أولويات الصين على المدى المنظور ضمان استمرار النمو و التوسع الاقتصادي.. لا تحدي أمريكا و كسر هيمنتها على العالم.. و تردد القيادة الصينية في الإعلان الصريح عن وجود “يد خفية” في إنتشار  فيروس “كورونا المستجد” خير مثال

د. طارق ليساوي

أشرنا في مقال ” هل فعلا فيروس “كورونا المستجد” مؤامرة أمريكية لوقف الصعود الصيني؟” إلى أن من المحتمل أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية وراء انتشار فيروس “كورونا المستجد” بمدينة “ووهان” الصينية ، بغرض  إعاقة تقدم الصين نحو صدارة العالم، و قلنا بأن هذا الرأي فيه بعض الصواب، فخريطة المرض إلى حين كتابة المقال السابق، تشمل بلدانا تعتبرها الإدارة الأمريكية في خانة الأعداء “الصين” و “إيران” بدرجة أولى، و بعض بلدان شرق أسيا ك”ماليزيا” و “كوريا الجنوبية” و “اليابان” و من دون شك، أن هذه البلاد تشكل تهديدا اقتصاديا للولايات المتحدة الأمريكية..أما خارج أسيا فأكبر الإصابات سجلت ب”إيطاليا” و بعض البلدان الأوروبية، و بالرغم من أن هذه البلدان تنتمي إلى العالم الغربي إلا أنه في الحروب لابد من ضحايا..خاصة و أن عنصرية الرئيس “ترامب” واضحة للعيان، فالرجل يميني متطرف إلى أقصى حد، و مؤيدوه يعلنون عداءهم و رفضهم لكل أشكال الاختلاف العرقي و الديني، و الأروبيين بنظر مؤيدوه أعداء من الناحية الدينية فهم “كاثوليك” و الاقتصادية و السياسية، فأوروبا تتجه نحو تحقيق استقلالها و ابتعادها عن المظلة الأمريكية..

و بعد أن تمكنت  القيادة الصينية من تطويق المرض و السيطرة على انتشاره، و هذا ما أعلنه الرئيس الصيني “شي”، و بعد تنفس البلاد الصعداء و عودة الحركة تدريجيا إلى شوارع أغلب المدن الصينية، و تجاوز حالة الهلع و الخوف، إتجهت القيادة الصينية نحو الخارج، فقد أعلنت دعمها للبلدان التي إجتاحها الفيروس ماديا و لوجيستيا، و عرضت تجربتها في مواجهة الوباء لكل بلدان العالم .. و في نفس الوقت أعلنت بعض الجهات الرسمية في الصين، على أن الجيش الأمريكي يقف وراء انتشار فيروس كورونا في مدينة “ووهان”، و الخبر جاء على لسان مسؤول في الخارجية الصينية، صحيح أن التصريح لم يكن رسمي و لم  تتبناه القيادة الصينية ووزارة الخارجية، التي ذهبت في إتجاه مغاير، فهي لم تنفي إمكانية وجود يد خفية في انتشار الفيروس، و فضلت عدم التصعيد عندما صرح نائب وزير الخارجية الصينية ، بأن هناك “وجهات نظر مختلفة في العالم عن مصدر الفيروس”، و “الحسم في مصدره هو شأن علمي”..

 و من يعرف طبيعة الصين يدرك جيدا أن الخبر المسرب هو الصحيح، و لا يستطيع أي مسؤول في الصين أن يقدم تصريحا أو يتخذ موقفا، دون دراسة و مناقشة و موافقة مسبقة من قيادات الحزب الشيوعي الصيني،غير أن الاعتراف صراحة بأن أمريكا هي السبب في الفيروس، ليس بالأمر الهين، فالسلوك الأمريكي إذا ثبتت صحته فهو عدوان على الصين و تترتب عليه أثار قانونية بموجب القانون الدولي، و يقتضي سياسيا و عسكريا، رد فوري و حازم من قبل القيادة الصينية، خاصة و أن الوباء ألحق بالبلاد خسائر بشرية و مادية فادحة ..لكن طبيعة القيادة الصينية و الشعب الصيني ،الذي  يميل إلى التدرج و الابتعاد عن التسرع و تغليب منطق الصبر و التعاطي مع الأمور بعقلانية و برغماتية..فالشعب الصيني “يفكر  من محفظته” ..

وعلى خلاف ما هو متصور لدى أغلب المسؤولين و الأكاديميين من خارج الصين ، فهناك إما تضخيم “مفرط” في القوة الصينية، أو نقص فهم في الأولويات الصينية، فالصين تدرك جيدا أنها لا تستطيع التصدي للولايات المتحدة بمفردها،و رأينا جميعا كيف تعاملت القيادة الصينية مع ضغوط “ترامب” فيما يعرف ب”الحرب التجارية”، فقد خضعت بالنهاية لشروط “ترامب” و تنازلت عن الكثير من مطالبها، و ليس ذلك -بالضرورة- عجزا من القيادة الصينية، و لكن يمكن اعتباره نوع من العقلانية و البرغماتية و محاولة تفادي أو –على الأقل – ترحيل الصدام و المواجهة إلى وقت لاحق…

 صحيح أن الصين تملك أقوى إقتصاد بعد الولايات المتحدة، كما أنها تتوفر على أضخم جيش في العالم ، وتتوفر على ترسانة نووية قوامها أزيد من 250 رأس نووي، و ميزانية عسكرية هي الأضخم بعد الولايات المتحدة، كما أنها تتوفر على تكنولوجيا جد متقدمة في صناعة الفضاء والأنترنيت… فبالرغم من هذه الإمكانيات الهائلة ، إلا أن الصين لا تستطيع إزاحة أمريكا عن الصدارة في المدى المنظور، وذلك راجع إلى تشابك المصالح مع الولايات المتحدة و حلفاءها الأروبيين…

فصعود الصين و إزاحتها للولايات المتحدة، ليس بالأمر السهل فهو ينذر بحرب، لا تقل شراسة وخطورة عن ذلك الصراع الذي نشب في مطلع القرن العشرين بين ألمانيا و بريطانيا على النفوذ، و إنتهى باندلاع الحرب العالمية الأولى، فاليوم أيضا تنظر أمريكا بعين التوجس إلى الصين و العكس صحيح،   فكل طرف له القدرة على الإضرار بالأخر ، وهذا الوضع أنشأ توازنا في القوة، فكل طرف يحتاط من الأخر، ويتجنب تجاوز الخطوط الحمراء و الإقتراب من نقطة اللاعودة، وهو ما لحظناه في سرعة الرد الرسمي، على خبر إمكانية وجود يد خفية  لأمريكا في نشر فيروس كورونا بمدينة “ووهان”..

فالصين مثلا، بإمكانها إزاحة الدولار الأمريكي منذ اندلاع الأزمة المالية لعام 2008، لكنها فضلت الاستفادة من الوضع لتحقيق مكاسب على المدى المتوسط و البعيد، و دعمت استمرار الدولار كعملة احتياطي عالمي، لأن مصلحتها تقتضي ذلك، و قدرة الصين على كسر هيمنة الدولار نابعة من توفر الصين على أكبر احتياطي نقدي في العالم و يقدر بنحو 4،2 تريليون دولار، ومع توفرها على هذا الاحتياطي فهي عاجزة عن زيادة نفوذها المالي،بفعل تبنيها لسياسة نقدية محافظة، كما ان هذا الاحتياطي النقدي لايترجم إلى قوة تفاوضية في مواجهة أمريكا، فالصين تمتلك احتياطي ضخم من الدولار المحصل عليه من صادرات الصين لأمريكا، لكن مقابل هذا الإحتياطي تستفيد الصين من السوق الأمريكي، فالسوق الأمريكي المفتوح في وجه السلع الصينية، يعني المزيد من النمو الإقتصادي، و بالتالي المزيد من فرص العمل و بالتالي ضمان الأمن و السلم الاجتماعي، و كل ذلك يخدم مصلحة الصين و الحزب الشيوعي الصيني، الذي يحكم الصين بناءا على شرعية النمو و التنمية الإقتصادية، فأي توجه سياسي أو قرار سياسي يحدث هزة في الإقتصاد الصيني يكون له تأثير سلبي على الحزب و المجتمع…

فالإدارة الأمريكية -وخاصة هذا العنصري “ترامب”- تدرك جيدا أن الصين منافس قوي، لكن في ذات الوقت تعلم أن الاقتصاد الصيني يعتمد على السوق الأمريكي وعلى السوق الأوروبي، كما أن الاقتصاد الصيني لازال يعاني من بعض المشاكل البنيوية، المتصلة بالهيكل الصناعي الذي لازالت تلعب فيه المؤسسات المملوكة للدولة، و المؤسسات الريفية دورا مهما، وهذه المؤسسات تعاني من سوء في التسيير و انخفاض في نسب النمو، وضعف السيولة و تضخم عدد العاملين بها… كما أن النظام المصرفي الصيني لازال في حاجة إلى المزيد من الإصلاح و التقنيين، هذا إلى جانب قضايا التفاوت في التنمية بين مناطق الصين المختلفة، فالمناطق و المدن الساحلية تعرف ازدهارا و ارتفاعا في متوسط الدخل الفردي، بينما المناطق الداخلية تعاني ضعفا تنمويا فالعديد من أقاليم ااصين لازالت عاجزة عن البلوغ لمعدل الدخل الوطني، لذلك فإن هاجس الحكومة الصينية، هو تأمين النمو الاقتصادي المرتفع بغرض الإستجابة للإحتياجات التنموية…

 لذلك، فالسياسة الخارجية الصينية و القيادة الصينية، تتعامل باعتدال و مرونة مع قضية هيمنة الدولار الأمريكي ، فالصين تدرك الدور الذي يلعبه الدولار في العالم، و المكاسب العالية التي تجنيها أمريكا من هذه الهيمنة،  و هي تعمل_الصين_ منذ 2008  على زيادة قوتها المالية من خلال تشجيع استخدام اليوان لتمويل التجارة، وأخر اتفاق  كان بين دول BRICS، بالإضافة لتركيا ، و مع ذلك لازال الدولار الأمريكي مهيمن على نحو 81% من التجارة العالمية مقابل 9% لليوان، ومن المؤكد أن هذه النسبة ستنمو و تتسع ، لكن من الصعب إزاحة الدولار وتقوية اليوان مالم تتبنى الصين سياسة نقدية مغايرة لما هو متبع حاليا، ومن ذلك تحرير سعر صرف اليوان،  و تبني سياسات نقدية أكثر تحررا، مع توفر إرادة سياسية لدى القيادة الصينية تحديدا ، لإحلال اليوان او سلة عملات بدلا عن الدولار الأمريكي…

 فأولويات الصين على المدى المتوسط ، بعيدة كل البعد عن تحدي الولايات المتحدة و  كسر هيمنتها على العالم ، و بالأحرى احتلال مكانة أمريكا في النظام المالي العالمي، فأولويات الصين محلية بدرجة أولى ثم إقليمية بدرجة ثانية، لذلك من يراهن على الصين كبديل للولايات المتحدة عليه أن يتعامل بحذر مع هذا الطموح، فالصين لن تدخل في صراع مع أمريكا، ومن يعتقد عكس ذلك، فهو لايدرك جيدا عقلية القيادة  الصينية التي تفكر بمنطق برغماتي/نفعي، ولايقدر مدى حجم التحديات التي تواجه الصين …و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. مقال رائع. ایران مع کل مواقفهاالحسنه فی دعم الشعوب من فلسطین الی سوریه و الیمن والمناطق الاخره و محاربه الدواعش, لکن مع الاسف التطرف العمیاء , من الاحتلال السفاره الامریکیه الی تواصل الحرب مع صدام بعد طرده من داخل الحدود الایرانیه, و مواقف الرئیس الجمهور السابق محموداحمدی نژاد فی وجه مجلس الامن الامم المتحده کلف هذا النظام و الشعب کثیر من المحن و المعانات و الخسار.

  2. السلام عليكم ورحمة الله.
    احسنت يا دكتور كعادتك ، لكن اريد ان اضيف معلومه لعلها تكون مفيدة ان شاء الله. انت تعلم يا دكتور ان ايطاليا هي البلد الأوربي الغربي الوحيد -فيما اعلم – الذي وقع مع الصين اتفاقية بخصوص
    طريق الحرير العام الماضي و ذلك عندما زار الرئيس الصيني ايطاليا. وقد عارض ترامب هذا الاتفاق معارضة شديدة في حينها
    و هدد الإيطاليين بأنهم سيدفعون الثمن ان لم يبلغوا هذه الاتفاقية .

    والان : هل هذا الذي أصاب ايطاليا – وأعني به فيروس كورونا – وبهذا الشكل دون غيرها من الدول الغربية الصناعية الكبرى هو مجد صدفة ، أم أن الأمر بيت بليل؟ رغم أن النظام الصحي الإيطاليين احسن الأنظمة الصحية في أوروبا.

  3. شكرا للكاتب ، الذي فهمته من المقال هو الاقرار بوجود ايدي خفيه خلف فايروس كورونا ، والذي ارجوه ان يقوم كاتب اخر بكتابة مقال عن ميكانيكية تاثير كورونا على الولايات المتحدة نفسها ، لماذا لحد الان لا يوجد اصابات كثيرة لكورونا في الولايات المتحدة ؟ مع العلم ان اوروبا “غرقانه” في الفيروس

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here