“أهلنا في محافظة البحر الأحمر – تاريخ وأسرار” للكاتب والمؤرخ أبوالحسن الجمال

صدر مؤخراً كتاب “أهلنا في محافظة البحر الأحمر” للكاتب والمؤرخ أبوالحسن الجمال، عن سلسلة “حكاية مصر” التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر، في 300 صفحة من القطع الوسط، وقد صدّره المؤلف بقوله : “محافظة البحر الأحمر هي أمل مصر في التنمية والعمران؛ بما تحويه من مقومات هذه التنمية في مجالات عدة، أهمها: التعدين، والسياحة التي اشتهرت بها، وتقدمت فيها بسرعةٍ مذهلة وغير متوقعة، وصحراء البحر الأحمر هي صحراء الأسرار والأخطار، وهي صحراء الذهب والبترول والمعادن والفيروز … كل ما فيها جميل، وكل ما فيها موحش. عاش في هذه الصحراء أجدادنا قدماء المصريين، وعرفوا أسرارها وأخبارها، وتمكنوا من كشف كنوز الذهب ومناجمها الغنية بالمعادن العظيمة، وبقي سرّ اكتشاف هذه الكنوز.

“في هذه الصحراء نشط المصريون القدماء والرومان في التعدين، فأينما تسير فيها تعثر على مناجم قديمة مهجورة، وتلمس مدى نشاط القدماء في هذه الناحية: فهذا منجمٌ للذهب، وذاك منجم قديم لأعمدة الجرانيت والرخام، وذا منجمٌ للزبرجد والفيروز، والساحل مليء بالمرجان؛ لذلك تعثر على آثار مدائن قديمة، وقلاع، ومحطات لإقامة الحراس من الجنود والأسرى من العمال، حتى على سفوح الجبال تشاهد الكتابات القديمة، من مصرية وإغريقية رومانية، تحكى قصصًا مثيرة وروايات”.

وقد قسم المؤلف كتابه إلى قسمين، تناول في القسم الأول الذي جاء تحت عنوان “ظلال تاريخية”، تناول فيه مقتطفات من تاريخ محافظة البحر الأحمر عبر حقب التاريخ المختلفة، من العصر والفرعوني وحتى عصرنا الحالي، فتناول موضوعات: دور هذا الإقليم كمعبر لملوك الفراعنة وتجارتهم إلى البلاد الواقعة على البحر الأحمر، وأهمها بلاد بونت (الصومال حاليا)، ثم تناول دور بطليموس الأول منشيء مدن البحر الأحمر، ثم تطرق إلى العصر الروماني حيث حمت الصحراء الشرقية آلاف الرهبان من اضطهاد الرومان، من أمثال القديس أنطونيوس، مؤسس الرهبنة في العالم كله، والقديس بولا، وكلاهما لهما دير كبير بالقرب من مدينة رأس غارب، يؤمه الآلاف للزيارة والتبرك.  ثم جاء الفتح الإسلامي لمصر، وقد شكلت مدن البحر الأحمر مدخلاً لعبور القبائل العربية التي انتشرت في مصر كلها، وبخاصة في الوادي والدلتا وساحل البحر الأحمر.

ثم عرج المؤلف ليتحدث عن ميناء عيذاب الذي نشط في النصف الثاني من العصر الفاطمي وتحول إليه طري الحج بعد احتلال الصليبيين للشام، ومنذ هذا التاريخ أصبح عيذاب الثغر الرئيسي للحجاج المغاربة والمصريين، والمرسي التجاري المهم للحط والإقلاع بالنسبة لتجارة الكارم.. وقد زار عيذاب العديد من المؤرخين والرحالة والأعيان من أمثال ابن جبير، والشاعر ابن قلاقس، وأبوالحسن الشاذلي، وابن بطوطة وغيرهم واستمر الميناء يؤدي دوره حتى نهاية عصر المماليك الجراكسة.. ثم تناول المؤلف تاريخ الاقليم في عهد الظاهر بيبرس، ثم زحف رويداً رويداً حتى رسا إلى شاطيء التاريخ الحديث، فتناول تاريخ الاقليم في القرن الثامن عشر، حيث نشط ميناء القصير، فتحدث عن مقاطعة جمرك القصير، ثم تحدث عن البحر الأحمر زمن الحملة الفرنسية على مصر سنة 1898، وعبر مدنه تدفق الآلاف من المتطوعين العرب من الجزيرة العربية ليجاهدوا إلى جانب أخوانهم المصريين ضد حملة نابليون والتي منيت بخسائر ولم تحقق إنجازا يذكر، وأخفقت في كل المعارك وذلك بفضل بسالة أهالي الصعيد والمتطوعين من الجزيرة العربية الأمر الذي دفع نابليون إلى محاولة غزو القصير، ليقطع هذه الامدادات عن الصعيد فأخفق أيضاً في النهاية، وتناول المؤلف أيضا البحر اللأحمر زمن الوالي محمد على باشا، وعندما أرسل قوات لمحاربة الحركة الوهابية بالجزيرة العربية أرسلها عبر النيل إلى قنا ثم إلى القصير..

ثم خصص المؤلف فصلاً للحديث عن “الدور الوطني لمحافظة البحر الأحمر” حيث وقف أهالي البحر الأحمر إلى جانب القوات المسلحة في كل الحروب التي خاضتها مصر وضحوا بالنفس والمال في سبيل رفعة مصر، وقد شهدت المحافظة العديد من المواقع منها: موقعة السفينة دمياط وطولة المقاتل شاكر وذلك أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وعقب هزيمة يونيو سنة 1967، كان للإقليم دور حيوي في حماية الأهداف الاستراتيجية في عمق البلاد في الصعيد، ثم شكل الاقليم انطلاقا للعمليات الفدائية ضد الأهداف العسكرية للعدو في سيناء والتي قامت بعض الوحدات وبمساعدة الصيادين.. وكانت ذروة هذه المعارك معركة شدوان المجيدة التي اندحر العدو في النهاية بفضل تكاتف المواطنين مع رجال القوات المسلحة…

وفي القسم الثاني والذي جاء تحت عنوان “حكاية أهلنا” نشأة مدينة الغردقة ومظاهر الحياة بها في النصف الأول من القرن العشرين، ثم تحدث عن زيارة الملك فؤاد لمدن البحر الأحمر، والتي تمت في الأسبوع الأخير من عام 1926، وموضوعات أخرى مثل: الصيادون في الغردقة وسنوات من النضال والكفاح، وسياحة السفاري وطقوسها في صحراء البحر الأحمر، حيث يستطيع السائح أن يعيش لساعات حياة الصحراء الشرقية وما تحويه من مشاهد خلابة كالجبال والحيوانات وحياة البدو..

 ثم تناول المؤلف حياة رجال من هذا الأقليم وكانت لهم بصمات في تنميته على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي والفني.. فها هو الفريق يوسف عفيفي القائد العسكري الهمام الذي كان قائداً من طراز فريد وقد شهد الحروب التي خاضتها مصر منذ تخرجه في الكلية الحربية سنة 1948، ويذهب إلى الحرب مباشرة ويحاصر في الفالوجة، ثم يعود ليكون أحد الضباط الأحرار الذين صنعوا ثورة 23 يوليو 1952، وانتهى دوره بالنجاح الباهر في حرب السادس من أكتوبر 1973، حيث كان قائدا للفرقة 19 مشاه، والتي دمرت العديد من نقاط خط بارليف وحمت السويس، وكان له دوراً عظيماً في التنمية عندما تولى محافظ البحر الأحمر في مطلع عام 1981، وكانت مدنه أشبه بالنجوع في صعيد فعمل على تنميته السياحية في خطة طويلة المدى وقد أتت أكلها بعد بضع سنين، فكل ما تعيشه الغردقة ومدن البحر الأحمر من نهضة سياحية يرجع الفضل فيها إلى الفريق يوسف عفيفي …

 ثم تحدث المؤلف بعد ذلك عن المحافظ الشهيد حسن كامل محمد والذي استشهد يوم حادث الزعفرانة في 9 سبتمبر 1969، والدكتور سيد كريم الخبير العالمي في تخطيط المدن والذي تبرع بتخطيط الغردقة دون مقابل.. وكذلك الدكتور حامد جوهر منشيء وراعي معهد الأحياء المائية بالغردقة، كما تحدث عن العارف بالله سيدي أبي الحسن الشاذلي وذلك في مرآة مؤرخ البحر الاحمر كمال الدين حسين همام والذي ألف سفراً نفيساً عنه. ثم تحدث عن الباحثة المغامرة نادية بدوي ورحلتها التي قامت بها في الصحراء الشرقية انطلاقا من مدينة أسوان حتى وصلت إلى مدن البحر الأحمر، وقد دونت هذه الرحلة كتاب بعنوان “يوميات باحثة في الصحراء الشرقية” … ثم تحدث عن الشيخ الشعراوي في البحر الأحمر، ودوره في التنمية حيث أقنع بعض رجال الأعمال العرب لإنشاء محطة لتحلية المياه في الغردقة في السنوات الأولى للتنمية، كما تحدث عن رموز ثقافية ظهرت في هذا الاقليم على رأسهم الشاعر الكبير جلال الأبنودي، والشاعر محمد كمال هاشم، والشاعر رمضان الخطيب، والشاعر محمد أبوالفتوح، والشاعر جمال بدوي، والشاعر محمد يوسف أبوعلي، والشاعرة نادية جبران، والمؤرخ محمد رفيع، والأديب إبراهيم خطاب.. وغيرهم ..

وقد عاش المؤلف زهرة حياته في محافظة البحر الأحمر، وزار مدنه كلها من شمالها لجنوبه، وزار الصحراء الممتدة الشاسعة، والمزارات السياحية والقرى  وارتبط برجاله، وعمل في الصحافة، ومنها جريدة “البحر الأحمر” التي كانت تصدر بالتعاون مع مؤسسة أخبار اليوم برئاسة تحرير الأستاذ سليمان قناوي، فهذه الفصول في الأساس نُشر أغلبها مسلسلة بجريدة “البحر الأحمر” خلال عام 2010م، وصدر منها 24 عددًا، وأبحرعبرها في تاريخ إقليم البحر الأحمر، من خلال لقاء شخصيات عاصرت هذا التاريخ، وكانت شاهدة عيان عما حدث، في الفترة التي تحدث عنها. وظل ينقب عن هؤلاء، يذهب إليهم في أي مكان يقطنون، يسترجع معهم هذه الذكريات، فخرج بكنز تاريخي ثمين، كاد يضيع إنْ غاب هؤلاء من دون أن يدلو كل واحد منهم بدلوه، ويسهم في كشف الخبء.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here