أيهم الطه: شرعية “قسد” تتآكل داخليا وخارجيا.. وحساب الحقل لن يتطابق مع حساب البيدر

أيهم الطه

كان يبدو واضحا أن مشروع الإدارة الذاتية ومنذ بدايته عام 2012 عقب اندلاع الاحتجاجات الشعبية  في سورية في  2011 يحاكي تجربة  الحكم الذاتي التي طبقت في العراق خلال الربع الأخير من القرن الماضي , التي منحت الأكراد في الشمال العرقي سلطات واسعة لإدارة إقليم بات شبه منفصل عن الدولة العراقية , وقد بقي ذلك حلما يراود بعض  الأكراد في سورية  ورغم أن مطالب الإدارة الذاتية في سورية  كانت  أقل من ذلك  خلال السنوات الأولى لنشأتها  وتمثلت بحماية الكرد  , و منحهم   حقوقهم  المدنية والسياسية ,

 إلا أن سقف  هذه المطالب قد إرتفع  الى مطالبة بالفدرالية والحكم الذاتي للمنطقة , متأثرا بتدهور  الأوضاع العسكرية  في سوريا وتصاعد حدة الصراع وتوسع رقعته وضعف السلطة  المركزية في دمشق   , و  مع  توسع طموحات الإدارة الذاتية  التي انشائها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بمشاركة’’ شكلية’’ من بعض القوى الكردية وعدد المكونات الأخرى غير الكردية في مناطقه  .

 مستغلة تراجع القوات الحكومية بعد عام  2012  وضعف السلطات المركزية في دمشق  , أمتد هذا المشروع بذات الذريعة  ليشمل المناطق الكردية في عدة مناطق أخرى في الشمال السوري .

حيث توسعت  أجنحتها المسلحة وتزايد عدد أفرادها وتنامت قدراتها العسكرية بدعم غربي ومساندة عملانية وتدريبية  من الكرد في جبال قنديل (الحزب الديمقراطي الكردستاني التركي  وجناحه المسلح pkk ) كما قدمت له المساعدة اوربيا وأمريكيا  وذلك   تحت ذريعة قيامه بمهمة  حماية الأكراد والأقليات في منطقة الجزيرة السورية من المتطرفين والمجموعات المسلحة  , والحفاظ على أمن المناطق الكردية  من هجمات المجموعات المتطرفة وقد  اكتسبت  قوات سوريا الديمقراطية شرعية وجودها وتمددها خلال السنوات  الماضية لعدة أسباب منها 1- ضعف السلطة المركزية في دمشق والحاجة إلى وكيل محلي لمساعدتها في إدارة المنطقة وحمايتها ,2- الدفاع عن حقوق المكونات المتعددة في المنطقة وخاصة الكرد 3- السعي نحو إدارة أكثر عدالة وديمقراطية .

إلا أن تصرفات الإدارة الذاتية أطاحت بجميع الأسباب التي أدت الى وجودها وأطاحت بها مزيلة الغطاء الشرعي الذي وجدت في ظله عبر ممارستها للقمع السياسي والثقافي وعملها على اقصاء أطياف واسعة من مكونات المنطقة عن مراكز القرار بمن فيهم المخالفين لها من الكرد , حيث تحول الى سلطة قمعية  تحاول تثبيت أركان حكمها بالمعتقلات والنار , و مدعومة بعناصر اجنبية كردية من جبال قنديل و عناصر غربية .

وقد شكل إعلان التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة توسيع حربه ضد تنظيم الدولة الإسلامية ودعمه للفصائل المسلحة التابعة للادارة الذاتية الكردية ypg , pyd   دفعة جديدة لهذه الإدارة و  فرصة لتقوية نفوذها وتوسعته  , ليتم الإعلان فيما بعد عن ولادة جسم عسكري مؤلف من تحالف (شكلي ) لقوى متنوعة (عربية وكردية وسريانية وتركمانية وغيرها ) عام 2015 هو ’’قوات سورية الديمقراطية’’ , لكن  القوات الكردية التابعة للإدارة الذاتية  بقيت  تشكل عمودها الفقري ومركز قرارها والمسيطر الفعلي على  تحركاتها وتوجهاتها .

 وقد شكل  قتال قسد  لتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة شرق الفرات و الذي حددته كهدف لها  , غطاء  مقبولا بشكل جزئي محليا وإقليميا  في ظل وجود التنظيم , لكن هدوء جبهات القتال نسبيا في شرق الفرات, وانتهاء وجود التنظيم ولو نظريا  بعد  معركة الباغوز في بداية عام 2019 , أزال هذا الغطاء وترك قسد  تبحث عن هدف جديد يبرر بقائها كسلطة حاكمة  , معلنة  أهدافها الجديدة بمجموعة نقاط غير واضحة مثل – ترسيخ الأمن و الإستقرار  , و القضاء على بقايا التنظيم  لتبرير استمرار وجودها و احكام سلطتها على مساحة تقارب 28% من الأراضي السورية  كقوة حاكمة فعلية , ما قوبل باحتجاج  شعبي محلي , ورفض من دمشق فضلا عن معارضة قوية من الجار التركي وعدم رضى من السلطة المركزية في العراق , فضلا عن وجود عدم توافق كردي داخلي  حول مشروع الإدارة الذاتية بشقيه القوة العسكرية قوات سورية الديمقراطية  (قسد) والجناح السياسي مجلس سورية المدني  (مسد ) حيث تعصف الخلافات بعلاقات الإدارة الذاتية مع العديد من المكونات السياسية الكردية السورية  ومنها المجلس الوطني الكردي وايضا يشوب التوتر علاقة الادارة الذاتية مع  سلطات كردستان العراق .

وقد حاولت قسد  ترسيخ وجودها في المناطق التي سيطرت عليها عبر  تشكيل رديف سياسي لها هو ’’ مجلس سورية الديمقراطي ’’ المعروف ب مسد كما شكلت هياكل إدارية تابعة لها  متمثلة بوحدات محلية لإدارة المدن والبلدات والنواحي و الأحياء  , وايضا تشكيل مجالس محلية , كما حاولت خلق تجمعات اهلية وعشائرية و تيارات وأحزاب سياسية موالية لها ,محاولة الانتقال من سلطة امر واقع فرضتها نتائج المعارك والقوة العسكرية إلى ترسيخ حكمها كسلطة شرعية لهذه المنطقة عبر نزع اعتراف محلي من الأهالي بقبول سلطتها عليهم . لكن الأدوات السابقة فشلت في منح قوات سورية الديمقراطية الشرعية و الإستقرار الذي تبحث عنه .لعدة أسباب منها سوء الإدارة, والتمييز في المعاملة مع مكونات المنطقة المختلفة خاصة المكون العربي الذي تعرض للتهميش والاقصاء وسوء المعاملة  , فضلا عن اتهام قسد بمحاولتها فرض تغيير ثقافي و ديمغرافي على المنطقة لمصلحة الكرد على حساب المكونات الاخرى  و ايضا سقوط غطائها الشرعي المتمثل بمحاربة داعش  بعد الإعلان عن نهاية التنظيم  .

 تعرف الشرعية بأنها ” إضفاء الصفة القانونية على شيء ما” وهو ما تفتقده قسد حتى اليوم فرغم التعاون الغربي معها ودعمهم لها , إلا أن أنها فشلت في الاستحصال على إعتراف محلي من الأهالي الواقعين تحت حكمها أو إعتراف رسمي من دمشق أو دول الجوار (العراق -تركيا ) بشرعية حكمها للمنطقة وبقائها كسلطة حاكمة فيها .

 تعد  الشرعية  غطاء أخلاقي ومعنوي للسلطة الحاكمة تبرر تصرفاتها وتمنحها صفة قانونية عبر تفويض الشعب للسلطة بالحكم

البحث عن مشروعية دفع قوات سورية الديمقراطية الى البحث عن غطاء محلي لها سواء عبر محاولة إنشاء أحزاب عربية تحت جناحها او عقد تفاهمات مع مراكز قوة محلية مثل ابناء العوائل والعشائر العربية .

فيما تبدو محاولاتها لترسيخ سلطتها وشرعيتها غير موفقة , و تتعرض لانتكاسات مستمرة,  فبين لجوئها الى القوة لإخضاع الأهالي من جهة  و سعيها الى شراء ولاءات الأفراد في مناطقها من جهة اخرى  يستمر فشل قسد في تأمين غطاء معنوي لاستمرار فهي مرفوضة حتى من بعض الجهات الكردية وتواجه العديد من التهم الأخلاقية حول تعاملها مع سكان المناطق الخاضعة لسيطرتها ,كما  الأفراد المتعاملين مع قسد في المناطق العربية  يجدون  أنفسهم معزولين اجتماعيا ويتعرضون للتهديد بشكل شبه مستمر , ويسيطر عليهم الخوف والقلق وهذا ما حدا بالكثير منهم الى الإبتعاد والنأي بنفسه عن سلطة لا مستقبل لها  في ظل ارتفاع وتيرة الاحتقان الشعبي  , و تزايد الناقمين على حكم قوات سورية الديمقراطية في ظل انسداد افق الحوار مع دمشق و رفض قسد  التعاون مع المعارضة في تركيا كما ان الموقف الروسي منها أخذ يبدو اكثر تشددا من ذي قبل وقد تجلى ذلك عبر تصريحات الخارجية الروسية حول إجتماع العشائر الذي نظمته (مسد ) قبل عدة اسابيع في بلدة عين عيسى ضمن محاولاتها في الحصول على غطاء سياسي وشعبي يمنحها بعض المشروعية التي فقدتها .

الخارجية الروسية وجدت فيه تهديدا لوحدة سورية مبينة أن هدفه هو تقسيم التراب السوري معتبرة اياه انتهاكا لسيادة سورية وللقرر2254

وكاشفة  أن واشنطن قد خصصت  أموالاً كبيرة “لرشوة المندوبين” وأن المشاركين قد تم تجنيدهم من مخيمات اللاجئين بما في ذلك مخيم الهول .

و كان  “مجلس سوريا الديمقراطية” قد عقد مؤتمرًا للعشائر العربية الموجودة  في مناطق قسد    الجمعة 3 من أيارمن العام الجاري 2019،  تحت عنوان “العشائر السورية تحمي المجتمع السوري وتصون عقده الاجتماعي”، وحضره مشايخ عشائر من المنطقة الشرقية والرئيس السابق لحزب “الاتحاد الديمقراطي” (الكردي)، صالح مسلم.

تعاني قسد  اليوم أكثر من اي وقت مضى من تاكل شرعيتها الداخلية والخارجية ومثل هذه المهرجانات الشكلية لن تعوض مانقص من شرعيتها وأصحاب القرار فيها يعلمون أن حسابات الحقل يختلف عن حساب البيدر فتعويلها على الدعم الغربي وحده _  دون مراعاة حساسيات المنطقة و واقعها التاريخي والجغرافي والديمغرافي _  غير مضمون النتائج  وهذا لن يترك لها الكثير من الخيارات في المستقبل  حيث ستفقد الكثير من نقاط القوة التي حققتها خلال السنوات السابقة لتجد نفسها مجبرة على حوار مع دمشق ستقدم فيه الكثير من التنازلات .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here