أمين بوشعيب: هل يعود مستثمرو الجالية المغربية من حيث أتوا؟

أمين بوشعيب

ربما يحمل السؤال أعلاه جزءا غير قليل من التشاؤم، إلا أن الحقائق التي على أرض الواقع تمنح هذا التشاؤم شرعية وتجعل منه شعورا مبررا. فحملة إرهاق المستثمرين من مغاربة العالم بالضرائب، تسير وفق وتيرة متصاعدة، باتت تهدد مصالح الكثير منهم، ومهدت لتحويل مدخراتهم إلى صندوق مفتوح تغرف منه الحكومة ما تشاء، ومتى تشاء لتغطية العجز الهيكلي المزمن للميزان التجاري المغربي، وعدم استقرار الاحتياطات الأجنبية من العملات الصعبة.

 ويبدو أن هناك الآن شعورا لدى الكثير من المستثمرين من مغاربة العالم أن ما تقوم به الدولة المغربية ينسف كل تلك الشعارات والدعوات التي صدقوها إبان تولي الملك محمد السادس حكم المغرب، حيث أعلنت الحكومة المغربية آنذاك أنها ستنهج سياسة ثقافة القرب في التنسيق والتواصل مع الجالية المغربية المقيمة بالخارج، للتفاعل مع كافة انشغالاتها وتشجيعها على تحقيق مشاريعها والقيام بدورها المُنتِج في تنمية الاقتصاد الوطني.

لقد مرَّت مشاريع مغاربة العالم الذين استثمروا أموالهم بأرض الوطن، عبر مجموعة من المراحل الإدارية المعقدة للحصول على الرخص اللازمة، وبعد ذلك انتظروا ثلاث سنوات على الأقل، للشروع في جني الأرباح، وهي أرباح غير خالصة لأن الدولة أصبحت شريكة لهم في تلك الأرباح بنسبة كبيرة قد تتجاوز ثلاثين في المائة. وللإشارة فالسنوات الثلاث المشار إليها هي أقل مدة لتطوير العلاقات مع البنوك والإدارة التي تعاني من مشكلة خطيرة ألا وهي الفساد الإداري)

بالإضافة إلى المعوقات الإدارية يصادف مغاربة العالم كذلك معوقات عقارية، بحيث تعتبر هذه المعوقات من أهم الأسباب التي تحول دونهم والإنعاش الاستثماري بأرض الوطن، بسبب تخوفهم من المشاكل التي تتعلق بالقانون المعقَّد الذي يحكم النظام العقاري في المغرب وبسبب الضغط الضريبي وتعدد وتنوع الجبايات التي تفرضها الدولة في هذا المجال.

بعد كل هذا، هل من الجائز أن تكون الحكومة المغربية صادقة ونزيهة مع نفسها حين تتحدث بإصرار وربما بغرور عن الاستثناء المغربي في التعامل مع الهجرة، وعن السياسة الحكيمة في التعامل مع الجالية المغربية التي تعتمد الصدق والصراحة والكشف والمكاشفة، وعن الخطط الحكومية في العمل التشاركي وإبداع الحلول في إطار الشراكات بين الحكومة وممثلي الجالية؟

 في الأسبوع الماضي أُتيح لي عندما كنت في زيارة للأهل والأحباب بالمغرب، فرصة للنقاش مع مستثمر مغربي من إيطاليا، حول المعاناة التي أصبح يعيشها بعد سنوات من استثمار أمواله في المغرب، بسبب تعثر تجربته وانتهائها إلى واقع مرير، حيث أكد أنه لا يمكن الحديث عن معاناته دون ربطها بالمشكلة الأكبر التي يعاني منها المستثمرون من الجالية المغربية وهي إثقالهم بالضرائب والمراجعات الضريبية والجبايات المتعددة والمتنوعة.

وأكد لي نفس المتحدث، أنه ليس ضد الضرائب، فالضريبة – كما قال – مُساهمة ماليّة إلزاميّة يتمُّ فرضها على ذوي الدخل من أجل الحصول على دعم ماليّ للخدمات التي تُقدّمها الدولة، لكنه ضدَّ توسيع قاعدة التحصيل الضريبي، على حساب الذين يؤدون ضرائبهم بشكل منتظم وهم ملتزمون بالأداء، وكان الأجدى – حسب رأيه – أن تقوم الحكومة ومصالحُها المكلفة بالجبايات أن تصل إلى الذين لا يؤدون الضرائب أصلا، إما تهرُّباً وإما لدوافع سياسية وزبونية. ثم أردف قائلا والحزن بادٍ على محياه: لا يعقل أن تقوم الدولة بالإنفاق بشكل باذخ وغير مبرر على البعثات الدبلوماسية إلى خارج الوطن، وعلى عقد المؤتمرات والوفود الكبيرة المشاركة بها، وعلى تخصيص الامتيازات والتعويضات الضخمة للموظفين السامين، وعلى معاشات البرلمانيين والوزراء السابقين وبعد ذلك تلجأ إلى جيوبنا لتغطية وسد ثقوب الميزانية؟ !

في مقدمته الرائعة يحذر ابن خلدون  من قلة رغبة الناس عن العمل،  وذهاب الأمل من نفوسهم إذا قارنوا بين نفعه  – أي العمل -والضرائب التي يدفعونها، فتنقبض كثير من الأيدي عن العمل جملة، وتنقص بسبب ذلك الجباية ( ما يصطلح عليه حديثا بعجز الميزانية) ولمعالجة الأمر تضطر الدولة إلى الزيادة في الجباية إذا رأت  النقص في المداخيل، ويحسبونه جبرًا لما نقص، حتى تنتهي كل وظيفة إلى غاية ليس لها نفع ولا فائدة لكثرة الضرائب عليها، فلا تزال  تلك المداخيل في نقص والجبايات  في زيادة، إلى أن ينتقص العمران بذهاب الفائدة المرجوة منه، ويعود وبال ذلك على الدولة لأن فائدة الاعتمار عائدة إليها.

أرجو أن تفهم الدولة المغربية ذلك وتدرك أن أقوى الأسباب في الاعتمار والاستقرار، هو تقليل الضرائب على المستثمرين، ما أمكن، فبذلك تنبسط آمالهم وتشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها”.. وإلا فقد يضطروا إلى الانتشار في أرض الله الواسعة.

إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. هل يعتبر الاستثمار في المقاهي استثمارا يهدف الى التنمية ….. ما هو عدد الوظاءف الثابتة التي ينتجها هذا النوع من الاستثمار ….و حبذا لو تفضل السيد الخبير بإخبارنا عن نسبة الضراءب في إيطاليا

  2. جزاك الله خيرا عن طرح هذا الموضوع فكمهاجر مغربي الأكثر من ثلاثين وبعد محاولة للاستثمار في المغرب لا اتكلم عن العراقيل التي قد تفوق الخيال والفساد الاداري وووووو وبعد خسران مبالغ مهمة حولت وجهتي الى بلد اخر والحمد لله وجدنا تسهيلات مهمة جدا نسال الله التوفيق وندع الله الاصلاح للوطن ان بقي هناك وطن.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here