أيوب رضواني: ماكرون في المغرب: آ ش جا يدير؟

 radwani ayoub

أيوب رضواني

زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي للمغرب منتصف شهر يونيو حزيران، تعقبها زيارة للجارة الجزائر.

إعلام الوطن انقسم لمطبل و مزمر للزيارة التي بوأت المغرب شرف السبق قبل ” المنافس ” الجزائر، بينما لمح الفريق الثاني إلى أن توقيت الزيارة غير مناسب، باعتبار استمرار الحراك الشعبي، ما يعني أن البلاد ليست في “مظهر” جيد لاستقبال “الحليف الإستراتيجي”.

الواقع أن باريس لا تهتم كثيرا بطبيعة أنظمة شركائها في القارة السمراء، و لا بما يحدث للإنسان الإفريقي من هضم لحقوقه السياسية و الاقتصادية.

فرنسا اختارت أن تمارس في إفريقيا “دبلوماسية الاقتصاد” و منطق : “الأعمال أولا”. أما تكتيك “دبلوماسية حقوق الإنسان” فتتركه ورقة للتدخل في مناطق أخرى كحال الشرق الأوسط، حيث اللعب على المشاعر و أنغام الشارع العربي خلال فترات متفرقة، دون التفريط في سلامة الشريك الإستراتيجي، الذي ذاق حلاوة سلاح الذرة بفضلها (فرنسا): إسرائيل.

ماكرون، الابن السياسي لفرانسوا هولاند، سيأتي ليطمئن على تركة والده: المال و الأعمال. الرئيس الشاب المنحدر من أوساط مصرفية، تعلم الكثير من والده الروحي خلال السنة التي قضاها وزير اقتصاد.

الرئيس الاشتراكي هولاند ابتعد عن أوهام و ترهات السياسة، و اتجه للتركيز على عصب الاقتصاد و المصالح. فمعدة فرنسية فارغة ليست أفضل استشارة سياسية !

كذلك يفعل ماكرون، بعد أن عين وزير الدفاع السابق “جان إيف لودريان” وزيرا للخارجية، بمفهوم البائع المتمكن من سلعته.

فرنسا التي نجحت خلال فترة هولاند في بيع الطائرة الباهظة الثمن “الرافال” لقطر (24 طائرة) و للهند، سيكون في أجندة رئيسها، رفقة وزير خارجيته ” التقني التجاري”، تعزيز التعاون مع المغرب في مجال التسلح النوعي، نقطة قوة صناعة فرنسا العسكرية.

إمانويل ماكرون يزور الرباط و في جعبته هدف أساسي: المحافظة و تنمية مستوى التبادل التجاري بين فرنسا و المغرب. مستوى بلغ 13 مليار أورو سنة 2016، بفائض لصالح دولة ديغول قدره1.5 مليار.

ماكرون سيطمئن على استثمارات “ألستوم” و “رونو”، وعلى حال شركات تحل محل المغاربة في جمع النفايات و تسيير قطاع المواصلات، فترسل لمقر الشركات الأم مئات ملايين الأوروهات شهريا. سيلقي الرجل كذلك نظرة على أعمال تجهيز القطار فائق السرعة، تعويض “فرنسا ساركوزي” عن تفضيل المغرب لطائرات أمريكا المستعملة إف 16 سنة 2007، على حساب طائرات فرنسا الجديدة “الرافال”: جبهة “باردة” كالمغربية الجزائرية لا تتطلب تفوق طائرات فرنسا التكنولوجي، بقدر طائرات “بون أوكازيون” تراقب الحدود و تقوم بالواجب.

خط القطار السريع  كان مقررا افتتاحه بحر السنة الجارية قبل أن يؤجل سنتين. مشروع لاقى انتقادات واسعة، باعتباره يجانب منطق الأولويات، في بلد لا يزال نصف سكانه يركبون الحمير. كل الانتقادات ذهبت أدراج الرياح بمجرد دخول المشروع محمية ” الأوراش الكبرى”.

ماكرون سيؤكد على ضرورة حماية أعمال 2000 شركة فرنسية مستقرة في المغرب أو تورد له منتجاتها، في ظل زحف التنين الصيني الذي اكترى مئات الهكتارات في طنجة لينشئ عليها مدينة صناعية تقربه من أسواق أوروبا.

فرنسا لن تسمح على كل حال لأي بلد باختطاف ” امتدادها الترابي و الاقتصادي المغرب”. الشاهد تأزم العلاقات بين البلدين شتاء 2014، عندما عزمت الدولة المغربية على الانفتاح غير المحسوب على الصين و روسيا، فما كان من بلد الأنوار إلا أن أشعل فتيل أزمة بوصفه المغرب ب”العشيقة التي لا مناص من النوم بجانبها حتى لو انعدمت مشاعر الحب اتجاهها”. وزير الخارجية المغربي أندك، صلاح الدين مزوار، اضطر لخلع حدائه في مدخل مطار باريس، كما أرسلت النيابة العامة الفرنسية  استدعاء “لعبد اللطيف الحموشي” مدير المخابرات، قصد التحقيق في “شبهات تعذيب”. المغرب فهم الرسالة، و الملك المغربي أجل الزيارات.

رئيس فرنسا سينظر بكثير من الاهتمام  لسوق فرنسا الثقافي ” المغرب الفرانكفوني”، حيث تزحف الإنجليزية على لغة موليير في مجال الأعمال، و تنافس العربية و اللهجات نظيراتها الفرنسية في الشارع و في مواقع التواصل الاجتماعي. عدد الفرانكفونيين في المغرب ينمو بمعدل أقل من نمو عدد السكان الإجمالي، لذا فرئيس ثاني قوة في أوروبا سيراجع اتفاقات و تفاهمات الملحقات والمدارس و المعاهد الثقافية الفرنسية، وبعثات الدراسة للطلاب المغاربة، فالكعكة ما فتأت تتقلص لصالح جامعات أمريكا و الصين، في ظل انحدار ” نموذج فرنسا التربوي و التعليمي”. نموذج لم يعد يساير العصر سلاسة و زرعا للمبادرة و الريادة، في عالم فائق السرعة.

هي بعض من أنشطة ماكرون المعلنة و غير المعلنة حين يحل ضيفا على المغرب. أنشطة ستهدف أولا و أخير للمحافظة على هيمنة “ماما فرنسا” على حبيبها المغرب اقتصاديا و ثقافيا و تعليميا.

بعدها، سيتوجه الرئيس الشاب للجزائر ليلعب على الثنائية المألوفة: تثبيت مصالح فرنسا النفطية في بلد المليون شهيد ” سرا”، و إثارة  الجدل القديم الحديث ” جهرا” حول فترة الاستعمار الفرنسي  ل”استحمار” الشعب الجزائري، و إثارة مشاعره الوطنية كي لا يلتفت لحال ” سليمان و الجن و العصا و دابة الأرض”:  شريان نفط يمنع الدابة، للآن، من أكل العصا، فلا يستفيق الشعب من غيبوبته مرددا: لو كنا نعلم الغيب ما لبثنا في العذاب المهين !

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here