أنس السبطي: كيف تجرأت السلطة المغربية على استهداف المساجد؟

 

أنس السبطي

منع صلاة التراويح واستمرار إغلاق النسبة الأكبر من المساجد ليست إجراءات عابرة رهينة بظروف الجائحة كما تروج الآلة الدعائية المخزنية والتي لا تصمد مبرراتها التي لا تقنع حتى طفلا صغيرا أمام الوقائع الثابتة، فمن يخاف حقيقة على المغاربة من الجائحة عليه أن يفتح كل المساجد ويضيف عليها فضاءات أخرى للمساهمة في تقليص الاكتظاظ كما يحدث في صلاة الجمعة وليس العكس، وعلى إجراءاته أن تكون عامة على كل الفضاءات وأن تتناسب اطرادا مع تطور الحالة الوبائية لا أن تتصف بالمزاجية التي لا تخضع لأي منطق وبالانتقائية التي استهدفت المساجد دون غيرها وقد بدا هذا واضحا في التأخر المتعمد في فك الحجر على بعضها.

الواقع أننا أمام توجه سلطوي سافر يتعمد استفزاز المغاربة ويمعن في إذلالهم عبر معاكسة إرادتهم في مختلف مناحي حياتهم، فالسلطة لم تكتف بالتضييق على معيشتهم والحجر على آرائهم واعتقال أو التشهير بصاحب أي رأي مخالف منهم أو ضربهم وسحلهم في الشوارع أو الارتماء في أحضان الصهاينة أو المتاجرة في أعراضهم أو جعل البلاد قبلة للحشاشين، ففي نفس الوقت الذي كانت فيه تسحق كرامة الإنسان المغربي في هذه المجالات كانت أيضا تعبث بالواجهة الروحية وتفقد المجتمع بشكل مقصود مناعته وتوازنه.

النيل من هوية المغاربة لم يبدأ اليوم فهو مسلسل قديم تم التسريع من وتيرته مؤخرا بعد التأكد من أن مقاومة الممارسات المخزنية في هذا الشأن أصبحت في أدنى مستوياتها، حيث اشتغلت الدولة المغربية منذ عقدين على الأقل على توفير الأرضية الملائمة لتوجهاتها بخلق جيل من “المتدينين” الطيعين المهادنين لها على مدى سنوات بعد أن كانوا يشكلون تحديا حقيقيا يضرب شرعيته بخلاف اليسار المعارض الذي سهل إحراجه أمام المجتمع، ذلك أن الإسلاميين حملوا وقتها مزاجا متمردا على التدين التقليدي وفضحوا زيف ادعاءات السلطة بخصوص مرجعية المغاربة حتى الذين لم يتبنوا منهم توجها سياسيا معارضا له (بعضهم بلغت به عدم الثقة في الإسلام المخزني أنه كان يصوم ويفطر على غير ما تقرر الأوقاف).

نجح الإسلام المخزني نجاحا باهرا في احتواء قطاع واسع من الإسلاميين واستطاع توظيف بعض المكونات الإسلامية في تغيير جلده من خلال إدماج جيل شاب من الأئمة والفقهاء والمرشدات الدينيات المنتسبين إلى الحركة الإسلامية أو المتعاطفين معها والعمل على تدجينه بإقحامه في الموجة الاستهلاكية السائدة، فقد تعمد غواية فئة منهم باستضافتهم المتكررة في الفنادق الفاخرة ودعوتهم إلى الولائم الفخمة ووفر لبعضهم عددا من الامتيازات الخاصة ببعثات الحج وبعثات رمضان في أوروبا وغيرهما، هذا ناهيك عن ريع المجالس العلمية كما وظف عددا منهم إعلاميا في قناة السادسة وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، كل هذا أسهم في صناعة جيل متشوف للارتقاء بمكانته المادية والاجتماعية والذي تنقصه الكثير من الرزانة ومن الوقار والذي يبالغ في الاجتهاد لتمرير دعاية السلطة مستثمرا قدراته التواصلية والمعرفية الكبيرة مقارنة بما كان عليه الحال مع الأجيال القديمة، وليت كل مجهوداته تلك أهلته للترقي في سلم اتخاذ القرار المخزني حيث لا تتجاوز مكانته مكانة أعوان أعوان السلطة.

الطريف أن إسلامي الأوقاف في الوقت الذي كانوا يتعرضون فيه للمسخ المخزني اعتقدوا أنهم يخترقون مؤسسات الدولة وأنهم يفرضون نموذجهم الدعوي والتربوي عليها، والأسوأ في هذا التحول النخبوي أن رخاوتهم وميوعة خطابهم انعكست على جمهور واسع ممن يؤثرون فيهم. على أن المؤسف أيضا أن الأطراف الإسلامية المستبعدة والمسلط على أعضائها سيف الإقصاء والعزل هي بدورها انكفأت وسادت في أوساطها نبرة مهادنة هجينة انشغلت بالبحث عن مسوغات تربوية لتصالح غير معلن مع السلطة المخزنية عبر التخفيف من لهجتها المعارضة لها.

لا غرو إذا أن الصفعات التي يتلقاها التيار الإسلامي اليوم من طرف الدولة المخزنية التي استهدفت ثوابته والثوابت الإسلامية عامة بات يتعاطى معها بالشكوى العاجزة وبالاستعطاف والاستجداء بعد أن كان قوة تهابه وتحاول مسايرة خطابه.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. ككل المغاربة لاافهم كيف يزعم بعضهم ان الامر مجرد اجراء وقائي حين يسوق زعم لا علمي ان صلاة التراويح فقط قد تكون سبا لانتشار كورونا ليلا في حين تستثنى جميع الانشطة والامكنة جميع التجمعات وفي جيمع الاوقات في تحد غاشم لدين الامة وروح الشهر المعظم كرونا اصبحت ورقة بيد السلطة المستبدة تعبد بها طريق التطبيع والتضبيع والتحشيش والقضاء على شيء اسمه المغرب والشعب المغربي ليكون مرتعا مريحا لصهاينة والمثليبن

  2. كمغربي، لا أعرف ما مشكلة الكاتب؟ هل الدولة مثلا تطلب من المغاربة الزيادة أو النقصان في الركعات أو الصلوات؟
    إسلام المغاربة هو نفس الإسلام في باقي الدول الإسلاميّة. الدولة تتدخل فقط لمنع تسييس التّديّن و المساجد
    الدّولة في كل الدول الإسلاميّة هي التي تنظم المساجد وفقا لمذهبها. في المغرب، وزارة الأوقاف الإسلاميّة هي المسؤولة عن تدبير المساجد والوقف والأئمة. هي من تدفع رواتب الائمة و المساجد مازالت مغلقة.
    إغلاق المساجد مردّه هو محاولة منع ٱنتشار كورونا و من يريد الصلاة في المساجد فلينتظر حتّى تنتهي الدولة من تلقيح المغاربة أو تحقيق مناعة القطيع و بعدها يمكن له أنّ يعتكف في المسجد أو يصلّى ما طاب له من الصلوات.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here