أيمن خليل العسقلانى: “جدارية التضامن مع بيت المقدس”

أيمن خليل العسقلانى

فى دراسة أعدها المفكر اليهودى “أرييه شفيط” عن نتائج العدوان على لبنان وأسباب قدرة المقاومة على دحره ، قال نصاً: ” لقد تمكن جيش صغير من بضع مئات من المؤمنين من تحدى إسرائيل صاحبة الجيش القوى ، بسبب طاعته وتصميمه ، ليثبت لنا أن ديمقراطيتنا فاسدة ، وأن حرصنا على ملذات الحياة ضّيعنا ، وأنه لا بقاء لنا فى شرق أوسط متدين”. وفى السياق نفسه ، قام رئيس بلدية القدس السابق “تـيدى كوليك” وهو على فراش المرض بتوجيه نداء عبر الإذاعة العبرية يناشد فيه الحكومة الوقوف بكل حزم أمام أية محاولة لأسلمة الصراع ، حتى إذا كان الثمن هو تقديم تنازلات للأطراف العربية “المعتـدلة”  ، محذرا من أن الأسلمة يمكن أن تؤدى – حسب تعبيره – إلى ظهور “عمر بن الخطاب جديد لينتزع القدس مرة أخرى”.

على الجانب الآخر ، وفى سلسلة مقالات قديمة عن الإسرائيليات ، بينّت فيها د. بنت الشاطئ ( عائشة عبدالرحمن ) تطور التحدى الذى يمثله العدو اللدود ، والذى أضحى صريحا وواضحا بعد أن كان يتخفى بليل ، ويشهد على صلفه وتعدّيه على الإسلام ، فافتتحت إحدى مقالاتها بالأهرام فى سبتمبر 1995 بالقول: ” لبثت زمنا أتهم مدسوس الإسرائيليات إلى فكرنا الدينى بخبث الذرائع ومكر المدخل ودهاء الحيلة ، وأراها اليوم قد جاءتنا على المكشوف دون ستار أو قناع ، فهل يكون الغزو السافر لأمنع حصوننا .. وعينا؟” . وفى مقالة تالية فى نفس الشهر تقول بنت الشاطئ : ” حركة الإسرائيليات فى فكرنا الدينى قديمة ، وجاءت على مراحل سايرت حركة التاريخ ، ولا أشق على قومى بالتفات إلى ماض بعيد ، يلهينا عن دواهى الملاهى وضغط النوازل ، بل حسبى أن نرجع البصر إلى القرن الماضى قبل أن يغيب عن الرؤية بما شهد من حركة تحول بالغة الخطر ، تحرك فيها العدو إلى مرحلة التحضير لما نحن فيه ، يرصد المواقع ، ويكشف المداخل ، ويجهز الخطوات لمن يعبرون بها إلى الهدف المقصود”. إنتهى كلام الباحثة.

إن الإحتلال ينظر إلى العقيدة على أنها مصدر تهديد ، وهى التى تمد أصحابها باليقين والثبات الذين يتلاشى معهما تأثير قوة ردعه القائمة على ميل ميزان القوى العسكرية لصالحه ، ومن هنا تسعى الدوائر الخادمة له ( من بنى جلدتنا ) إلى تطويق الحركات التى تتبنى المنطلق الإسلامى ، فى ذات الوقت الذى تمثل فيه التعبئة الدينية بقيادة الحاخامات ( ويا للعجب ) أهم مرتكزات الحياة اليومية لكل يهودى..!

هل تعلمون أنه عندما نفى الإنجليز الزعيم أحمد عرابى إلى سيلان ، لم يستسلم الرجل لليأس ، بل شرع فى تأسيس مدرسة إسلامية وأخرى ثانوية هناك ، تاركا بصمة وعلامة ، ومؤكدا على أن الوعى هو كل شئ ، ويوم عاد إلى الوطن ، عاد محمّلا ببذور النباتات النادرة التى عكف على جمعها ليستفيد منها الناس.  هل تعلمون أن الإحتلال خصّص العام الماضى ميزانية قدرها 128 مليون شيكل لمواجهة حركة BDS   التى نذرت نفسها لتوعية العالم ، ودعوته إلى مقاطعة الكيان بكل سلمية ، وبدون عنف وفى إطار القانون ..؟  فلا شئ يقتل اللصوص ويفسد حياتهم ، مثل وجود أناس يفهمون ، ولديهم وعى وإدراك وبصيرة ، والأمم إنما تنتصر لقضاياها عن طريق تشكيل وعيها الذاتى ، وخلق حالة من التفاعل الحضارى الديناميكى ، وبناء رصيد من اليقين الأيدلوجى ، فى زخم لا يتعثر ، ولا يتوقف.

إننا فى مركز بحوث الأقصى ندرك أن معركة الوعى هى الأهم على الإطلاق ، ولقد آلينا على أنفسنا أن نعمل على الأرض بشكل منهجى وبمنتهى الشفافية والوضوح ، وديدننا أن نذكّر ، ونذكّر .. فإن الذكرى تنفع المؤمنين..!  ومن هنا تأتى مبادرتنا للدعوة لإقامة نصب تذكارى أو جدارية فى وسط كل عاصمة عربية وفى أهم ميادينها وأكثرها إزدحاما ، لتحمل عبارة مختصرة نصها: “أهالى العاصمة يتضامنون مع القدس والأقصى” ، ونسعد بمعاونة كل من يستحسنها ويستجيب لها ، ونعدهم بالمتابعة والدعم حتى تصبح واقعا ، وإذا كانت عواصمنا ومدننا تكتظ بالمعالم والتماثيل والجداريات والنصب التذكارية ، ومراكز التراث والشواهد التاريخية من كل حقبة ، فلا أقل من أن تخصص أمتار قليلة إحتفالا بالأقصى وتشريفا له ، وإذا كانت بعض شوارعنا تحمل أسماء لمشاهير العالم مثل تيتو ، ونهرو ، وسيمون بولفارد ، فالأدعى أن يكون للقدس نصيب.  ونعود فنؤكد .. الوعى هو أهم ورقة على الإطلاق فى أيدينا.. فساعدونا كى يتحول حلمنا العربى المشروع إلى حقيقة ، ساعدونا كى نحولّه إلى شعار نضعه نصب أعيننا ليل نهار ، نمر عليه بكل فخر و إعتزاز ، وهذا أضعف الإيمان.

أيها السـادة .. خدمة بيت المقدس تضمن لنا الحد الأدنى من إحترام النفس ، ومن العبث أن نرجو ممن يتواطئون مع الإحتلال خيرا ، وقد حذفت أيديهم الآثمة من مناهج التعليم كل ذكر لبطولة أو ملحمة ، ومحت مناقب أبوعبيدة وقتيبة وصلاح الدين ، وجداريات التضامن إنما تمثل إستدعاء للطاقة الروحية ، وتوظيفا لها فى مقاومة الإحتلال ، وردع العدوان ، وليس هذا فحسب ، بل وركيزة للبناء ، ورصيدا من الثقة ، ودافعا للتقدم والتنمية.

هذا نداء للشباب الطموح لكى يقوم بتشكيل تنسيقيات ومجموعات عمل لتصميم جدارية التضامن وتدبير مستلزماتها ، ومن ثم ترتيب إقامتها مع السلطات المحلية .. هل من عائلة عربية واحدة فقط تتبنى مثل هكذا فكرة فى كل عاصمة ، هل يتسابق الصفوة والوجهاء وأهل الخير ليكتبوا تاريخ الأمة فى هذا القرن ، وليكتسبوا فخرا ما بعده فخر ومجدا لا يدانيه مجد ؟؟ “وعد الله لا يخلف الله وعده .. ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون”.

إننا لا نكره الآخرين ، ولا نغمط الحق ، ولا نحرّض على عنف أوعدوان أو فوضى ، غير أننا نعتّز بحضارتنا وتراثنا ، ونحب أن نراهما ملء السمع والعين ولو كره بنو إسرائيل. إننا نسعى إلى تذكير أنفسنا ، وتعليم أجيالنا القادمة أن حقوقنا فى القدس والأقصى وأم الرشراش والهضبة السورية وكافة الأراضى المحتلة هى حقوق غير قابلة للتنازل ، فمن المهين أن نضّيع ذاكرتنا بأيدينا ، ونغيّب وعينا عن قصد ، بينما يستمسك اللصوص بباطلهم ووهمهم ، وهم الذين: “ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله” .

نحن لا نمثل نخبة من المثقفين ، ولا نعبّر عن رأي فئة بعينها ، بقدر ما نعبّر عن الواقع العام فى العالم العربى ، وجلّ ما يشغلنا ، وتتمحور حوله مهمتنا الأساسية ، هو إلى أى مدى تأتى رؤيتنا للدفاع عن الأقصى وثيقة فى تعبيرها عن مصالح أوطاننا وإستقرارها وسلامة أراضيها ، ليظل مركزنا بوتقة تنصهر فيها جهود المخلصين ، ومصنعا لإنتاج المبادرات الفاعلة ودعمها والترويج لها ، عسى الله أن يكف بأس بنى إسرائيل ، ويخيّب ظنهم ، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

الأمين العام

مركز بحوث المسجد الأقصى

القاهــرة

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. نحن عائلات الهوارة بصعيد مصر الكنانة نتبرع ببناء جدارية دعم للمسجد الأقصى

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here