أيهم الطه: ما بين قرارات البيت الأبيض والسياسات العربية تجاه طهران

 

أيهم الطه

’’الحقائق تفرض نفسها رغم محاولة إنكارها ’’ هذا ما قيل قديما وبعيدا عن مشاعرنا الشخصية و ارائنا ومعتقداتنا فإنكار الحقائق لن يلغي وجودها ولكنه سيؤثر على تعاملنا معها ويقودنا إلى ارتكاب الخطأ.

وربما يصح هذا الوصف في الحالة الإيرانية التي أصبحت مثار لخلاف  واسع في سياسات العديد من الدول بين من يناصبها العداء و بين من يتعامل معها وآخرون موالون لها .

لكن السؤال الأبرز يبقى ماهي تأثيرات ذلك على طرفي العلاقة وفي حين تتمتع بعض الدول بهامش أوسع من غيرها في هذه العلاقات ,فالبعض الأخر لا يملكون هذا الترف وبينهم الدول العربية القريبة من الحدود الإيرانية وتتشارك معها في العديد من القواسم المشتركة , ولذا فنحن في العالم العربي متأثرون بطهران وما يحدث فيها  سواء أحببنا ذلك أم كرهناه .

وفيما حافظت إيران على قرارها و رسمت خطوطها بيدها , ربط الكثير من العرب مصائرهم بحاميات غريبة عن المنطقة وغير واعية لمصالحها وضروراتها التي يفرضها الواقع , كما ربطت نفسها بسياسات دول تبعد عنها الآف الأميال .

 وحيث يبدو أن عمل الإدارة الأمريكية  في إثارة الفوضى عالميا  مستمر عبر القرارات الإستعراضية التي توالت عن إدارة الرئيس دونالد ترامب , والتي طالت العديد من الدول من فنزويلا إلى إيران مرورا بروسيا والصين وغيرها من القرارات التي قد تخرج عبر تغريدة على مواقع التواصل او تصريح مقتضب خارقة الأعراف الدبلوماسية وقواعد التعامل الدولية ,  وكان أخرها تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمجموعة إرهابية  , ورغم الأصوات الغربية والأمريكية المعترضة على مثل هذه القرارات المتسرعة و التي تنم عن جهل سياسي وتاريخي وثقافي  وحماقة , الا ان ادارة دونالد  ترامب تستمر في تجاهل هذه الأصوات متناسية أنها بذلك تضر المصالح الأمريكية  سياسيا , وعسكريا , وإعتباريا  وقد  تخدم من صنفته في خانة أعدائها .

أخطأ ترامب تجاه إيران في حربه المتواصلة ضدها و أخرها التصعيد غير المبرر لأحد أركان نظامها  ونسي أن يده في النار وأن القوات الأمريكية المنتشرة في اسيا وأفريقيا ستواجه الكثير من المشاكل بسبب مثل هذه القرارات فإيران جزء فاعل وحيوي في هذه المنطقة , و لأن حائك السجاد يعرف كيف يغرز القطب وينسق الوانه بصبر وروية وفق رسوم وهندسة ودقة .

وقد تكيفت أيران مع مثل هذه العقوبات التي سيكون لها انعكاساتها على الشعب الأيراني بدون شك الذي سيوجه غضبه ليس فقط ضد نظامه وإنما ضد الولايات المتحدة نفسها وسيكون أكثر التفاف حول دولته وتشكيلاتها المختلفة مع استشعاره بخطر خارجي يستهدفها بشكل مباشر ويريد( إخضاعها ) .

وهذا بدا واضحا في تصريحات زعماء التيار الإصلاحي الأيراني وخاصة الرئيس روحاني الذي أكد على الالتفاف الشعبي والرسمي حول الحرس الثوري الذي يشكل عصب النظام القوي والحامي الأساسي له

وأيخطئ الكثير من العرب الذي صفقوا ورحبوا بالقرار الأمريكي عندما يعتقدون أن رهانهم على الدور الأمريكي سيبعدهم عن المشاكل التي تسببها أيران لهم , وما يجب إدراكه جيدا  أن (ايران وتركيا) هما سقف العالم العربي ونحن محكمون معهما بروابط جغرافية وتاريخية و اقتصادية ودينية من الصعب التملص منها .

’’في المنطقة هناك فقط دولتان كبيرتان هما إيران وتركيا وغيرهما فراغ ومشاكل’’ حقيقة ربما يصعب أن ننكرها ,  ومن يدرس المنطقة يعرف أنه بحاجة إلى التعامل معهما بحكمة و تعقل وليس بغضب وجنون .

خاصة مع ثقافة مقاومة شعبية واصيلة وعريقة  كما هو الحال في إيران والتي جعلها موقعها الجغرافي بين عالمين مختلفين (أسيوي من جهة , وعربي من جهة )تكون متكيفة بالطبيعة ومقاتلة بالفطرة دفاعا عن خصائصها وخصوصيتها .

كان على جاريد كوشنر وغريبلات و غيرهما من عرابي البيت الترامبي و من يعيشون في ظلال حائط المبكى ,أن يدرسوا التاريخ والجغرافية في المنطقة بشكل أفضل قبل إرتكاب كل هذه الأخطاء التي ستكلفهم كثيرا من المال والوقت والدم.

مع كل هذا التهديد المتناثر حول (الدولة الإيرانية )  إلا أنه في زمن الانحسار العسكري الغربي يجب أن لا نراهن على  حرب عسكرية على إيران اذا لا إمكانية حقيقية لذلك .

 وأن التأثير الأساسي لمثل هذه القرارات سيكون  على الاقتصاد الإيراني  الذي يسيطر الحرس الثوري على حوالي  40 % منه كما تشير بعض التقديرات , لكن ذلك لن يحقق رهان البيت الأبيض في زيادة الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الأيراني ,والتي تختلف عن سواها بالبعد الوطني والنفور من التدخل الخارجي , كما أنه مفاعيل قرارات البيت الأبيض حول طهران  لن تتوقف عند الحدود الإيرانية , فالتأثيرات  ستمتد إلى دول أخرى تربطها علاقات قوية ومتشعبة ومتنوعة مع طهران  مثل العراق و روسيا وسوريا وتركيا وألمانيا وفرنسا وعدة دول أخرى عربية و غربية ترتبط بعلاقات اقتصادية مع الدولة الإيرانية.

كما أن هذه القرار وغيره من المواقف المتشددة ضد أيران سيعزز داخليا من موقف الجناح المتشدد ويؤيد حججه في فؤائد الانفتاح والحوار مع الغرب، و يؤدي إلى انحسار شعبية التيار الإصلاحي ..

صانع القرار الأمريكي كان يجب عليه التفكير في أنه بمثل هذه القرارات يجمع أعدائه و أن تصعيده ضد إيران ومحاولات لي الذراع التركي وسواها من القرارات ستزيد من علاقات هذه الدول مع المحور الروسي الصيني الذي يمد نفوذه بشكل واسع ومتسارع في آسيا وأفريقيا مقابل انحسار الدور الأمريكي والأوروبي.

ورغم محاولات بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا النأي عن الجنون الأمريكي إلا أن هذه المحاولات لا تزال قاصرة عن لعب دور أكبر في المنطقة.

التصريحات الإيرانية رغم تصعيدها إلا أنها حافظت على الخطاب المتزن , والعقلاني , ورغم الشطط الذي يبديه الكثير من العرب في تصريحاتهم وسياساتهم إلا أن ذلك لم يغير من وعي القيادة الإيرانية بالدور المحوري الذي تلعبه طهران في المنطقة وفق استراتيجيات واضحة و خط ثابت ولذا فهي تتمكن في المحصلة من إيجاد الطرق المناسبة للالتفاف على العقوبات المفروضة عليها وتستخدم التصرفات الصادرة عن أعدائها لما يخدم مصلحتها و يوسع نفوذها في منطقة تمر بظروف عسيرة و حالة من الفوضى والتيه والانقسام.

المحزن في كل ما سبق هو سياسات بعض الدول العربية، والتي قد تصل إلى حدود التهور أحيانا، والمراهنة على المجهول، عبر تعويلهم على الحليف الأمريكي والإسرائيلي لحمايتهم، ووفق منهج لامنطقي  وغير مستند إلى أسس حقيقية في التصرفات والسياسات المتبعة التي لا تخدم شعوبهم وتضر المنطقة بشكل كامل وتهدد أمنها الإقليمي وأستقرارها.

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here