أين تقف الصين في نزاع أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ؟

 

د. تمارا برّو

اشتعل فتيل الصراع مجدداً بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ، وتدخلت الدول ذات النفوذ في باكو وبريفان لوقف النزاع وعلى رأسها روسيا التي استضافت اجتماعاً لوزيري خارجية أذربيجان وأرمينيا في 9 تشرين الأول / أكتوبر تم بموجبه الإعلان عن وقف إطلاق النار في كاراباخ. ولكن سرعان ما تجددت الاشتباكات بين الطرفين. وأعلنت تركيا علانية وقوفها إلى جانب أذربيجان، أما إيران التي لها حدود مع البلدين، فقد أعلنت أنها أعدت خطّة مفصّلة لحل النزاع بين أذربيجان وأرمينيا، ودعت إلى وقف الأعمال العسكرية. والصين من جهتها دعت إلى حلّ النزاع بين أرمينيا وأذربيجان عبر الحوار السياسي، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ ون بين إن الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة وحلّ جميع الخلافات يخدم جميع الأطراف، التي تأمل الصين بأن تتحلّى بضبط النفس وتحلّ جميع الخلافات عبر الحوار السياسي.

 إن موقف الصين من قضية ناغورنو كاراباخ واضح فهي دائماً تدعو إلى أن تُعالج الأطراف المعنية الخلافات من خلال الحوار السياسي، ففي تصريح للمتحدث باسم الخارجية الصينية تشاو لي جيان في نيسان / إبريل 2020، تعليقاً على الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في إقليم كاراباخ ، قال “إن موقف الصين من قضية ناغورنو كاراباخ واضح وثابت. نأمل أن تحلّ الأطراف المعنية الخلافات من خلال الحوار السياسي وندعم السلام والاستقرار الإقليميين. ستواصل الصين تعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة”. إن موقف الصين واضح إزاء النزاعات الدولية فهي ترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتدعو إلى حلّ الخلافات والنزاعات عبر الحوار، لذلك نجدها في أغلب النزاعات تنأى بنفسها وتتخذ موقف المحايد، وأكثر من ذلك تسلك طريق التنمية وتطوير العلاقات الاقتصادية مع الأطراف المتنازعة.

لجنوب القوقاز أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تقع دوله بين روسيا وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ويعتبر جنوب القوقاز محطة مهمة جداً لعبور السلع الصينية والأوروبية، ويلعب دوراً محورياً في مبادرة الحزام والطريق. على مدى السنوات القليلة الماضية، نما الوجود الصيني في جميع دول جنوب القوقاز( أرمينيا، أذربيجان، جورجيا). فبالنسبة إلى أذربيجان تربطها بالصين علاقة متينة بدأت تتطور أكثر منذ العام 2015، تاريخ توقيع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف على مذكرة تفاهم بشأن إنشاء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير في أثناء زيارته لبكين. فقد كان حجم التبادل التجاري بين الصين وأذربيجان في العام 2015  حوالي 561 مليون دولار ليصل في العام 2019 إلى 2.1 مليار دولار. وارتفع حجم التبادل التجاري بنسبة 66.7% في العام 2019 مقارنة بالعام 2018، وتمثل أذربيجان حوالي 43% من تجارة الصين مع جنوب القوقاز. في العام 2019 وقعت أذربيجان والصين صفقات تزيد قيمتها عن 800 مليون دولار لتنشيط التعاون الثنائي في القطاع غير النفطي. وفي العام 2016 أعطى البنك الآسيوي الاستثمار أذربيجان قرضاً بقيمة 600 مليون دولار لتمويل مشروع خط أنابيب الغاز العابر للأناضول مشروع “تاناب”، لنقل الغاز الأذري إلى أوروبا عبر تركيا.

ولأذربيجان أهمية خاصة وموقع مهم على طريق الحرير بفضل ميناء باكو الدولي وخط سكة حديد باكو- تبليسي – كارس، مما جعلها محور اهتمام الصين. يشكل خط سكة حديد باكو – تبليسي- كارس، الذي افتتح في العام 2017 وأطلق عليه اسم طريق الحرير الحديدي، نقطة عبور البضائع الصينية إلى أوروبا عبر تركيا.  ويساهم هذا الخط في تقليص فترة وصول البضائع الصينية إلى أوروبا الغربية من أكثر من شهر الى 15 يوماً. فمثلاً في حزيران / يونيو 2020 توجّه قطار شحن من الصين إلى اسطنبول مروراً بأذربيجان، حيث تم استلام الشحنة في ميناء باكو الدولي وتسليمها إلى تركيا عبر سكة حديد باكو – تبلسي – كارس.

كما تعمل أذربيجان وكازاخستان على تطوير ممر اتصالات بين آسيا وأوروبا ، والذي سيكون مفيداً لدول الحزام والطريق، وبالتالي ستتم إضافة باكو إلى خريطة الإنترنت العالمية كنقطة تبادل إنترنت جديدة إلى جانب مدن مثل أمستردام، فرانكفورت، لندن، اسطنبول، دبي.

تتطابق مصالح الصين وأذربيجان بشكل عام فيما يتعلق بوحدة الأراضي، ففي الإعلان المشترك الموقع بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف والرئيس الصيني هو جين تاو خلال الزيارة التي قام بها الأول للصين في العام 2005 ، أكدت أذربيجان أن هناك صيناً واحدة في العالم، وأن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الدولة الشرعية الوحيدة التي تمثل الصين، وتايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية. كما أن الصين من جهتها تؤكد دعمها لسيادة جمهورية أذربيجان وسلامتها الإقليمية وتدعو إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن النزاع في ناغورنو كاراباخ ودعم التسوية السلمية للصراع وجهود المجتمع الدولي لتحقيق هذا الهدف.

وإذا كانت العلاقات الصينية الأذربيجانية آخذة في التطور، فإن العلاقات الصينية الأرمينية تشهد تقدماً أيضاً. ففي أيار/ مايو 2019، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ رغبة بلاده في تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع أرمينيا.

في العام نفسه الذي انضمت فيه أذربيجان إلى مشروع طريق الحرير، وقّعت أرمينيا على مذكرة بشأن تعزيز التعاون في بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، كما انضمت إلى البنك الآسيوي للاستثمار. وعلى الصعيد التجاري تعتبر الصين ثالث أكبر شريك تجاري لأرمينيا حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام 2019 حوالي 941 مليون دولار بزيادة عن العام 2018 إذ بلغ  711  مليون دولار.

وقامت الصين ببناء سفارتها في بريفان حيث تعتبر ثاني أكبر سفارة في الاتحاد السوفياتي السابق. وفي آب / أغسطس 2020 تم التوقيع على اتفاقية تموّل الصين بموجبها بناء مدينة العلوم الذكية في أرمينيا. كما تم إلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين في العام 2019، وهذا يدلّ على المستوى العالي الذي وصلت إليه العلاقات بين الصين وأرمينيا. أما على الصعيد العسكري، فإن التعاون في هذا المجال آخذ في التوسع أيضاً، ففي عام 2017، تعهدت الصين بتقديم 1.5 مليون دولار أمريكي كمساعدات عسكرية لأرمينيا.

وإذا كان لأذربيجان دور مهم في طريق الحرير عبر ميناء باكو الدولي وسكة حديد باكو – تبليسي – كارس، فإن أرمينيا تسعى جاهدة إلى أن يكون لها دور في مشروع الحزام والطريق الذي انضمت إليه في العام 2015. وإذا كانت مبادرة الحزام والطريق تحتاج إلى تطوير البنى التحتية، فإن أرمينيا تسعى إلى تحقيق ذلك. لقد تم سابقاً مناقشة خطط بناء ممر نقل من إيران عبر أرمينيا إلى جورجيا، واتفقت إيران وأرمينيا في العام  2009 على بناء سكة الحديد، وأبدت الصين اهتمامها بالمشروع عدة مرات. لكن المشروع مكلف للغاية اذ قدرت تكلفته الإجمالية بحوالي 3.5 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً الميزانية السنوية لأرمينيا، لذلك فإن الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق هذا الهدف.

بالمحصّلة تتمتع الصين بعلاقات جيدة مع كل من إرمينيا وأذربيجان، وتعمل بجهد على توطيد هذه العلاقات، لاسيما الاقتصادية والثقافية، وهي لن تقف إلى جانب أي طرف في نزاعهما، أو أن تسعى إلى لعب دور الوسيط بينهما، وتركت هذه الدور إلى روسيا وإيران، الدولتين اللتين لهما نفوذ سياسي مع كلا البلدين، وإجراء الحوار مع تركيا لتهدئة الأوضاع في المنطقة المتنازع عليها لما لتركيا من تأثير على أذربيجان، ولكنها بالمقابل لن تألو جهداً في محاولة تقريب وجهات النظر بينهما إذا وجدت فرصة مناسبة.

باحثة لبنانية في الشأن الصيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here