أهم ركائز التجربة التنموية الماليزية فى التطور والتنمية: بناء الإنسان وتوسيع خياراته

 

 

د. طارق ليساوي

أشرنا في مقال سابق بعنوان “للباحثين عن نموذج تنموي: الصين صنعت البديل” الى أن  بلداناً خارج دائرة العالم العربي، نجحت في تنفيذ خططها و تنزيل سياساتها العمومية، و الانتقال من وضع أدنى إلى أخر أعلى، فتحسن أداءها الاقتصادي و الاجتماعي و المعرفي و الإنساني، و تغير تبعاً لذلك، الواقع و المؤشرات و المعطيات بتغير السنين.. و من ذلك، التجربة الصينية التي تستحق أن تكون نموذجا تنمويا يُقْتبس منه، و مما يقوي من فعالية هذا النهج أنه خاضع للتجربة ليس فقط في الصين، بل هو نفس المنهج الذي اتبعته اليابان و بلدان شرق أسيا ، و تبنته ماليزيا و أندونيسيا و فيما بعد تركيا.. نعم لكل تجربة خصوصياتها، لكن هذا لا يمنع أن المحاور الكبرى مشتركة بين مختلف هذه التجارب الدولية..

 و سنحاول من خلال هذا المقال و  سلسلة من المقالات الموالية، إطلاع القارئ العربي على التجربة الماليزية في التنمية.. و بنظرنا، فإن هذه التجربة أقرب لشعوب العالم العربي لأنها حاولت المواءمة و الاقتباس من القيم الإسلامية في التكافل و التضامن و تعزيز الوحدة والانسجام بين مختلف القوميات و الأعراق..فقد كانت ماليزيا  قبل نحو أربعة عقود مجتمعــاً زراعيـاً لا يعرف سوى زراعة الأرز والمطاط وبعض النباتات والفاكهة، و اقتصاده قائم على تصدير المواد الأولية.. للتحول إلى واحدة من أهم الدول المصدرة للسلع والتقنية الصناعية في منطقة جنوب شرقي آسيا، واستطاعت الانتقال من بلد فقير إلى بلد غني إذ انتقل معدل الفقر من 70٪، إلى أقل من  5٪.. و إنتقل  دخل الفرد السنوى من 350 دولار ليصبح فى الوقت الحالى أزيد من 18000 دولار.

واستطاعت تجاوز أزمات إقتصادية خانقة، عصفت بدول جنوب شرقي آسيا في العام 1997، حيث رفضت الخضوع لوصفات و توصيات  “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” لعلاج أزمتها بل عالجت المشكلة من خلال برنامج اقتصادي وطني متميز، عمل على فرض قيود مشددة على سياسة البلاد النقدية، والسير بشروطها الاقتصادية الوطنية، ورفض الخضوع لوصاية المؤسسات المالية الدولية التي حاولت استغلال الأزمة لفرض  شروط الإذعان على الحكومة الماليزية برئاسة الدكتور محمد مهاتير…

أولا- نبذة موجزة عن ماليزيا:

ماليزيا دولة إسلامية، تقع في جنوب شرق آسيا، مساحتها لا تتعدى 329٫845 كيلومتر مربع ، يسكنها حوالي 30 مليون نسمة وتتكون من عدة جزر كما هو الحال في أغلب دول جنوب شرق آسيا، وتتكون من 13 ولاية 11 في ماليزيا الغربية واثنتان في الشرقية، العاصمة “كوالالمبور”، عملتها “ريجنت”، ديانتها الإسلام، نظام الحكم ملكي، لغتها “الملاوية.”..و يحدها من الشمال “مملكة تايلاندا”، وبحر الصين الجنوبي، أما من الجنوب فتحدها “أندونيسيا”،ومضيق “جوهر” الفاصل بينها وبين “سنغافورة”، ومن الغرب مضيق “ملقا” الذي يفصل بينها وبين “أندونيسيا”،وتحدها ولاية “بورينو” التابعة “لإندونيسيا” من الشرق، لذلك فالبلاد تقع في موقعٍ استراتيجي، بالنسبة للملاحة البحرية، والجوية، فيما بين أوروبا والشرق الأقصى.

وتتضمن التضاريس الماليزية سلاسل جبلية تتداخل مع جبال “تايلاند” في شبه جزيرة الملايو الغربية، و يتراوح ارتفاعاتها مابين 4000 -1000 متر فوق سطح البحر، وتشكل السلاسل الجبلية ما يعادل 60 في المائة من مساحة ماليزيا التي تتخللها مناطق السهول والمجاري النهرية، كما تتنوع فيها الغابات والنباتات الاستوائية الطبيعية، والطقس في مجمله استوائي حار ورطب طوال العام وتسقط فيها الأمطار بنسبة عالية..

التركيبة السكانية تتكون التركيبة السكانية في ماليزيا من ثلاث عناصر رئيسية وهي:

  • العنصر الملايو الذي يتركز على سواحل ماليزيا الشرقية و الغربية والغالبية العظمى تتجمع في المدنوالموانئ، ويمثل هذا العنصر نسبة 60٪ من إجمالي السكان، وهم سكان ماليزيا الأصليون.

  • العنصر الصيني وهم الوافدون من الصين الجنوبي خلال فترة الاستعمار البريطاني، ويمثلون نسبة 30٪ من إجمالي السكان..

  • العنصر الهندي وقد جاء بهم أيضا الاستعمار البريطاني في القرن الماضي، ويمثلون نسبة 10 ٪ من إجمالي السكان..

وقد لعبت المعطيات الجغرافية و الديموغرافية، و البنية الاقتصادية للبلد، دورا بالغ الأهمية في وضع السياسات الاقتصادية والخطط الإصلاحية طيلة العقود التي أعقبت استقلال البلاد عن المستعمر البريطاني سنة 1957..لذلك، فالنموذج التنموي الماليزي بني على خمس ركائز، وكان ملزما بمواجهة جملة من التحديات …

ثانيا – الركائز والتحديات:

سعت سياسات الاصلاح في ماليزيا إلى إحداث تغييرات جذرية في هيكل الاقتصاد الوطني، يؤدي إلى زيادة ملحوظة ومستمرة في معدل نمو الدخل القومي، بحيث تؤدي هذه الزيادة إلى التغلب على المشاكل التي تواجهها الدولة، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى معيشة الأفراد، وتوزيع عوائد النمو على مختلف فئات الشعب بقدر من التساوي، لذلك فإن التجربة الماليزية سعت الى مواجهة جملة تحديات أهمها :

  • قيام أمة موحدة يحكمها الشعور بالمصير الواحد المشترك ومتحد اجتماعياً وأمنياً قوي متطور شديد الثقة بنفسه وفخور ببلده…

  • بناء مجتمع ديمقراطي ناضج منتج، تسوده الأخلاق والقيم والاحترام المتبادل.

  • بناء مجتمع متسامح مخلص لوطنه دون تمييز على أساس العرق أو الدين .

  • بناء مجتمع علمي تقدمي، منتج للتقنية وقادر على الابتكار والإبداع والتصنيع في كافة المجالات.

  • بناء مجتمع يهتم بالآخرين ويعترف بالآخر ودوره في مجتمعه، ضمان قيام مجتمع تسوده العدالة الاقتصادية والاجتماعية وتسوده روح الشراكة.

  • تحقيق التنمية المستدامة عبر حماية البيئة والحفاظ عليها من عوامل التلوث و الهذر.

  • تحقيق التنمية الشاملة المتوازنة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والثقافية.

  • مكافحة الفقر والجهل ومحدودية الدخل وقلة فرص، و تشجيع العمل والإنتاج، بغرض بناء مجتمع الرفاه ،  ينعم أفراده بموارد مالية جيدة واستثمارات ومشاريع ضخمة وفرص عمل وافرة…

و بالفعل، فإن ما يميز التجربة ماليزيا هو قدرة المجتمع على تجنب الصراعات والخلافات بين المجموعات العِرْقية الثلاث الرئيسية المكونة للسكان..

فقد بنيت التجربة الماليزية فى التطور والتنمية والتقدم على خمس ركائز هى :

أولا- تعزيز الوحدة بين فئات الشعب باختلاف دياناتهم، فتم التعايش بين الاسلام  البوذية والهندوسية…

ثانيا- خطة التنمية تأسست على  البحث عن دولة مناسبة تقوم بعملية الدعم لماليزيا فى تجربتها نحو التقدم والتنمية، وكانت هذه الدولة “اليابان” التى أصبحت من أكبر حلفاء ماليزيا فى مشروعها نحو التنمية والتقدم و في هذا الصدد يقول “مهاتير” :”إذا أردت أن أصلى فسأذهب إلى مكة وإذا أردت المعرفة فسأذهب إلى اليابان”…

ثالثا- العمل على جذب الاستثمار نحو ماليزيا وتوجيه الأنظار إليها

رابعا- الحرص على إدخال التكنولوجيا الحديثة والتدريب عليها حتى يتم الانتقال بالبلاد سريعـًا إلى مرحلة أخرى أكثر تقدمـًا، مع تحقيق إمكانيات التواصل مع العالم الخارجى. ، وذلك من خلال توفير مستويات عالية من التعليم والتكنولوجيا، وتعليم اللغة الإنجليزية

خامسا- محاربة الفساد والقضاء عليه، وقد رأينا في الفترة الأخيرة كيف تعامل الشعب الماليزي مع فساد رئيس الوزراء السابق، و هو ما دفع أغلبية الشعب إلى استدعاء “محمد مهاتير” و التصويت عليه بأغلبية ساحقة، حتى يتصدى للفساد و فعلا استطاع الرجل في 10 أيام و ضع حد للفساد و استرداد الأموال المنهوبة…

لذلك، فإن التجربة التنموية الماليزية تستحق المزيد من الدراسة و التحليل، لأنها بحق، من التجارب الفريدة التي يجب على الدول العربية والإسلامية الاستفادة منها، و محاكاتها لتحقيق التنمية والتقدم، و الخروج من دورة التخلف و الفقر، و هذر الموارد العمومية، و الرقي بالمواطن العربي و توسيع خياراته.. فأهم درس يمكن استخلاصه من هذه التجربة أن الحكومات الماليزية منـذ الاسـتقلال في العـام 1957 و جهت إهتمامها الى الاستثمار في  الانسان الماليزي و توسيع خياراته و تنمية طاقاتـه وإمكاناته الفكرية، ممـا أهل المـواطن لرد الجميـل لدولتـه وحكومتـه الـتي قـدمت لـه كـل مسـتلزمات الرقـي الإنساني، بحيـث تم تحجـيم الفقـر والبطالة و الجهل و المرض…وسنحاول إن شاء الله تحليل  و تفكيك  بنية النموذج التنموي الماليزي، بشكل تفصيلي  في مقال موالي..و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

  • أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here