أن نقرأ عبد الناصر الآن

mohamad-mouhsen-amer

محمد محسن عامر

كان الثامن و العشرين من شهر أيلول سبتمبر 1970 لحظة محددة في تاريخ العالم العربي , الفارق في اللحظة ليس الموت الشخصي لعبد الناصر  و دبابات النظام الأردني تدك معاقل المقاوميين  الفلسطينيين في عمّان . و إنما كونها كانت دلالة شديدة الرمزية لوصول المشروع التحرري العربي لأخر لحظات أزمته . بعد نكسة ال1967  و تحول القضية الفلسطينية عبئا على أنظمة سقفها التحرري عاجز على تجاوز أفق التسويات مع القوى الكبرى لا قيادة حركة التحرر الوطني , و صولا إلى التشكيك في لا واقعية المشروع الوحدوي التحرري في حد ذاته .

كان ظهور عبد الناصر على الساحة العربية  جزءا من مشهد عالمي أوجد شبابا يافعيين يرتدون بزات عسكرية يجيدون الجملة السياسية الإشتراكية أو المعادية للإمبريالية و  بحس سياسي وطني معادي للإستعمار . في مواجهة خروج القوى العظمى من الحرب العالمية الثانية و نجاحها في تجاوز مخلفات الحرب و الإتجاه نحو عقد مساومات داخلية مع القوى الإجتماعية التي من الممكن أن تمثل تهديدا على بنية النظام الرأسمالي في المراكز الرأسمالية  و فتح عهد جديد  من التشكل الرأسمالي في مواجهة صعود الحركات التحررية في الأطراف و نجاحها في انتزاع استقلالها  و بالتالي تشكل نظام عالمي جديد نقل التناقض و حلبة الصراع بين القطبين المتشكلين , الإتحاد السفياتي والولايات المتحدة الأمريكية نحو الأطراف بين مشروع تصدير المشروع الإشتراكي و محاولة تطويق المد اليساري المعادي للهيمنة الغربية الذي اجتاح العالم .

كان وصول الظباط الأحرار إلى سدت الحكم في مصر طيا تاريخيا لأدوار سياسية لقوى سياسية سابقة كالوفد الذي اتجه إلى عقد مساومات مع المستعمر و عجز على مسايرة تمدد الموجة التحررية بسقف إنهاء الوجود البريطاني و تحقيق الإستقلال . و عجز مراكز القوى الإجتماعية التقليدية عن التحول لبؤر رفض ثوري قادر أن يوجه الطموح الجماهيري الإستقلالي . بالتالي كانت الكلمة الأخير في نهاية المطاف لقوة العسكر ذات التلوين الإجتماعي غير التقليدي المنحدر من أسر برجوازية صغيرة متعلمة ذات حس سياسي عالي .

التفكير في النكسة هو تفكير في أسبابها الموضوعية , لا النكسة بمعناها العسكري و لكن بمعناها التحرري و النهضوي . لماذا وصل المشروع التحرري بنا إلى هذا المطاف ؟ لماذا عجزت شريحة العسكر في مصر و سوريا و الجزائر و مصر و اليمن على تحقيق مهام التحرر بمعناها الوطني و الإجتماعي و الديمقراطي ؟ هل أن السبب هو قصور بنيوي في قيادة الثورة و حاضنتها الإجتماعية أم أن موازين القوى خارجيا هي السبب في النكسة ؟ كيف يمكن أن نفكر في عبد الناصر كمشروع تحرري في خضم التحول الجديد لموازين القوى العالمية ؟ أي كيف يمكن أن نستوعب المهام التحررية التي مازالت تحافض على راهنيتها في الإستقلال الفعلي السياسي عن القوى الرأسمالية و تحقيق التقدم و التنمية المتمحورة على الذات و التوحيد القومي و تحرير فلسطين بأليات و أدواة راهنة ؟

عبد الناصر مثله مثل كل القوى التحررية التي وجدت في كل العالم العربي و أسيا و أمريكا اللاتينية كانت أكثر من أنها قوى سياسية إرادات نهضوية حاولت نقل المشروع المهزوم نحو الثورة , أي أنه كان بداية السياسة بمعنى كونها قوة تحرر و تغير لا كقوة محافظة على القديم و السائد . بالتالي إحياء المشروع النهضوي هو استحظار لنفس المهام التحررية التي أوجدت قوى التحرر القومي و الإجتماعي و لكن بوعي نقدي يعي أسباب الهزيمة و رؤية سياسية راهنة لتحول حلبة المعركة و تطور الأسلحة و تغير تكتيكات الأعداء , و تحول أليات المجابهة مع عدوة نجح في نقل المعركة  من ثكنة كبيرة تسمى الكيان الصهيوني إلى انعاش سرطان الإسلام السياسي و بالتالي نقل المعركة نحو عمق الجسد العربي .. لذكرى عبد الناصر السلام ..

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. [ إلى انعاش سرطان الإسلام السياسي ] . هذه العبارة هي لبّ المقال. فخراب الوطن العربي من محيطه إلى خليجه هو سرطان الإسلام السياسي، الذي استعمله الاستعمار الغربي في تدمير كل مسار نهضوي وتقدمي واجتماعي ، حيث وجده معول هدم و تشتيت وتخريب، بل روح ملح، لإفناء الأمة العربية عن بكرة أبيها. فالإسلام السياسي هو الذي قتل المشروع الناصري وقائده عبد الناصر ، كما قتل مشروع بومدين في الجزائر بعد قتله شر قتلة ، وكذلك تدمير صدام حسين و مشروعه. فهذا السرطان جعل من الوطن العربي ورقة في مهب الريح، تتقاذفها أرجل الاستعمار الغربي بكل لذة و أريحية تحت إشراف حكم صارم هو إسرائيل. فمصير الوطن العربي بأيدي الوطنيين العرب الشرفاء ، ويجب أن يخرجوا للعلن لمواصلة المسيرة النهضوية التي بدأها عبد الناصر و بومدين و صدام. فالقناع قد سقط وظهر الخونة جليا لكل مواطن عربي شريف. فالشعوب العربية قد اكتوت بنار هؤلاء الخونة ، وأخذت دروسا قاسية مؤلمة من هؤلاء المقنعين بالإسلام الحنيف. فالوطن العربي في حاجة ماسة للوطنيين الشرفاء لنجدته من شر هؤلاء المغامرين. و السلام على كل وطني شريف كريم أبيّ.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here