أمين بوشعيب: وزير العدل المغربي يدعو المجتمع إلى الانسلاخ عن هُويته: هل هي مقدمة للاباحية الجنسية والمثلية؟

أمين بوشعيب

ينص الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي على أن ” كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويُعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة “ وينص الفصل 489 منه أيضا، على أنه           ” يُعاقَب بالحبس، من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى ألف درهم من ارتكب فعلا من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه، مالم يكن فعله جريمة أشد” أما الفصل 222 فينص على أنّ ” كل من عُرف باعتناقه الدين الإسلامي وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عموميّ، دون عذر شرعيّ، يُعاقَب بالحبس من شهر إلى 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 200 درهم” 

هذه الفصول الثلاثة من القانون الجنائي المغربي، أثارت ولا زالت تثير عدة نقاشات تَفَرَّع عنها معسكران أو فريقان متجابهان: فريق يدعو إلى الإبقاء على مضمون الفصول الثلاثة المذكورة، وفريق يطالب بإلغائها جملة وتفصيلا.

الفريق الأول يرى أن المسَّ بمضمون هذه الفصول هو مسٌّ بأحد بالثوابت التي يتمسك بها المغاربة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التوقف فيها، لأن ارتكاب الأفعال المنصوص عليها في تلك الفصول والمجاهرة بها، تُشكِّل حسب رأي الفريق الأول، زعزعة لعقيدتهم ومسّاً بالدين الإسلاميّ، بل ويطالبون بمزيد من التشدُّد في تطبيق القانون في هذا المجال، وذلك لحماية المصالح العليا للمجتمع، وحماية كيان الدولة، وتحقيق مقاصد الدين الإسلامي وغاياته في ترسيخ الانسجام الروحي والائتلاف الفكري ومنع الشقاق والنزاع والشذوذ.

أما الفريق الثاني، المطالِب بإلغاء الفصول الثلاثة المذكورة، فيستندُ في ذلك إلى أن احترام الإنسان يقتضي احترام حريته، ويركّزُ على حق كل شخص في حريته الفردية التي يضمنها الدستور المغربي والقوانين والمواثيق الدولية، لذلك لا يجوز – حسب رأي هذا الفريق – الحجرُ عليها بمقتضى نصّ قانوني، أو حتى ديني، لأن الدين لا يتضمّن ما يفيد بضرورة سجن من أقدم على ارتكاب تلك الأفعال المنصوص عليها في تلك الفصول الثلاثة ويشيرون إلى الآية الكريمة التي تقرّر أنه “لا إكراهَ في الدين”.

وهناك من هؤلاء من ذهب أبعدَ من ذلك، فيرى أن المغربَ إذا أراد أن يلحق بركب الدول المتقدمة، فعليه إلغاء كل تلك العقوبات. ولعل أصحاب هذا المطلب يتماهوْن مع توصيات الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا التي طالبت المغرب بإلغاء تجريم العلاقات الجنسية المثلية أو بين شخصين مختلفي الجنس لا تربط بينهما رابطة زواج، خلال اجتماع لها في العاصمة الفرنسية باريس إثر تقييمها للشراكة مع البرلمان المغربي في إطار وضع “الشراكة من أجل الديمقراطية”

إن مثل هذا النقاش يُعتبر أمرا طبيعيا وظاهرة صحية، فالمشكلة في رأيي ليست في وجود خلافات وآراء متباينة داخل المجتمع الواحد، بل في الانحراف الذي قد تأخذه تلك الانقسامات التي قد ينتج عنها تزايد درجة التعصب والتشدّد في المجتمع وقد تتطور لا سمح الله فتفضي إلى اصطدامات عنيفة وصراعات وجود بين فريقين أو أكثر. لكن المشكلة أو المشاكل التي يمكن أن تقع، فهي التي قد تنتج بسبب تصريحات صادرة عن مسؤولين كبار في الدولة، تنحاز لهذا الفريق أو ذاك.

ففي الأسبوع الأول من هذا الشهر خرج وزير العدل المغربي محمد أوجار، بتصريحات يؤكد فيها أن المغرب مُقبل في المدى المتوسط أو البعيد على تعديل قوانين تجريم المثلية الجنسية والعلاقات خارج الزواج وتجريم الإفطار العلني في رمضان، معتبرا أن هذا التغيير يستدعي ” تهييء المجتمع بشكل تدريجي وبلا صدمة “

وقال السيد  الوزير، في حوار جديد له مع وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” إنه سجل بافتخار تراجعَ أعدادِ المتابعات التي يتم نقلها أمام القضاء، والمرتبطة بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والمثلية الجنسية ” رافضا إعطاء أرقام دقيقة في الموضوع. مضيفا ” أنه رغم طابعه المحافظ، فإن المجتمع المغربي والمحاكم يتجهون بشكل أكبر نحو احترام الحياة الشخصية للأفراد.”

وفي ختام حواره مع الوكالة الإسبانية وبانتهازية سياسوية، رمى السيد الوزير بمسؤولية استمرار تجريم العلاقات خارج إطار الزواج والمثلية الجنسية والإفطار العلني في رمضان، في ملعب الحليف الحكومي لحزبه، العدالة والتنمية، حيث أشار إلى أنه ينتمي لائتلاف حكومي مكون من ستة أحزاب، واعتبر أن حزب العدالة والتنمية، يحمل أفكارا محافظة، فيما يتعلق بالحريات الفردية.

من المعلوم أن وزير العدل عضو في ائتلاف حكومي، ومن المعلوم أيضا أن حزبه صادَق على وثيقة تعاقدية تعتبر مرجعا سياسيا وأخلاقيا يؤطر العمل المشترك للأغلبية على أساس برنامج حكومي. وهذا ما يفرض عليه وعلى جميع أعضاء الحكومة بالنظر إلى الوظائف التي يقومون بها، متابعة العمل من أجل تقوية دور المؤسسات الحكومية، وسيادة القانون، وتحصين المجتمع، وتعزيز الأمن والطمأنينة، وتشجيع الاستثمار، ودعم التنمية الشاملة والمستديمة. الشيء الذي ينبغي تجسيدُه في برنامج العمل الحكومي المُتعاقَد عليه.

إن ما اقترفه السيد وزير العدل محمد أوجار من خلال تصريحاته، يضرب في العمق مبدأ التضامن الحكومي، ويسيء إلى الحكومة برمّتها. ويسيء بشكل خاص للنظام الملكي المغربي، الذي تُعتبَر فيه السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية، وللملك الذي هو أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات.

لقد كنتُ أشرتُ في مقال سابق إلى أن بعض الوزراء في الحكومة المغربية الحالية، لا تهمُّهم سوى المناصبِ، ولا يحملون همّ التفكير في خدمة البلد الذي يعيش أزمة على المستوى التنموي، وطرحت حينذاك السؤال الذي يستوجب ممن يهمهم الأمر الإجابة عنه قبل فوات الأوان: هل بمثل هذه العينة من الوزراء يمكن أن نتحدث عن نجاح نموذج تنموي جديد؟

 واليوم أعيد طرح السؤال هل بمثل تصريحات وزير العدل التي كانت صادمة للمجتمع المغربي يمكن بناء هُوية وطنية منفتحة تستوعب جميع أفراد الوطن وتحفظ للبلاد استقرارها وتماسكها الداخلي؟

إن مهاجمة هُوية المجتمع، تصب كلُّها في المعركة ضد الهوية المغربية، التي صنعها المغاربة ورسخت منذ عصور، حيث كانت لهم اختياراتهم الدينية والوطنية، أجمعوا فيها على وجوب التزام النظام، وطاعة الحكام، واحترام مؤسسات الدولة، ومنع جميع أنواع الشذوذ. ومن خلال ذلك كان يتم تدبير شأن الأمة المغربية، وحفظ عقيدتها وممارسة شعائرها وعباداتها، وضمان وحدتها واستقرارها. وتجتمع هذه الاختيارات في العقيدة، والمذهب الفقهي، والسلوك التربوي، وإمارة المؤمنين، ومحبة الوطن ووحدته الترابية.

لقد كان أولى بالسيد الوزير، أن يتحمل مسؤوليته في الدفاع عن هوية الشعب المغربي، في حواره مع وكالة الأنباء الإسبانية، بل وفي كل خرجاته الإعلامية. فليس من العدل –  يا وزير العدل-  أن تتقاضى راتبك السمين من أموال الشعب، وتقوم بتحريضه ليتمرد على هويته وينسلخ منها!

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. إذا كان التقدم بالاباحية والحرية الجنسية لكانت دول امريكا اللاتنية تقدمة علي الصين

  2. لماذا يدعو الوزير
    اذا كان المجتمع اصلا منسلخ

  3. إنّ المواضيع التي يطرحها بعض الكُتّاب و المفكِّرين المغاربة لا تمُسُّ في الجوهر الهموم و المشاكل التي يتخبّط فيها الشعب المغربي من فقر و عطالة و توفير تعليم جيِّد لأبناء الوطن و الخوض في معضلة الصّحّة و هدر للمال العام و نهب الثروات و الديمقراطية و الحرية و العدالة الاجتماعية التي تصبو إليها كل الشعوب العربية بالإضافة إلى الفساد المستشري في دواليب تدبير الشأن العام و استرجاع الأموال العامة المنهوبة و ما إلى ذلك من الأمور الهامّة . أمّا عن مسألة العهارة و الدعارة و ” القوانين ” التي تُجرِّم ذلك فهي أمور تافهة لأن الشعب المغربي محافِظٌ بطبعه و لكن الفقر المدقع الذي تعيشه فئة عريضة هي السبب الرئيسي في تفشّي هذه الظاهرة المشينة ، ألا يُدرك الكاتب أن الحانات لبيع الخمور و الملاهي الليلية المنتشرة في المغرب و التي تُمارَِس فيها جميع الرّدائل من شرب الخمور و رقص و دعارة … ألا يدرك الأخ الكاتب بأنها مُرخَّص لها من طرف السلطات المغربية ؟؟ كفى من الإطناب في قُشور الأشياء دون جوهرها !!

  4. صدق بن خلدون عندما قال المغلوب دائما مولع بتقليد الغالب،فمثل هذا الوزير المتسلط على الشعب المغربي الذي لم يسوط عليه أبدا يجب أن يغلق فمه،وليتمتع بأجره السمين بالإضافة إلى التعويضات التي يتقضاها من أموال دافعي الضرائب المغاربة

  5. فيرى أن المغربَ إذا أراد أن يلحق بركب الدول المتقدمة، فعليه إلغاء كل تلك العقوبات : اللحاق بها فيماذا تحديدا : في الاباحية و المجون!؟ أين هم أحفاد عبد الكريم الخطابي؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here