أين الفكر العربي الجديد؟: ضرورة البحث عن “الزمن” و”الواقع” الضائع

nouha-khalaf-new

د.نهى خلف

تذكرنا نهاية  كل عام بسرعة مرور الزمن، بل بسرعة تصرف الذين يملكون آليات الدمار و الهلاك مقابل بط ء التطور الفكري و العقلاني في العالم العربي، حيث نجد أن الفكر أصبح مهمشا ، كما أصبح بالتالي تشخيص الواقع المؤلم بشكل صحيح غائبا .

 و الحقيقة المرة هي أن المسؤولية لا تقع فقط على القيادات السياسية، و التي يعرف الجميع منذ أكثر من نصف قرن إنها فاشلة و فاسدة، و في كثير من الأحيان متواطئة ضد شعوبها و محمية من الغرب و حامية للصهيونية، بأشكال و درجات مختلفة و متنوعة. كما أن هذه القيادات  السياسية و التي تمتلك أجهزة القمع التابعة تاريخيا لمؤسسة الدولة ، هي التي  لعبت دورا أساسيا في تغييب المفكرين و العلماء و الفلاسفة عبر قمعهم أو دفعهم إلى الهجرة ، و لكن  يجب أن نعترف أيضا، عبر عملية نقدية علمية و جريئة  إن الجزء الآخر، وربما الأخطر من هذه المسؤولية  يقع أيضا على من ادعوا إنهم معارضون  للأنظمة، و من سموا أنفسهم مناضلون ثوريون و يساريون، حيث قاموا في كثير من الأحوال بمحاربة نظام  معين عبر التورط مع نظام  آخر لأسباب مختلفة معظمها مادية ،  حتى أصبحت مواقفهم اليوم تخضع أو تدعم قطب معين أو آخر من أقطاب الصراع المدمر الجاري في المنطقة العربية بدأ بالعراق و اليمن و انتهاء بالتدمير الهائل  و القتل الإجرامي في المدن السورية وآخرها معاناة  مدينة حلب و أهلها  مما يبدو أبشع مثالا لهده المأساة.

 إن نقدنا هذا للمعارضين العرب الجدد بشكل عام موجها لهم،  أولا لأنهم في كثير من الأحوال لم يتمكنوا من التمييز

بين الأصعدة المختلفة للنزاعات القائمة، يعني بين الأصعدة الإقليمية و الدولية  و المحلية ، وغياب نظرهم إلى ما يحدث  عبر منظور شمولي  و تاريخي بل عبر أفاق قطرية ضيقة  من جهة و عبر منظور  آني من جهة أخرى ،  فمن يتحدث عن الحرب الدامية في سوريا لا يتحدث عما يحدث في العراق و لا عما يحدث في اليمن، و الأسوأ انه يتناسى في كثير  من الأحوال ما يحدث و حدث في فلسطين، رغم إن ذلك كان يجب أن يكون الدرس السياسي الأول حول المشكلة الإقليمية و المؤشر الأول للمآسي اللاحقة .

ففي بعض الأحيان يبدو لنا أن المعارضون الجدد يحللون بسذاجة و ذاتية، ويتعاملون مع المآسي الحالية و كأنها مفاجئة و خارجة عن سياق التدهور السياسي الطبيعي في منطقة تعاني منذ  ما يقارب سبعون عاما من احتلال عسكري لجزء حيوي منها.

ان ممارسة السلطات القمعية الإقصائية و التجهيلية للمفكرين التاريخيين في المنطقة العربية هي التي  أدت إلى ظهور شرخ و هوة بين  كثير من المفكرين السياسيين المخضرمين الذين عاصروا كل الهزائم منذ أكثر من ستين عاما ،أو على الأقل قرأوا عنها ، و جيل الربيع العربي الذي تأثر أكثر بقيم العولمة المتداولة في الفضاءات الإعلامية و  في شبكات التواصل الإجتماعي،  والتي فرضت على  الأجيال الصاعدة نمط تفكير خارج السياق التاريخي للمنطقة  حتى  أصبحت تلك الأفكار  مهيمنة على الثوريين الجدد.

  و لكن   لا يجب  أن تغنينا هذه الظاهرة  عن التساؤل النقدي حول مسؤولية  المفكرين المخضرمين وغيابهم عن المشهد الحالي و خاصة الذين  أسسوا نهضة فكرية مقاومة في منتصف الستينات و بداية السبعينيات من القرن الماضي ؟؟

ان رحيل المفكر السوري  صادق جلال العظم منذ أيام في برلين،   و الذي لعب دورا هاما و نقديا حول هزيمة  الستينيات والذي تحاور مع عديد من المفكرين اللبنانيين  و الفلسطينيين  و العراقيين في إطار  نهضة ثقافية نامية  تمركزت  بشكل خاص في بيروت، يطرح علينا تساؤل هام حول مدى  الانقطاع الذي حصل بين هذا الجيل و الأجيال العربية اللاحقة.

إن الهجوم  العسكري  الشامل على بيروت من قبل القوات الصهيونية في عام 1982 لم يؤدي فقط إلى إخراج قوات منظمة التحرير من بيروت، بل  أدى إلى ما هو أخطر من ذلك  على المدى البعيد، أي كسر و تدمير نواة الفكر العربي الجماعي  الجديد التي كانت قد بدأت تتبلور و تتطور في السبعينيات، مما أدى بعد حرب بيروت إلى ظهور و نمو   كثير من النزعات الانعزالية و الإنطوائية  عند النخب السياسية.  فهل من المصادفة التاريخية إن إتفاقيات كامب ديفيد الانفرادية،  و التي ساهمت في نشوء شرخا ثقافيا بين المفكرين العرب، تمت ثلاث سنوات فقط قبل الهجوم الإسرائيلي على بيروت ؟  فاتحة المجال لهذه  النزعة  الانعزالية بالتفاقم حتى الوصول الى مرحلة جديدة من الإنحطاط و التشرذم الفكري مما أدى بمنظمة التحرير الدخول  في  التسعينيات في عملية سلام انفرادية .

و مصادفات تاريخية كثيرة أخرى هامة تبين ان الخلل الاستراتيجي الفكري عند النخبة السياسية قد بدأت في الثمانينيات  مما أدى ببعض المحللين الغربيين بتذكيرنا  مؤخرا بضرورة قراءة وثائق تاريخية  إستراتيجية إسرائيلية معلنة منذ الثمانينيات، مثل الوثيقة المسماة ‘ من أجل إستراتيجية إسرائيلية  في الثمانينيات’  بقلم ‘عديد يينون’ و التي نشرتها المؤسسة الصهيونية العالمية في مجلتها ‘كيفونين’  في شباط 1982 ، و التي طالبت بتوسيع رقعة هيمنة إسرائيل الحيوية في المنطقة عبر  تفتيت العالم العربي إلى ‘كنتونات’ طائفية  بدأ بالعراق ووصولا بسوريا، لكي يصبح وجود إسرائيل الطائفي في المنطقة أمرا عاديا؟؟

أما بالنسبة لظاهرة ‘الربيع العربي’ و التي  أصبح عمرها ستة أعوام  و التي تمر الآن  بانتكاسات مأسوية مبرمجة من الغرب ، فأين كان دور المثقفين و المناضلين اليساريين فيها؟ ولماذا وجدت الشعوب  العربية  الفقيرة نفسها و حيدة أمام الأنظمة  دون نخبة فكرية و سياسية قوية ؟  و في أفضل الأحوال و الحالات  عندما تمكن النهوض الشعبي فيها إلى  ‘إسقاط النظام’ فهل كان لديه القدرة على إعادة  البناء لتأسيس نوع  جديد من الحياة أو نمط جديد من الحكم الشعبي وحده  دون طليعة مخضرمة ؟؟

الحقيقة المرة هي أن معظم المفكرين و الثوريين أضاعوا كثيرا من الوقت  في نقد بعضهم للبعض، و في التنافس على المصالح و على فتات الأنظمة حتى أصبحوا ذيول مستنفعة و مرتزقة،  بينما لم تدرس  جيدا الأجيال الشابة التي صنعت ‘الربيع العربي’  يدا بيد مع النهوض الشعبي،  تاريخ المنطقة و لا تاريخ الأنظمة و لا  موازين القوى العالمية ولا المصالح الإقليمية  التي تستغل النقمات  الشعبية الحياتية و السياسية لتفرض مصالحها و هيمنتها و تتوغل ماديا و فكريا .

و اسئلة أخرى كثيرة   يمكن طرحها في ظل التدهور الحالي حول العوالم المختلفة و المتناقضة التي نتجت عن كل هذه المآسي: فهل يشعر الجميع بنفس الألم؟   أم هل هناك عالمان: عالم الأثرياء و عالم الفقراء ؟ عالم الاستقرار و عالم اللجوء؟ وعالم اللاجئين القدامة و عالم اللاجئين الجدد؟ عالم الكهول و عالم الشباب؟عالم النساء و عالم الذكور؟

وهل يمكن الفصل  بين الأمور جميعها مثل الفصل بين الأبيض و الأسود؟؟

أسئلة فلسفية كثيرة لا تجيب عليها وسائل الإعلام العامة،  بينما  قد حاول الإجابة عليها، عبر  العالم  و العصور، المفكرون و الفلاسفة، و الذين يبدو  و كأنهم اختفوا في العالم العربي ،حيث أصبحت هذه الألقاب تتسم بالسلبية و يتهم المفكرون النقديون  بالانعزال  و الإنفصام  عن الواقع و  بممارسة جلد الذات عندما ينتقدوا الفساد و التقلبات و الانتهازية والتواطؤ مع الأعداء، ثم يتم تهميشهم  من قبل ألإعلام و الأنظمة على أنهم خياليون و‘ يوتوبيون’ و  محبطون و فاقدون الأمل، بينما ينتعش مرتزقة الكلمة من الدمار و يتحدثوا عن الأمل في المستقبل على أن يكون هذا المستقبل مليء بالمال و الشهرة و الاستثمارات .

 وفي  هذا الصدد،  أرى من الأهمية الإشارة إلى كتاب للفيلسوف الفرنسي ‘ألان باديو’  وعنوانه  “البحث عن الواقع الضائع” حيث  قام بصياغة هذا العنوان على نمط  عنوان كتاب الروائي الفرنسي المشهور الراحل ‘مارسيل بروست’ ” البحث عن الزمن الضائع”.

يرى ‘باديو’ إن أهمية الفلسفة و الفكر هي في تخطيهما الحدود الجغرافية و الحضارية و حتى الدينية،  لتطرح قضايا إنسانية تمس جميع البشر، و.يقول إن مفهوم “الواقع” أصبح جزأ  من لغة قمعية تود أن تحارب أية فكرة أو خيال أو حلم بالتغيير، حيث أصبح   لمصطلح “الواقع”  قدرة على الترهيب و التخجيل  بهد ف  إخضاع و تركيع البشر أمام قانون صارم إلزامي،  و في معظم الأحيان يستخدم رجال الأعمال مصطلح “الحقائق” التي لا يمكن إنكارها،.حتى نصبح تحت رحمة فكر مهيمن مبني  على حقائق ملزمة  لدرجة انه لا يمكن التخيل بإمكانية القيام بأي عمل جماعي عقلاني تكون نقطة انطلاقه رفض هذا الإلزام،  كما أصبح واضحا ان “الاقتصاد” و المال يحتل المكانة الأولى فيما يسميه الإعلام و الأكثرية “الواقع” و كأن معرفة الواقع و تعريفه  مبنية فقط على  المال، و لذلك يسمي كتابه البحث عن ‘الواقع الضائع’ أي الواقع الإنساني الغائب في إطار العولمة.

فالمطلوب من المفكرين العرب اليوم أن يبحثوا بصدق، ليس فقط عن ‘الواقع الضائع’ ، بل أيضا عن ‘الزمن الضائع’ الذي  أضاعوه بشكل أو آخر مما لم يسمح للعالم العربي بطرح إستراتيجية ناجحة أو تصور عقلاني صحيح للنهوض ولمواجهة عصر الإنحطاط و آليات الدمار.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. Many thanks for ur well articulated article which reflects you as a person of vision and mission at the same time. I will be glad Mrs Noha Khalaf to send me your personal email for further details and discussion
    .

  2. كلام في الصميم و تحليل موضوعي..شكرا علي الابداع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here