنية ذلك بقولها بأن الندوة تمت ب( حضور الشاعر العربي الكبير عزالدين المناصرة… وحضور شاعر الهايكو محمود الرجبي ) – انظر موقع (افاق حرة ).. وجرى نقاش طويل حول ( التوقيعة والهايكو العربيوالفرق بينهما ) واتفق الرجبي مع المناصرة على تسمية ( التوقيعة ) حيث ليس بالضرورة أن نلتزم بخصائص الهايكو الياباني الحرفية التقليدية فالتوقيعة تتسع أكثر لمنظور وتخييل أكبر من الهايكو الباني النمطي مثل الاصرار على موضوع واحد هو الطبيعة .
    – حتى ( فن الزن) السردي حوله الشاعر المناصرة الى ( شعر ومضة ) مثل قصيدته:(

  10. شكراً للإستاذة الدكتورة بشرى البستاني على هذه الإضاءة القيمة حول الأستاذ محمود الرجبي والذي يعتبر رائداً وراعياً كبيراً في نشر الهايكو العربي على الساحة العربية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here