أيمن العسـقلانى: توقيت القدس العـربية المحتـلة

أيمن العسـقلانى

فى أثناء زيارة لرئيس وزراء فرنسا السابق “إدجـار فـور” للقاهرة فى منتصف السبعينيات ، دارت مناقشة مطولة مع المسئولين بوزارة الخارجية حول الظروف السائدة وقتها ، واحتفظت السجلات الرسمية كالعادة بكل مادار فى المناقشة ، غير أن عبارة واحدة جاءت على لسان الوزير الضيف لفتت نظرى ، حيث وصف دولة الكيان بأنها: “Colonie a Metropole Diffuse”

 أى أنها ليست مستعمرة تابعة لدولة إستعمارية واحدة ، بقدر ما تنتمى إلى إمبراطورية منتشرة على نطاق العالم كله ، فى إشارة إلى الدعم الذى تلقاه هذه المستعمرة من جاليات الشتات اليهودية فاحشة الثراء ، إضافة إلى القوى الغربية التى تتبنى وجودها وتحميه وتضمنه ، وتوصيف الوزير الفرنسى بلا شك صحيح ، فهى تستخدم قوتها الذاتية ، وتستعين بالقوى الغربية وتستفيد منها ، وتتمترس خلف قرارات الفـيتو التى تصدر لصالحها.

غير أن أهم ركيزة تستند عليها المستعمرة اللقيطة هى غياب الوعى ، فبدون الوعى يتحول الناس إلى “ٌخشب مُسنّدة” ، وهى التى تتعامل معنا نحن العرب على أننا مجاميع بشرية تأكل وتشرب وتتكاثر وتنام ، وقد تكون مخطئة أو مصيبة ، غير أن هذه الفكرة بالتحديد هى أقرب ما يفسر صلفها وغطرستها ، وأجهزتها تبرع فى طمس الحقيقة وتغيير التاريخ ، وتراهن على ضعف الذاكرة العربية ، وتحاول حرمان الأمة من أهم ورقة على الإطلاق ، وهى ورقة الوعى. وإذا كانت الدعوة إلى التحرير اليوم تهمة يلقى بصاحبها خلف القضبان ، فلا أقل من خوض معركة التوعية ، ولا عذر لنا إن لم نذكّر ، ونذكّر ، ونذكّر ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، وإن كان العمل على الأرض لإنقاذ المقدسات يشوبه العثار والعوج ، فمعركة الأدمغة ذات أولوية.

إن حملة إعلامية مركزة وجهد شعبى دؤوب يقومان على رؤية بعيدة يمكن أن يقلبا المعادلة ، عسى العدو أن يرعوى ، وعسى الأنظمة أن تستحى ، فتاريخنا كيان واحد متماسك الأجزاء وما أكثر المحن العارضة التى أثبتت أن فرصنا فى النجاة والنجاح جد كبيرة ، محن ألقت الينا بجحافل الهكسوس والمغول والإغريق والروم والفرس والصليبيين القدامى ثم الجدد ، ليرتدوا جميعا على أعقابهم خاسرين ، وهذا الإحتلال الصهيونى ليس إستثناء ، رغم دمويته وسعاره وفجره … مرة ثانية .. الوعى هو أهم ورقة على الإطلاق فى أيدينا.

 أيها السـادة .. هذه دعوة مباشرة إلى المحطات والإذاعات والقنوات التلفزيونية من المحيط إلى الخليج .. لتتحمل الحد الأدنى من المسئولية الأدبية ولتقدم شيئا ، فلمثل هذه الأمور خلقت منابر الإعـلام ، ولن يضير مذيع أو قارئ للأخبار أن يقول: “الساعة الآن الخامسة مساء بتوقيت صنعاء ،  السادسة بتوقيت القدس العربية المحتلة”.

نعم .. إن مقالا فى جريدة أو خبرا مذاعا يمكن أن يحدث فرقا ، غير أن تكرار عبارة “القدس العربية المحتلة” ، على رأس كل ساعة ، أربع وعشرين مرة فى اليوم ، سوف يحدث الفرق الذى نسعى لإحداثه. أعرف أن عاصفة من السخرية ستهب ، وأعرف أن أطنانا من التسفيه ستنهمر ، ولسوف يّحتج أناس ، ولسوف يقّللون من أهمية مثل هكذا خطوة ، غير أننى لهؤلاء أقول: إن هدفنا ليس فقط بناء وعى الأجيال العربية وتثبيت إدراكها ، ولكن أيضا توجيه إنتباه الإعلام الدولى إلى أهمية قضيتنا ، ونحن على ذلك لسنا مسئولين عن النتائج ، ولكننا مكلفين بالغرس ، ويكفينا أن مناهج التعليم فى مدارسنا تنكرت للقدس ، وأقصت الأقصى ، فلا تأت على أيا منهما بذكر. إننا نصبو إلى العمل من خلال أيدلوجية وسطية وإستراتيجة واعية وصبورة ، تجسد حقيقة أن الاطار المرجعى للتحرك هو العالم الإسلامى فى كليته ، وليكن ذلك ماثلا أمام أعيننا عندما نتعامل مع الملف ، فاستراتيجيتنا تنصب على إعادة صياغة قرارات جامعة الدول العربية ومن ثم تفعيلها ووضعها محل  التنفيذ وضبط ومتابعة هذا التنفيذ من خلال مجموعة آليات ، وتأمين دور حقيقى لمركزنا على مستوى السيطرة والتنسيق ، وهو دور غير ممكن إلا بالإستناد إلى وعى مجتمعى وتعبئة شعبية ، إننا نثق كل الثقة ونؤمن صادق الإيمان ، بأن القائمين على شئون الفضائيات ينضمون إلينا فى الحرص على شرعية الحقوق ، والرغبة فى صونها وإحترام وضعها ، ونحن إذ ندرك أن للشعب العربى من المحيط إلى الخليج حقوقا فى القدس ، لنأمل أن تستجيب معظم هذه القنوات لمبادرتنا.

تعالوا أيها السادة نذكّر هذه البراعم الناشئة بثالث أعز وأحب بقعة إلى قلوبنا جميعا ، دعونا نزرع حلما فى أعماق الضمير العربى ، ونضعه نصب أعيننا ليل نهار ، نراه ونسمعه ونتنفسه ،  فلتبدأ قناة واحدة اليوم .. جربوا .. لن تخسروا شيئا ، جربوا ولو لمدة عام واحد. إننا ندعو العواصم العربية والتى إتخذت لنفسها جامعة تمثلها ، وأسواقا توحدها  ، أن تضبط ساعاتها على توقيت بيت القدس ، وهو نوع من الدعم النفسى والأدبى فى غاية الأهمية ، وهو أمر كاشف للإخلاص ، ومدى الإلتزام السياسى و العملى نحوها ، فى ظل الغياب غير المفهوم للتعريف الدقيق والمحدد لهوية الصراع مع هذا الإحتلال البغيض ، مما يؤدى بالضرورة إلى خلط للأوراق وإرباك للمشهد ، وإهدار للوقت .. إننا فى مركز بحوث المسجد الأقصى ، نعمل على التميز ، وبناء نموذج فريد يتمتع بالكفاءة ، ويستهدف تحقيق أعلى درجات التوظيف الأمثل للإمكانيات ، نسعى لإطلاق جهود حثيثة يعاد من خلالها توزيع الأدوار ، وتغيير التوجهات الأساسية ، ونهدف إلى تشكيل جبهة عريضة من الدعم الأدبى واللوجستيى ، والإستفادة من كل قنوات الإتصال ، وفتح ملفات جديدة لإطار حركى حقيقى أمام النخب الإسلامية.

إننا نزعم إمتلاك رؤية ، ونزعم قدرتنا على أن نطرح أفكارا  ، وندفع بمبادرات  ، ونقتنص مواقع حاكمة ، نحرم الإحتلال من خلالها من المزايدة أو توريط المنطقة كلها فى أتون الحرب ، إننا نستشعر خطورة الموقف ، ومدى الإرتباط والتداخل بين الملفات ، غير أن المقايضة غير واردة ، لتبقى مهمتنا الأساسية ، الدفاع عن وجود المسجد الأقصى المبارك ، وسوف يظل مركزنا مصدرا لإطلاق المبادرات ورعايتها والسهر عليها حتى نلقى الله وهو عنا راض.

الأمين العام  ــ مركز بحوث المسجد الأقصى

القاهــرة

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here