أيمن حمد المناصير: تفكيك الشيفرة.. قراءة في رواية شيفرة بلال

أيمن حمد المناصير

يأخذك بعيدا إلى عوالم لا تنتمي للحظة التّاريخيّة لزمن الرواية، لكنه سرعان ما يربط الأحداث والشخصيات على نحو مثير، يجمع نقاط الالتقاء والاختلاف؛ ليسير نحو هدف مرسوم مسبقا، يُثْبِتُ من خلاله جدوى الشّيفرة التي استطاع أن يفكّك رموزها.

تبدأ أحداث الرواية بقصة بلال، الطفل النيويوركي الذي يجد في السرطان حلًا مثاليا؛ ليخلصه من تنمّر يتعرّض له بين أقرانه، وحالة بائسة لعائلة سوداء تعاني غياب الأب القسري في ظلمة السجن، ثم تتصاعد الأحداث عندما يرى الطفل إعلانا لفيلم ثلاثي الأبعاد يحكي قصّة بلال، فيأخذه الفضول ليتعرّف خفايا هذه الشّخصيّة التي تجمعها به صلة لا يدركها، فيتواصل مع كاتب سيناريو الفيلم، لتنشأ إثرها علاقة تؤثّر على شخصيّات الرواية كلّها، ثم تهبط الأحداث عندما يقرّر بلال أن يترك أثرًا بين الناس يجعله حيًّا، لأنّ المرض لن يمهله كثيرا، وقد توقع الأطباء موته في صباه.

 رغم تعدد القضايا التي تطرحها الرواية، إلا أن قضية مركزية تشغل بال مؤلفها، تتمثل في قدرة الإنسان على تجاوز ظروفه الصعبة وتحديها، بعد إدراك قيمة ذاته واختياراته، ولعله وجد في التاريخ تلك الجذوة التي استلهم منها شعار “أحد أحد” الذي وقف في وجه الطغاة على اختلاف أشكالهم، لذلك كان مولعا بكشف أسرار الكلمة التي غيّرت مصير أمّة.

    ولعل الكاتب بدا مصرًا على تفكيك مفهوم الإيمان وإعادة تشكيله بعناية، وفقا لشخصيات نامية متطورة تستفيد من تفاعل الأحداث والأفكار على نحو مثير، بحيث تتصارع الأفكار وتتشابك لتصل إلى مسلّمات جديدة بروح عصرية قائمة على الإقناع، لا التسليم المطلق بلا وعي.

 فيتحوّل الإيمان بهذه الصورة إلى قوة ديناميكية قادرة على قلب كيان الشخصية الداخلي وإعادة بنائها وتشكيلها لتغدو أكثر قوة وصلابة وقدرة على المواجهة غير محسوبة العواقب، وهذا ما أعطى القوة لكل مظلوم أن يتحدى “أميّته”.

وفي هذا السياق تغدو رسالة الكاتب واضحة للعيان، فهو يدعونا إلى التعرف على مكامن القوة فينا والإيمان بها وأخذ زمام المبادرة كي لا يتنمر أحد على بلال، ولا يتجرأ أميّة مرة أخرى.

ولقد اتكأ الكاتب على مجموعة من الأعراف الفنية  لإيصال رسالته وقد يكون العنوان أولها، فالعنوان يشكل العتبة التي تسهل الولوج لمعمار النص وفهم أسراره، ولقد أسهم العنوان في زيادة جرعة التشويق وخلق حالة من الدهشة في رحلة البحث عن الشيفرة وتفكيكها، للوصول إلى كنهها وفهم رسالة النص، ولقد اختار الكاتب عنوانه بشكل واع ” شيفرة بلال ” اسم مدونة تضم مجموعة من الرسائل المؤثرة لصبي مصاب بالسرطان، وقد فسّر الصبي سبب اختياره لاسم مدونته، لكن السؤال المهم: من أين استلهم الصبي النيويوركي هذه الشيفرة؟ وكيف توصل لها؟ وكيف عبّر عنها في مدونته؟

إن المتتبع لأحداث الرواية يستطيع أن يتلّمس الإجابة من خلال تفكيك الكاتب شخصية بلال الصحابي، ومحاولة طرحها بثوب الأفكار، لا أن تسرد على شكل قصص وأخبار، فكيف لبلال الحبشي أن يتحدى سيّده؟ كيف لعبد أن يكسر الطوق؟ ومن أعطاه تلك القوة التي تجعله لا يعبأ بصخرة أميّة؟ ما السّر الذي غيّر أسس العلاقة بين الأسياد والعبيد؟

مجموعة من الأسئلة العاصفة جعلت الفتى النيويوركي يدرك تلك الشيفرة ويتعرّف إلى كلمة المرور(الباسورد) إليها: “أحد أحد”، ويدرك أن التوحيد فيها لا معنى له، إن لم يتوحد ويختلط مع قضاياك وقيمك، ليشكّل مزيجا متماسكا قادرا على صقل شخصية تعي قيمتها ودورها  وغاية وجودها،  وهذا ما دونه الطفل في رسالته الأخيرة التي بُثّت بعد موته، وبهذا المعنى يغدو التوحيد تمرّدا على كل قيمة لا تتفق مع حرية الاختيار، فالعبوديات لها أشكال متعددة، لكن ثمة طريق واحد للخروج عن الطوق، يتمثل في في فهم المعنى العميق للذات، وإدراك الطاقات الكامنة فينا والإيمان بها، التي تعيد انتاج الشخصية على نحو فريد.

ورغم احترافية الكاتب في نقش عنوانه على جدران ذاكرتنا، إلا أنني  أجد أنّه لم يحالفه الحظ عندما حاول أن يشرح عنوان روايته، في أكثر من موضع، وكنت أتمنى أن يترك تحليل العنوان لذكاء القارئ حتى لا يقيد مطلقًا، ويترك لكل متلق الحرية في تحليل الشيفرة وفكّ رموزها، بناءً على طريقة تناوله للرواية، والإفادة منها على نحو يعطي للعنوان رمزيته وخلوده.

وعند النظر إلى الشخصيات التي تشكل العمود الفقري للنّص، نجد أن الكاتب لم يشتت المتلقي بحشد جيش من الشخصيات دون مبرّر، بل كانت شخصياته متلائمة مع الأفكار التي يكتبها، ومما يُسجل للكاتب أنه أختار شخصيّات غير متوافقة؛ ليصنع مزيجَه بنكهة خاصة، قائمة على تعدّد المجتمع، وتنوّعه، واختلاف أفكاره وهمومه وقضاياه.

فأمجد الحلواني المسلم ملحد، وصديقه عبدول لا يفيق من سكره لكنه يتمنى أن تهبط عليه سكينة الإيمان في كل لحظة، ولاتيشيا معلمة مثقفة مسيحية من أصل إفريقي، تتزوج من سعيد المدمن الذي يقضي حياته في السجن، وبلال الطفل الضعيف الذي يجد في السرطان حلا يخلصه من همومه، يكتشف الشيفرة وينقلها للآخرين.

هذا المزيج المتنوع جعل الكاتب يستفيد من مساحة الاختلاف على نحو يجعل منها نقطة التقاء، وبؤرة جدل؛ ليطرح من خلالها الأفكار بطريقة قابلة للنقاش والتحليل، وكأنّه أراد لكل شخصيىة من شخصياته أن تفيد وتستفيد من الشيفرة على نحو مختلف.

ولقد لجأ الكاتب إلى مجموعة من الحيل السردية كي يوصل رسالته، وربما من أهمها  ما أسميه (بالمتشابهات) على صعيد المفردات والأفكار، ومن هذه المتشابهات: ( بلال النيويوركي، بلال الحبشي)، ( صخرة سيزيف، صخرة بلال)،( بلال العبد، كونتا كونتي).

ولقد طرح الكاتب بهذه المتشابهات على الطاولة؛ كي يناقش المُتفق والمختلف فيها، على نحو يسند قضية العمل، ورسالة الكاتب بشكل لافت، فقد كانت صخرة سيزيف رمزاللاجدوى، في المقابل كانت صخرة بلال رمزًا للصمود والتحدي، فتحولت من كونها وسيلة فجّة في التعذيب وعدم احترام إنسانية الإنسان إلى رمز خالد تكسّرت عليه كبرياء أميّة، في مفارقة مقصودة تُظهر قدرتنا على اكتشاف ذواتنا ومواجهة مخاوفنا.

وهذه المتشابهات دفعت (لاتيشا) لاختيار رواية الجذور كي تعلمها طلابها، وتبرز علامات التحدي الكامنة في شخصية كونتا كونتي التي أفضت إلى تحدي القيد والعبودية، لكن في الوقت ذاته لم تنس أميّة الذي نكّل ببلال رغم أنها على دين مختلف عن دينه، لكن الإنسانية تقتضي رفض الظلم بكل أشكاله وألوانه، والاستفادة من التجربة الإنسانية التي تأخذ شكل البضاعة المزجاة المتاحة لكل من أراد الاغتراف منها، ويبدو أنها أدركت “أحد أحد” لذلك تحدّت أميّتها وضربته في مقتل، على مرأى ومسمع من طلبتها.

ولقد وجد الكاتب في  فن الرسالة وسيلة ملائمة لطرح أفكاره، وعرضها – من وجهة نظر المرسِل طبعا – ومحاولتة إيصال فكرته، من خلال تحليل كلّ مرسل للأفكار التي يريد نقلها لمتلق من وراء جدار، ولعل لهذه الوسيلة ما يبررها، فنحن نعيش في مجتمع يتحاور ويعلو صوته خلف شاشات الحواسيب والأجهزة اللوحية التي زادت مستوى الحوار، لكن في ثوب عزلة.

 وربما ساعدت هذه الوسيلة الكاتب في طرح وجهة نظر متكاملة دون تقطيع، لأنه يريد إيصال جرعة متكاملة من الأفكار لطفل يعاني المرض، فكأنها تلك الحقن التي يراد لها أن تشفي مجتمعا يعاني من أمراضه التي ما زالت عالقة فيه.

 لكنها حيلة تدفع إلى الملل أحيانا نتيجة لزيادة منسوبها في الرواية، لكنّ ما قد يشفع للكاتب أنه استخدم الرسائل داخل ما يسمى بالمدونة التي لا بد أن تحوي عددا لا بأس به من الموضوعات، إضافة إلى كون الأفكار المطروحة تحتاج إلى مساحة أوسع من الحوار والنقاش والتفاعل والتركيز في المضامين وتحليلها على نار هادئة ؛ كي تصل إلى المتلقي كاملة غير منقوصة.

ومن المثير حقا اختيار الكاتب سرطان المخ دون غيره، وكأنه يقول لنا بطرف خفي، إن المشكلة في الرأس وما حوى، لذلك لا بد أن يبدأ التغيير من هنا، بسلاح الأفكار المؤمنة الواعية القادرة على إعادة التشكيل، وبناء الثقة بالنفس، واستلهام الشيفرة التي تبرز قوة الضعف، تلك القوة الناعمة التي تتسرّب إلى نقاط مجهولة في الوعي، فتعيد تشكيله على نحو فريد يُظهر معالم القوة التي نجهلها فينا، لنتفاجأ بإمكانياتنا اللامحدودة.

أما الفضاء المكاني فقد تمّ اختياره بعناية “بروكلين- نيويورك” و”الجزيرة العربية” وفي كلا المكانين، تعرّض الإنسان في تاريخه الطويل، إلى مسّ من عبودية، إذ يلمز ويُلمّح الكاتب من خلال اختياره الواعي للأمكنة، إلى تاريخ بدء تحرير العبيد، الذي بدأ مبكرا في التجربة العربية، وكأنه من خلال هذه الإشارة يسحب البساط من تحت الإدعاءات الغربية بالسبق لهذه الخطوة، ولم تكن هذه التجربة مرتبطة بالعبيد تحديدا، بل بتحرير البشرية من عبادة الأوثان، والانتقال إلى التوحيد “أحد أحد” ، كلمة السر التي ساوت بين البشر، على اختلاف أجناسهم، وهذا ما دفع  السادة إلى رفض التوحيد، ليس حبا في أصنام لم يدافعوا عنها يوم الفتح، لكن لأنهم شعروا أنهم سيفقدون امتيازاتهم، في اللحظة التي يتلفظون  بـ(كلمة التوحيد).

ولقد أبرز الكاتب لحظة ارتقاء بلال الكعبة المكان المقدس عند العرب، كلحظة تاريخية خالدة توثّق انتصار العبيد على سادتهم، لحظةٌ خطَ فيها البسطاء تاريخهم، لقد كانت بمثابة إعلان خطاب انتصار القيم، يلقيه بلال مدويًا، وعينه تبحث في الجموع ” تمنيت أن يراني أميّة” “شعرت أن أميّة لم يمت إلا في هذه اللحظة”، ولا ينسى أن يربط ذلك بـ”أحد أحد”، الذي رفع بلالا من تحت الصخرة إلى ظهر الكعبة، في مفارقة دالة على قيمة ما يفعل الإيمان بأصحابه، وقدرته على صقل المعادن وتجليتها.

أما الفضاء الزماني فقد سجل حضوره اللافت، من خلال الاحترافية العالية في التركيز على النقطة المشتركة بين أزمان مختلفة في التتابع، متفقة في القضايا والهموم، فيتكئ الكاتب على التاريخ، ويستل من جعبته كل عناصر الشيفرة التي يريد نقلها للمتلقي، فمن خلال تقنية التفطيع السينمائيّ وتداخل الأزمنة، يستدعي بلالا الحبشي، ويحدثنا عن صخرته، في الوقت الذي لا يغفل فيه عن صخرة سيزيف، ويجري المقارنة بين جدوى الصخرتين، ولأن اللون والعرق يجمع البلالين، يستدعي كونتا كونتي وتجربته ورمزيتها، ويلمح إلى ما جرى لعبيد العم توم.

لم يكن الكاتب انتقائيا في استدعائيه للأزمنة غير المتتابعة؛ لأنه كان يلاحق الفكرة والقضية وهموم الإنسانية المعذبة، فيسلّط بقعة من الضوء على الأزمنة التي تحمل قاسما مشتركا يخدمه في طرحه، ويسهّل عليه إيصال رسالته، ليتحوّل الزّمان في هذا السياق جزءًا أصيلًا من ديناميكية النص وحيويته، ويسهم في إثراء الصورة الكلّية للنص.

جاءت اللغة واضحة معبرة دالة على المعنى محققة رسالة الكاتب، تدعو المتلقي للتفاعل مع النص من خلال توظيف مفردات ملائمة سهلة الفهم، وابتعد الكاتب عن العبارات البلاغية الغامضة، والاستعارات المعقدة، التي تقف حائلا دون فهم النص أولاً، ووصول الرسالة ثانية.

مع ملاحظة ارتفاع مستوى اللغة والأفكار التي طرحها طفل بعمر بلال، فهل أتاحت له فترات التأمل والمعاناة أن يحلل الأفكار على نحو يفوق سني عمره؟ لذلك كنت أفضل دخول الراوي العليم على خط السرد؛ كي يتدخل بلسانه، عندما تظهر التساؤلات التي لا تتوافق مع أعمار الشخصيات، ومدى نضجهم، محاولا تفسير الهواجس، وتحليل الأفكار، من وجهة نظر تعرف الشخصية عن كثب.

وقد هيّمن ضمير المتكلم على المشهد كاملا، وأعطى مساحة لكل شخصيّة لتعبّر عن نفسها بنفسها، وقد بدت الرواية في بعض صفحاتها أشبه ما تكون بالسير الذاتيّة أو المدونات الخاصة.

وقد كان واضحا أن الكاتب منشغل في التركيز على الأفكار وتحليلها، وإعادة تقليبها، ليصل مع المتلقي، إلى إعادة تعريف للإيمان والعبودية وغيرها، لذلك خفت حدّة اللغة الاستعارية والصور الفنية، مقارنة مع لغة التحليل المنطقي، رغم مرور بعض الصور الذهنية في رسالة بلال إلى الله، وأرى أن زيادة جرعة الصور الفنية قد يثري النص ويساعد في إضاءة بعض جوانب الفكرة وتجليتها أمام جمهور المتلقين.

في الوقت ذاته لم يُغفل الكاتب الأساليب الإنشائية، ويتسيّد هذه الأساليب، أسلوب الاستفهام الذي جاء ليعيد طرح الأسئلة من أجل بناء إجابات جديدة، ويبدو استخدام هذا الأسلوب متوافقا مع لغة تجعل تحليل الأفكار على سلم أولوياتها، لأن الكاتب كان مسكونا بتحليل الأفكار وإعادة صياغتها على نحو يسدّ من خلالها المسامات المتجذرة فيها، كما أنه كان تواقًا لتقديم إجابة متماسكة يحلّل من خلالها القوة الكامنة في تحوّل البسطاء إلى نماذج صمود أسطوري.

قبل أن يجفّ مداد القلم، وتغلق الصفحات وترفع، أرى أن الكاتب وضع لمسته الخاصة على جدار الرواية العربية، بأسلوب متفرّد متميّز خاص به، يصل إلى عقل المتلقي قبل قلبه، يحاور المسلّمات، ويعيد بناء الفكرة، ويضع الوعي على سكته، لتجد نفسك أمام كاتب يعرف ما يريد، ويدرك أهمية الصخرة الرمز، مبتعدا في الوقت ذاته عن صخرة اللاجدوى.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اميه وبلال حكايه طويله وتبدأ بظهور الاسلام مبدعين كان المسلمين هم الضعفاء والمساكين أمام قوة قريش والطغيان عاث فسادا اميه وعذب بلال وهو يقول أحد أحد وأطلق سراح بلال بعد شرائه من قبل ابو بكر والذي يحذر بنفس بلال هو تعزيبه دون سبب وسوى إيمانه بالله و اخيرا انتصر بلال وتمنى أن يرى اميه الذي كان قد رحل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here