أيمن المناصير: بنية الفضاء المكاني.. كويلو وكنفاني نموذجًا

أيمن المناصير

يوصف المكان الروائي عادة  بأنّه مسرح الأحداث، أو الحيّز الذي تتحرّك فيه الشخصيات، أو تقيم فيه، فتنشأ بذلك علاقة متبادلة، بين الشخصية والمكان، وهي علاقة ضرورية، لتمنح العمل الروائي خصوصيته، وطابعه، ومن ثمّ ليكتسب المكان صفاته ومعناه ودلالته .

 وتشكل الأفضية المكانية المجال الخصب للكاتب كي يسمح لشخصياته أن تنمو بل وتنضج داخل فضائه، وكأنه الحاضن الرسمي للفكرة التي يطورها الكاتب، ويجعلها تدور على ألسنة شخصياته وأفعالهم، فيسمح للشخصية بالتمدد أو التقلص داخل هذا الفضاء، باحثة عن دورها ورسالتها في العمل.

وقد يسند الكاتب لهذا الفضاء دور البطولة وفي أحيان كثيرة ينازع الأبطال الحقيقيين أدوارهم وجدوى وجودهم، فالمكان – بهذا المعنى- يتسيّد النص؛ ليخلق عوالمه أو يساهم في خلقها، ويتحرر من وظيفته الروتينية التي خطت له طريقا تقليديا، حوّلته إلى مستودع للأحداث؛ لإضفاء سمة الواقعية على النص وإضفاء الشرعية عليه، فلم يَعُد المكان مجرد خلفيّة أو ديكور بائس يَجْهَد في إقناع القارئ أو استفزاز مخيلته.

فلا يمكن لنص أن ينبت في الفراغ، ولا يمكن أن نتصور النص منزوعًا من سياقه التاريخي والمكاني، ولكن وجهة النظر السردية، تضفي على تقنيات الكاتب أدوارًا ورؤى متعددة المستويات؛ لتبث من خلالها أفكاره ورسائله، إذ إن لكل كاتب طريقته في توظيف هذا الفضاء والإفادة منه على نحو مختلف، تحدد شكلَه: زاوية النظر، وطريقة التناول، والغاية المرجوة من هذه التقنية.

لذلك لا يعقل أن يكون الفضاء المكاني محايدا، ولا بد أن يدخل في جدل مع مكونات النص الحكائي وتقنياته؛ ليؤثر ويتأثر وفق النسبة التي يحددها المبدع، والإضافة التي سيقدمها للنص، من خلال مجمل العلاقات والصلات التي تضفي عليه لونه ونكهته وتضاريسه، لذلك نجد الكاتب يُعِدُّ جيدا لأمكنته، ويُخرج خرائطه ويدرسها، كأنه يدرس خريطة معركة.

ولا بد من الإشارة إلى أن الكاتب لا يأتي بالمكان ككتلة صلبة متماسكة واحدة، بل يسلط الضوء على زوايا ومنحنيات وتضاريس وفق منظوره الخاص؛  ليسترق منها ما يدعم فكرته، فالمكان الواحد قد يحمل دلالات متنوعة، فالصحراء الواسعة قد تخنق شخصياتها، وتعمق من تيههم، وفي الجهة المقابلة قد تكون فرصة للتأمل والتدبر والنظر.

  وقد شكل الفضاء المكاني أرضا خصبة لباولو كويلو في روايته الخيميائي ذائعة الصيت،  فقد سعى منذ اللحظات الأولى أن يجعل المكان أحد أبطال الرواية، للحدّ الذي شكل فيه المكان شخصية اعتبارية، ساهمت في أغناء الشخصية الرئيسة، وربما كانت عاملا في دفع الفتى وإعداده لتحقيق حلمه، في رواية تشكّل الإشارات جزءا صميما من تكوينها، فقد مثلت الأندلس  -بمدنها التي ما زالت تحمل إرثا عربيا- بقعة مثالية على أرضها تمازجت ثقافات وانصهرت حضارات وتنوعت أعراق، لتغدو مكانا مقنعا لولادة شخصية، كتب لها أن تكون منفتحة على الآخر، كشرط أساسي لخوض غمار التجربة الحرة، التي سمحت للفتى أن يكوّن وعيه من خلال كونه راعيا؛ ليتعرف على الفضاءات المكانية التي تسمح له بالتأمل وعقد المقارنات وسعة الأفق، فقد تساءل ” كيف يمكن أن نجد الرّب في المدرسة الإكليريكية؟”، وهنا يتحوّل المكان معادلا موضوعيا للقيد وضيق الأفق، فلم نضيّق واسعا، ونقيد مطلقا، لم لا يكون البحث عن الرب في السير في دروب الأرض والإفادة منها؟

هذه القناعة المفتوحة على كل الأمكنة سمحت للبطل إلى التصالح مع فكرة السفر وخوض غمار فضاءات جديدة ” فعندما يملّ من سهول الأندلس سوف يبيع غنمه ويغدو بحارا، وعندما يتعب من البحر يكون عرف الكثير من المدن والعديد من النساء، والكثير من الفرص التي أسعدته”

لذلك وجّه شطر مدينة “تتكلم عدة لغات” تمثل عتبة انتقالية لاكتشاف المجهول، تحتضن فتى يحتاج إلى ترجمان يخفف وطأة اللغة وصدمتها الأولى، مدينة يحط فيها رحاله، ليفهم العالم على حقيقته، ويدرك فيها عادات، ويتجاوز عقبات، وحتى يتمّ الارتقاء بشخصية راع لآ بدّ من صقل تجربته، وصدمه بأماكن مختلفة، بغية إزالة الغشاوة التي قد تحجب الرؤية، وتودي بالكنز، فالثقة بالأغنام تختلف تماما عن الثقة بالبشر لذلك كانت “طنجة” الميناء، و”الموانئ مغارات لصوص” نتيجة لكثرة الزوار وتبدّلهم، ولذلك هي بيت للخبرة يتعلم منها الحذر والإنجاز، ولأنها كذلك، فلا بد أن تُعرِّض الفتى لتجربة جديدة تصقل خبرته وترفع من مستوى وعيه، لذلك اختار له الكاتب أن يتعرّض “للسرقة”، كانعطافة سردية مقصودة من خلالها يتمكّن من المكوث في المكان؛ ليستجلي أسراره، ويتعرف إلى إمكاناته، ويدرك أول أبجديّات اللغة الكونية الواحدة، ويفسر حركة الزمان وأثرها على المكان، تلك التي تحوّل مكانا مزدهرا إلى كومة رماد، وكيف يمكن لمجازف يؤمن بالأفكار وإمكاناتها، أن يستعيد الشرارة التي تضيء المكان من بين ركامه،” كما لو أن العالم قد تراجع إلى الزمن الذي كان هذا الشارع فيه المكان الأكثر جذبا في طنجة” ليحط قدمه على أول خطوات “الخيمياء” التي تنثر الرمال ذهبا، ولا يغيب عن خلده أبدًا أن البلور كان على الدوام بضع حبّات رمل، غدت تحت الطرق والدق والحرارة والانصهار كائنا جديدا، يملك مواصفات وسمات خاصة، تؤهله لأن يكون متوهجا ومصقولا ولامعا، لتغدو التجربة بهذا المعنى كلمة السر التي تسهم في تحولات جذرية تحيل الفتى خلاقًا مُلهمًا.

ونرى أن الفضاء المكاني  يثير مخاوف ويعزز طموحات “فلم يكن يعلم أن إفريقيا قريبة إلى هذا الحدّ، وهذا يشكل خطرا كبيرًا، إذ باستطاعة المغاربة أن يعودوا من جديد” كما أن الرحلة تسمح للفتى بإعادة النظر بمسلماته، وفهم طبيعة الأرض التي سيخبُرها، وتعيد تعريف الكون من جديد، وفق معلومات دقيقة تؤكد أن “الأهرامات تبعد آلاف الكيلومترات” عن موضع قدمه، لنجد أن تكشّف أجزاء الصورة بشكل تدريجي، ساهم في تحقيق الأسطورة الشخصية، لإن معرفة بعض الحقائق دفعة واحدة قد يودي بالفكرة ويولّد الإحباط، لذلك اسهمت الأمكنة وتعددها  بالسماح بتقبل الحقائق وفهمها قطعة قطعة، بعد التعرض لخبرات تسمح باستيعابها.

ولأن المكان بطل من أبطال الرواية يستعيد دوره ثانية، عندما يتحوّل إلى مفترق طرق، يسمح بحرية الاختيار بين المتابعة للحلم أو الانقلاب والتخاذل والرجوع، ” فلن يخسر شيئا بذهابه إلى محطة القوافل، ليعرف ما إذا كانت الأهرامات بعيدة إلى هذا الحد”، إذ يشكل المكان الفضاء الجديد الذي يخلق الصراع، ويسمح لتيار الوعي أن يستفز الفتى ويعيده إلى الجادة ويعيد توجيه البوصلة وتحديد الهدف من جديد، كما كان المكان على الدوام الرحم الذي تولد فيه الشخصيات وتبني علاقاتها مع القادم الجديد، وتقدّمه خطوة تجاه حلمه تاركة للبطل حرية النمو والتطور وفهم الذات والتقاط الإشارات، حتى إنه لم يكن إلى تلك اللحظة يعرف ” معنى كلمة خيميائيّ” التي تفوّه بها الرجل الانكليزي، على الرغم من امتلاكه “حجرين” جذبا انتباه الرجل، ومدا سبل الوصال بينهما، حينها تعلّم “بأن كلّ لحظة سعي هي لحظة لقاء” تَعِدُ بتجربة جديدة.

وفي بحر الرمال المتلاطم في الصحراء يجد الفتى في الخلاء فسحة ليعيد ترتيب أفكاره والتعلّم من هذا الكون وفهم كنهه والتأمل في العلاقات وأسرارها “فالكتاب في هذه اللحظة عبء إضافي” لذلك لا بد أن “يصغي للريح ويراقب القاقلة” ويتأمل، فالفلاة الواسعة فرصة ذهبية لمزيد من التعلم والتعرف إلى أسرار المكان والتعمق في فهم لغة الكون، التي تقودنا إلى مصائرنا، تلك اللغة التي ” نسيها البشر” فتاهوا عن طريق أحلامهم والعمل على تحقيقها، لذلك علمته الصحراء أن “الطرق الدائرية والالتفاف حول الأماكن الصخرية” وتجاوز الصعوبات شرط أساسي للوصول إلى الهدف المنشود، لكن المثير حقا هو أننا تغوص في الرمال وعيوننا معلقة دائما في السماء، إذ يتربع فيها ” النجم الذي يستمرّ في تحديد الاتجاه” نحو هدف لا يحيدون عنه، يؤكد لنا “أن الكل في واحد” وأن للكون لغة واحدة لا بدّ أن يفهمها البشر، حتى يدركوا أحلامهم.

ولم تكن الواحة مكانا نائيا على طرف الطريق، بل شكّلت انعطافة مكانية، لجأ إليها الكاتب كي يُهدّئ من تسارع الأحداث، ويزيد من جرعة التشويق الذي يوّلده الانتظار، ويسمح لشخصيات جديدة أن تولد، ولمجتمع جديد أن يتشكل؛ حتى يتفاعل معه الفتى ويتعرف إليه عن كثب، وليعرف عادات المكان وتفاصيله، فلكل مكان عاداته الخاصة وتقاليده المميّزة، وحتى تفهم لغة المكان لا بد أن “تحترم تقاليده وقواعده”؛ لأن احترام قوانين الكون تقودك لفهم كنهه والتعرف إلى أسراره، فالواحة مكان له دوره الوظيفي، الذي يقوم على ثنائية تحقيق الأمن وتوفير الرفاهية لمرتادي الصحراء، الذين أنهكهم التعب وأعجزتهم الدروب، لذلك فهو منزوع السلاح وفق دستور غير مكتوب، لكنه يأخذ حكم القطعيّة والثبوت.

 فالواحة هذا المكان الذي نبت فجأة على طرف طريق القافلة بسبب الحرب، تلك “اللعنة” التي جنحت بهم عن هدفهم “تستحيل نعمة” وتغدو الواحة مكانا ملائما، لنسج علاقات جديدة، إذ تعلّق قلب الفتى بالفتاة الحلم، التي وعد والده بأن يتعرف إليها ذات حوار، الفتاة التي حققت نبوءته “فما من امرأة تشبه تلك التي تنتظره بعد يومين” ليتحوّل الحبّ كنزًا للفتى ومنتهى لآماله، ففي مكان لم يكن على خارطة الأحداث، يجد فيه الفتى أرضا يعمّق فيها جذوره، ويشق فيها طريقا جديدا، يزيد من خبراته وتراكمها، ويدفعه لتحقيق حلمه المادي، لكنه في اللحظة نفسها يجد فيها حلمه الحقيقي، فقد ” كان الفتى يصغي إلى صوتها ويجده أكثر جمالا من وشوشة الريح وأشجار النخيل”، ليغدو كنز الذهب متقزمًا أمام حياته وحبيبته التي اختارها، “فقلبه الذي كان دائم الاستعداد للرحيل، يريد الآن أن يصل بأي ثمن”، ليدخل في مرحلة من الصراع قائمة على ثنائية الإقدام والإحجام.

وفي الواحة يتعرّف على “خيميائي” ويتحرّر من ” الخديعة الكبرى” التي تقول: إن الناس عاجزين عن اتخاذ قراراتهم، عندما يعتقدون أنهم”مساقون بالقدر”، ليجد أن بإمكانه أن يغيّر قدره ومصيره، أو مصائر آخرين من خلال”الإصغاء إلى قلبه”  وفهمه للغة الكون.

وعلى مرمى حجر “تنتصب الأهرامات بجمالها وجلالها” على مقربة من حلمه، ليكتشف أنها ليست” كومة من الحجارة يمكن أن يبنيها في حديقة بيته”  فهو يميّز العظمة وأسرارها، ويدرك قيمة التحفة ومن شيدها، لذلك كانت ” كل عصور الأهرامات تتأمّل من أوج عليائها ذاك الواقف هناك تحت أقدامها” ليتحوّل المكان واكتشافه جزءا مهمًا من حلم وتجربة لا تثمّن، لكن المفاجأة تكمن عندما لا يجد كنزه المادي مخبوءا على مقربة منها كما أخبرته العجوز وأكد له الشيخ، وإنما كان تحت أقدامه وأقدام أغنامه في الكنيسة المهجورة في حركة دائرية للأحداث تُبرز جدوى الرحلة وسؤالها الجوهري، فالعبرة ليست في الكنز المخبوء تحت أقدامه، ولكن في المجازفة والتجربة التي خط معالمها في حواره مع والده” أريد أن أعرف نساءهم والأراضي التي يأتون منها”.

وعندما عاد إلى الأندلس مرة أخرى، وهبّت الريح الشرقية، تغيّر منظوره تماما، فقدت كانت “تذكره سابقا بالغزاة المغاربة”، أما الآن فعلى العكس تماما “كانت تحمل أرج عطر يذْكُره جيدا” لنرى هذا الفتى الذي بدا متقبلا للآخر، متفهما للاختلاف والتنوع الذي يثري الحياة، قادرا على إعادة النظر في أفكاره وتغييرها إن لزم الأمر، خاصة عندما يستعيد صورة الغجرية ويعترف بذكائها، ويتنازل عن الصورة النمطية التي كان قد رسمها سابقا، لنرى شخصية نامية على مدار جسم الرواية، تتفاعل مع محيطها وفضاءتها، وتخط مستقبلها، فتتخلى عن أفكار؛ لتبني أفكارا أكثر نضجا وحكمة، مستمدّة من عمق تجربة تشكّلت من رحلة مكانية غيّر فيها الفتى وتغيّر .

 وفي هذا السياق يُبرز المكان شخصيّاته ومدى قربها أو بعدها من تحقيق حلمها، فيتحول عائقا يشد صاحبه نحو المكوث والبقاء والركود، الذي يحوّل النهر الجاري بحيرة راكدة عفنة،  ليطل لنا من خلال هذا التوصيف تاجر البلور صاحب الحلم المتكلّس، الذي اكتفى بالعيش في ظل الحلم، حتى غدت “مكة” بعيدة المنال، صعبة الوصول؛ لأنه مقتنع بانتهاء مبرر وجوده في اللحظة التي يحقق فيها حلمه”فمكة هي التي تبقيني على قيد الحياة”، ليستحيل المكان والوصول إليه عنصر جذب عكسي؛ لذلك ظل يعيش على هامش الحياة، ولم يدرك أهمية ملاحقة الأحلام والسعي في سبيلها، وأهمل السنن الكونية، فحصر اهتمامه بدكانه وأهمل تطويره، فهو”لا يريد التغيير لأنه يجهله” ولذلك لم يستفد من إمكانيات المكان وميزاته من أجل التقدم نحو الحلم، حتى خذله أخيرا، واستحال مكانا مهجورا؛ لأنه لم يدرك قواعد التغيّر والتّحول، التي حتمًا ستعصف به تاركة خلفها  آثار غبار ورماد لا يرحم.

أما من أعرض عن الأمكنة وأسرارها وغاص باحثا عن حلمه بين صفحات الكتب مهملا صفحات الكون التي تفتح له ذراعيها، فلا بد أن يلقى مصيرا مماثلا من الهجران والنكران وعدم الاكتراث، لما سيؤول له مشروع “خيميائي” لم يكمل شروط الانتساب لجامعة الكون، ليظل غارقا في كتب أغرقته، وجعلته ينفصل عن واقعه، لأنه اختار طريقا مغايرا، فقد فيه القدرة على التقاط “إشارات” مطروحة على قارعة الطريق وجنباته، إذ غفل عنها فعاقبته بعدم اكتمال مشروعه، لذلك جاءت “هيّا حاول” لتعيد الانكليزي إلى مربعه الأول، ومحطته الأولى، وتهجئة حروف أبجديته من جديد، حين خسر كل ما أعدّه خلال السنوات الماضية من البحث والدراسة، علاوة على إنفاقه “جزءا من ثروته على اقتناء حجر الفلاسفة” وشراء “الكتب الأكثر أهمية والأندر وجودا” حول علم الخيمياء، الذي لم يدرك كنهه ولم يعرف رموزه؛ لذلك لم يصل إلى مبتغاه “لقد قضيت حياتي لأصل هذا المكان، عشر سنوات من التحصيل قادتني إلى زريبة البهائم” لكنه لم يتقن لغة البهائم، التي كان الفتى يدركها، ويؤكد أنها تفهمه وتعرف ما يريد، مع أن الإنجليزي كان يعرف نظريا أن هناك “لغة واحدة يفهمها الكون” لكنه أصمّ أذنيه عنها.

امّا القابع قرب الأهرامات مهوى أفئدة الزائرين ومنتهى آمال العابرين، فقد أقعده السلب والسطو من أجل دراهم معدودات عن ملاحقة حلم يعد بالكثير عند “حجارة كنيسة قديمة”، لكن هذا المكان لم يستفزه ولم يحرك فيه ساكنا، بل اعتبر القصة أضغاث أحلام وكان في كنزه من الزاهدين، لأنه على حد زعمه ” ليس على درجة من الغباء، كي يجتاز الصحراء بكاملها، لأنه رأى الحلم مرتين”، فحين أنكر الإشارات، حجَبَتْ عنه أسرارها، وضنّت عليه برموزها، حتى غدا قاطع طريق لا عابر أحلام.

ولقد شارك الفتى كثيرٌ من الشخصيات البيئة ذاتها، ولعل بعض الإشارات جاءتهم متدحرجة إلى باب بيتهم، حين ” أعطى الأب ابنه ثلاث قطع ذهبية، وجدها في حقل مجاور” لكن الأب اكتفى بها ولم يدرْ في خلده أن هذه القطع لم تنزل من السماء، ولم يبذل جهدا ليتساءل ويربط الإشارات ويدرك الرموز، ليجد حلمه على مرمى محراثه.

لقد كان المكان على الدوام البطل الخفي الداعم لأحلام البشر، الذي يضع “إشاراته” على جنبات الطريق، لكنه في الوقت ذاته لا يعطي أسراره إلا لمن يستطيع اقتناص الفرصة واقتحام غمار المجازفة وكان شعاره ” لأدركن المجد أو أبلغ المنى”، وامتلك القدرة على التغيير الإيجابي وفهم أسرار الكون ليفوز في نهاية المطاف باللذة الجسور.

 أما كنفاني في روايته رجال في الشمس فيغدو الوطن في سياق مبررات الرحيل بيئة طاردة ومطارِدة للأبطال، تدفعهم لرمي حجر في بركة واقعهم الراكدة، من أجل تولية ظهورهم نحو جنتهم الموعودة الموجودة هناك في الكويت، على مرمى حجر من أحلامهم، التي ما تزال معلقة بأوهامهم، لنجد أن الفقر يطل من زوايا “بيت حقير” يضيق بسكانه الوافدين، الذين تفصل بينهم”أكياس مرقعة من الخيش”، تكشف ذلهم وحاجتهم وقلة حيلتهم، ولعل هذه الأمكنة ترد في سياق حشد المبررات التي اتكأ عليها الرجال؛ لتبرير هروبهم من مواجهة مصيرهم، لنجد أن المكان تحوّل بطرفة عين إلى بيئة طاردة، تدفع الرجال إلى البحث عن واقع جديد، عبر هروب من خلال الجغرافيا، أو هروب من القيم، والتخلي عن الأسرة مقابل “بيت مسقوف”.

لتتلقفهم الصحراء وتطل برأسها من خلال سعتها واتساعها، لتتحول إلى بيئة خانقة ضيّقة تسمح للشخصيات بأن تتيه رغما عنها، ليصبح ضيق النفْس وتعرية الذات، أشد وقعا من ضيق المكان، فمستودع الرمال يجبر الأبطال على إعادة النظر في الرحلة وجدواها، بعد أن غاص أسعد في الرمال “ودار حول الاتشفور” في رحلة مشوشة لا يعرف نهايتها، لكنه يصر على إكمال الرحلة، رغم أن الحكمة الدارجة تقول ” إنّ المكتوب يقرأ من عنوانه” فما بالك برحلة بدأت بهذه البداية المريعة،”فقد اجتاز بقاعا صلبة من صخور بنية مثل الشظايا” باحثا عن طريق يحلّ من خلاله أزمات تسكنه،”ليغوص في المقلاة” وحيدا، بلا نصير، كما فعل الكثيرون، وهنا لا بد من الإشارة إلى المفارقة الموجعة بين تلك الشخصيات التي تملك القدرة على تحمل ألم الشظايا والغوص “في المقلاة”، لكنها عجزت أن تقدم هذه التضحيات لوطن يُستلب.

ولم يشفع لأبي قيس “احتضان الأرض” التي تركها باحثا عمّا يسد الرمق ويبل الريق  لتعاقبه الصحراء بوهجها واشتعالها، وهنا نرى الكاتب مصرًا على جعل المكان يلفظ أبناءه الذين أنكروه ذات حاجة، ويصب جام غضبه على رؤوسهم،” فكأنّ هذا الخلاء عملاق خفي يجلد رؤوسهم بسياط من نار وقار مغلي”، ليس هذا فحسب بل ويصر على تعرية الشخصيات وكشفها أمام ذواتها عندما وجد أبو قيس في الخلاء سعة لاستدعاء شخصية الأستاذ سليم، فخاطبه متحسّرا متوجعًا عندما أرهقته الصحراء وشوته، ونبت في رأسه شط العرب” أكنت ستقبل أن تبيع سني عمرك  من أجل لقمة خبز”.

 أما أبو الخيزران المتوج كقائد، يقطع بأبناء جلدته الفيافي والقفار، فقد أودى به (المكان/ الصحراء) عندما خط طريقا، وضرب بعصاه باحثا عن مخرج في “هذا الخلاء”، الذي سمح لأبي الخيزران بأن “يُخرج الشيطان من داخله” ويضرب بالمبادئ والمثل عرض الحائط في حوار داخلي عنيف وصراع صاخب، يعلن فيه مراده، ويكشف لنا خفايا هذه الشخصية المسكونة بحمى تحميل المسؤولية للوطن، عندما أعلن جهارا نهارا أنه لن يهتم “إلا بالمال والمال فحسب” الذي أصبح مطمح أبطال العمل عندما وضِعَ الوطن على أخر سلم أولويات نفر أضاعوا بوصلتهم.

بعدها يسمح الكاتب للشخصيات أن تبدأ بمدّ خيوط الوصال  فيما بينها في “دكان الرجل السمين”، لتبدأ مرحلة من مراحل تطوير الحدث وتأزيمه، “فالدكان” الذي تشترى فيه الجثث والآمال والأوهام وتباع، يعدّ مكانا ملائما لاحتضان قط سمين، أثرى من حاجات الناس وأوجاعهم، فيغدو المكان هنا عتبة تساهم في تطوير الحدث، ونقله من مستوى التيه إلى مستوى المقايضة والبيع العلني، وشراء وطن جديد، تحت ضغط الحاجة والفقر وسوء الأوضاع، “قلت لك خمسة عشر دينارا وستصل إلى الكويت” مع أن مروان مصرّ أن “سعر الواحد خمسة دنانير”، ليتحول الرجال إلى أرقام لا تساوي ثمن تهريبها، مع أن الرحلة “غير مأمونة العواقب” وقد تودي “بحياتنا” من أجل حلم الوصول، وهنا تظهر الإدانة لشخصيات أرتضت أن تسلك الطرق الوعرة وأن تضحي بحياتها من أجل حفنة دنانير، وأحجمت عن القيام بواجبها وتسلك طرقا وزقاقا تحفظها عن ظهر قلب.

وتزداد الإدانه عنفا عندما يختار الكاتب جحرا، تختبئ فيه “جرذان” ارتضت أن تبدّل الوطن وقراه وبياراته “بفندق حقير” لا يصلح للعيش الآدمي، ولعل هذه المفارقة عمّقت المقارنة بين الأضداد، وسلّطت الضوء على الاختيارات الخاطئة، ولعل الجمع ” فندق الجرذان” يشير إلى موجة هروب جماعي، “فالبصرة مليئة بالمهربين” لرجال كان من الممكن أن يكونوا أسودا على أرض تحتفي بهم، وتعتز بتاريخهم.

ومن المثير للعجب حقا  أن أبا الخيزران يضرب “صراطه” الممتد عبر “الكيلوات المئة والخمسين” ليفوز صاحب الحظوة من الرجال بجنة الكويت وما تهبه للناس من السمن والعسل، والعودة “بأكياس من النقود” والبحث في صحرائها عن “عرق زيتون” يعوض بستانا به”عشر أشجار ذات جذوع معقدة تساقط خيرا كل ربيع”في مفارقة موجعة، لوطنية زائفة وحب كاذب، لرجال خلّفوا أشجارهم وراءه ظهرههم، وراحوا يبحثون عن عرق زيتون في مكان لا ينتمون إليه.

أما “الحدود” الفاصلة بين الجنة والنار على حد زعم أبي الخيزران، فتمثل حالة من العبث التي تفصل الوطن الواحد، وتقسّمه قطعا من فسيفساء غير متجانسة التقاسيم، كما وتكرس حالة التشرذم والتشظي التي كانت تشكّل أحد أسباب الهزيمة، فهذه الدول التي نشأت على وقع انفراط المسبحة التي كانت تضمهم وتوحدهم، كرّست حالة الضعف ورسخته، ولعل العبث على هذه “الحدود” يزداد قسوة في المحتوى اللفظي، ومستوى النقاش، والقضايا المطروحة وحالة اللامبالاة التي تشي بضياع وطن، “فالراقصة كوكب” تتربع على حوارات جيل الهزيمة، الذي نسي أو تناسى أن له أرضا اغتصبت، لكن السؤال الماكر الساخر يظل معلقا، “أتراها فحولتك أم قلة الرجال؟”، سؤال يصف الهزيمة ويحللها.

ولقد مثل مكب النفايات نهاية تراجيدية محمّلة بالسخرية والألم، لمن ركبوا قطار الأمنيات في الجهة المغايرة لأولويات وجودهم، فأبو الخيزران “لا يروقه أن تذوب أجساد الرفاق في الصحراء” لتقوده “الرائحة النتنة” إلى حالة من العطف المزيف، والرأفة المدّعاة، لرمي جثث رفاقه في “مكب النفايات”، في خطاب تبريري يقلب الحقائق ويزيّف الوعي، وهنا تتجلى الإدانة الصارخة لتضع الرجال في مزبلة التاريخ، وعلى رأسهم القائد الذي أودى بأحلامهم، ليغدو المكان بهذا المعنى محملا بالإدنة ولائحة للإدعاء ومحاكمة عادلة، لكل ومن ولّى وجهه شطر أنانيته ومصالحه.

لقد ساهمت الأفضية المكانية في إدانة شخصيات الرواية، ولعل الخزان هذا الفضاء الخانق والسجن متعدد المستويات، يفسر عمق حالة الخوف والصمت والقيد والأنانية التي اجتاحت الحالة الفلسطينية، ففي “السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئا سوى أن تنتظر” وفي هذا السنوات تبدّلت قيم وتغيّرت معتقدات، “فأبو العبد” سلّم سلاحه، و”أبو الخيزران” جعل المال ربه ومعبوده، والعمّ يبتز ويقامر بابن أخيه “ابدأ ولو في الجحيم”، والأب يتخلى من أجل “بيت من اسمنت”، لتتشكل أرضية جديدة تقدّم الخاص على العام، وتضع الوطن على هامش الاهتمامات، ليأتي السؤال الصاخب، الباحث عن اجتراح الحلول من رحم المعاناة “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟” حاملا في طياته إدانة مبطنة للحالة وجذورها، حالة من العجز الكلي عن الفعل ورد الفعل، أودت بهم إلى سجن كبير دخلوه مختارين، كسلحفاة تدخل داخل جسمها السميك؛ لتخلد في سبات عميق لا تفيق منه.

ولعل السخرية تتسرب من بين عجلات ” السيارات الضخمة” التي كسرت حالة السكون، ومزقت الصمت، ومثّلت حلا بائسا؛ يأخذ مشروعيته من وحل الواقع، حاملة على ظهرها الرجال الذين “استسلموا للشمس”، وسلموا قيادهم لقيادة لم تهتم إلا بمصالحها، سالكة “طريقا محفرة”، هذا الطريق الذي لم يكن إلا محض متاهة، قادهم إلى مصير مجهول مظلم، عندما “شقت السيارة الضخمة الطريق بهم وبأحلامهم وعائلاتهم ومطامحهم ويأسهم وبؤسهم وقوتهم وضعفم ومستقبلهم” متجاهلة الخارطة والبوصلة التي تشير غربا، لتنطلق متجاوزة كل قوانين الفيزياء والمنطق في الجهة المغايرة تماما لأمال الشعوب وتطلعاتها، متناسية وطنا ما زال جرحه غائرا، من أجل مبررات شخصية تبدو للوهلة الأولى مقنعة، لكنها سرعان ما تتهاوى أمام ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق رجال “تخفق الأرض” تحتهم إذا ما عانقوها.

    يزعم الجميع أنّهم يمتلكون خارطة طريق للوصل إلى الهدف المرسوم بكلّ دقّة فما هي إلا ساعات تدور بها حول الإتشفور ثم تصل، وما هي “إلا خطوات بعدها تستدير لتجدّ نفسك على الطريق”، فالكلّ يدّعي امتلاكه لطريق الخلاص والكلّ يزعم أنه قادر على قيادة الشّعب و إنقاذه، لكن في كل مرّة نجدّ أن خيانة القريب أو سوء الطّالع يقف عائقًا في وجه هذا الشّعب المغلوب على أمره.

لقد أجاد كنفاني في بناء الفضاء المكاني الذي ارتكز فيه على ثنائية الإدانة والمفارقة، التي ظهرت في مفاصل المكان ومنحنياته بشكل لافت للنظر، إذ حشد الكاتب أمكنته لتلاحق الأبطال وتعرّيهم وتدينهم وتنْقض مبررات رحيلهم وتَرْكِهم الوطن لقمة سائغة لأعدائه تحت ضغط الحاجة والضعف وإطعام أفواه جائعة، كما أطل المكان من نافذة المفارقة الصارخة التي تجري مفاضلة بين أمكنة سعوا إليها، وبين وطن ما زال جرحا نازفا، يستغيث أبناءه الذين ولّوا وجوههم نحو هموهم الشخصية، وجعلوا المال دينهم وقبلتهم.

فهل سيلتقي “النهران العظيمان” ليشكلا جسرا لعبورنا، وتفسيرا لنبوءة الأستاذ النحيل الذي قضى على أرض يحبها وتحبه، نبوءة مثلثة الأضلاع ترتكز على “أستاذ” بعيد النظر، يجيد”إطلاق الرصاص” ويؤمن بجدوى “الوحدة”وقدرتها على تشكيل شط آمن للعرب ومستقبلهم.

وفي الختام فقد قاد الكاتبان أفضيتهما المكانية إلى وجهة نظرِ، ورؤية كلٍّ منهما لغاية النص، والرسالة التي يريدان إيصالها، لنجد أن الصحراء التي تفتت تحت أقدام الرجال وعرتهم وكشفتهم وصبت “جام غضبها على رؤوسهم”، تقف في الجهة المقابلة داعمة للبطل الذي أدرك أسرارها، وفهم إمكاناتها، فمنحته طاقتها ولغتها.

وقد شكل الفضاء المكاني عند كويلو محطات أسهمت في بناء الشخصية وأغنائها، وعملت على تعميق تجربتها، وتكثيف أفكارها ومعتقداتها،  فتحولت إلى مركز لإعادة التعرف إلى النفس، وبيت للخبرات المتراكمة، بينما ساهم هذا الفضاء عند كنفاني في تعميق الإحساس  بالسير في الاتجاه الخاطئ، وتعميق مشاعر الألم والمعاناة والإدانة للذات، والانتكاسات المتتاية للرجال والسؤال الدائم بجدوى الطريق وسلامة الاختيارات.

ولقد أسند الكاتبان للفضاء المكاني دور البطولة، مع اختلاف دور كل منهما في النص، فبينما كان المكان داعما ودافعا للفتى الذي فهم إشاراته، شكل مكانا طاردا ومدينا للرجال الذين غفلوا أو تغافلوا عنه عامدين، وربما مغمضي الأعين عن كل إشاراته التي جاءت محذرة كدوي.

  ولقد اختار كلا الكاتبين نهاية مكانية، أظهرت عند كويلو أن الكنز الحقيقي يتمثل في التجربة والرحلة والتعرف إلى أمكنة جديدة، إضافة للتغيّر الذي طرأ على الشخصية نتيجة خبراتها وانخراطها مع الأفضية المكانية وتفاعلاتها، أما كنفاني فقد ألقى بأبطاله في “مكب النفايات”، بعد أن عجزوا عن توجيه بوصلتهم تجاه قضيتهم المركزية، وسمحوا للأمكنة أن تلفظهم، و”للشمس أن تشويهم” بلا هوادة.

فدائرية المكان عند كويلو ساهمت في تسليط الضوء على المكان وجوّانياته وطاقاته الكامنة وقدرته على تقديم أسراره لمن يجيد فهم لغته، وفي المقابل أظهرت خطيّة الفضاء المكاني واستقامته عند كنفاني حجم التيه وانعدام اليقين لدى أبطاله، وإدانة كل نقطة في هذا الفضاء المكاني إن كانت لا تتماس مع حدود الوطن وأولويّاته، ولعل كنفاني من خلال هذا الخيار يؤكد على أن الخطوط المستقيمة لا يمكن أن تلتقي في نقطة واحدة، فإمّا الخط الوطني النابض بالمقاومة وإما خط اللبن والعسل.

                هما خُطَّتا إما إسارٌ ومنَّة ٌ     وإما دمَّ والموتُ بالحرِّ أجدر

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقارنة ابداعية مذهلة ومتناقضة تضع النقاط على الحروف وتستذكر الظروف!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here