أمين بوشعيب: لماذا يشمت البعض باستشهاد سليماني؟

أمين بوشعيب

يقدم مبدأ القِصاص تفسيرا قويا ومتينا للخطوات التي يجب تبنيها للحد من الجريمة بأصنافها المختلفة، وللتقليل من آثارها التخريبية على الإنسان والعمران ككل. فالعقوبة الرادعة للمعتدين والمجرمين عادة تكفي مؤونة التحري والتدقيق في النوايا للعثور على أسباب ثانوية للجريمة، ثم الدخول في حلقات مفرغة من مشاريع المعالجة لظاهرة الإجرام.

ففي الأسبوع المنصرم، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية، باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني على إثر ضربة جوية بمطار بغداد، لا تزال ردود الفعل تتوالى، وتتباين من جهة إلى أخرى.

هل يجدر توظيف الاغتيالات من أجل نشر السلام في منطقة الشرق الأوسط، كما يدعي البعض؟

وهل في مثل هذه الحالة تجوز الدعوة إلى ضبط النفس والتحلي بالمسؤولية لوقف التصعيد بين الجانبين من أجل تجنيب المنطقة ويلات الحرب؟

ام هل تبدو الحاجة اليوم – أكثر مما مضى – إلى إعمال مبدأ الْقِصَاص من المجرمين الذين قاموا بقتل سليماني، ولا يتورعون في قتل أي شخص يرونه خطرا عليهم وعلى مصالحهم؟

فعندما اتخذ ترمب قرار الاغتيال، وهو قرار خطير جدا لم يكن يأبه للسلام ووضع حد للحرب في المنطقة كما يزعم، وإنما من أجل مصالح انتخابية فقط، لأنه أصبح يعيش في وضع لا يحسد عليه، إذ يعاني من مشاكل داخلية قد تودي بمحاكمته ثم فقدانه لوجوده الرئاسي، وذلك بعد أن تمّ توجيه اتهامات رسمية له باستغلال السلطة وعرقلة عمل الكونغرس. لذلك قام باقتراف جريمته النكراء هاته.

وعودة إلى ردود الفعل على مقتل سليماني نجد أن الحكام العرب بصفة عامة لم تكن لهم ردود قوية تجاه هذه الحماقة التي ارتكبها الرئيس الأمريكي، فأمن المنطقة يعنيهم بالدرجة الأولى، ومع ذلك اكتفوا ببيانات خجولة تدعو الأطراف المعنية إلى أهمية ضبط النفس لدرء كل ما قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع بما لا تحمد عقباه، معربين في نفس الآن عن شعورهم بالقلق الشديد من التبعات والمخاطر على مجتمعاتهم واقتصاداتهم.

لا شك أن هذه الجريمة ستكون لها تداعيات ليس على منطقة الخليج والشرق الأوسط فحسب، وإنما ستمتدّ إلى باقي مناطق العالم. ولا شك أيضا أن دول الخليج الداعمة لسياسة ترمب هي التي ستكون أكبر المتضررين من هذه التداعيات.

إن الولايات المتحدة الأمريكية التي تحمل جينات الإجرام منذ تأسيسها، بارتكابها لهذه الجريمة النكراء، تعتبر خارجة عن القانون بداعي المنحى الإجرامي والإفساد فوق الأرض، لذلك وجب الاقتصاص منها. لأن القِصاص هنا، لا يقف عند إنهاء الإجرام كفعل ضارّ، ومعاقبة فاعله بما اقترفت يداه، بل يتعدّى إلى غاية كبرى وهي المحافظة على سلامة الأنفس من القتل وصيانتها، استتبابا للأمن والسلام، مصداقا لقوله تعالى: ” ولكم في القِصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون “

من هذا المنطلق، نقول إن مبدأ القصاص يُمثل قاعدة تربوية زجرية، ليس على مستوى العلاقات بين الأفراد فحسب، بل حتى بين الدول. لذلك فإن محاسبة الولايات المتحدة الأمريكية، ستمنعها من تَكرار جريمتها بل جرائمها، خصوصا وأن إيران تمتلك وسائل الردع، التي يجب استخدامها لكيلا تتمادى أمريكا في غيّها وغطرستها التي فاقت كل الحدود. ونأمل أن يكون الرد الإيراني بإطلاق عدد من الصواريخ الباليستية على قاعدة عين الأسد، والتي تضم قواتٍ أمريكيةً في غرب العراق وتدميرها تدميرا كاملا، بداية لمزيد من الضربات الموجعة لقوات الاحتلال الأمريكية، من أجل إخراجها من المنطقة، في انتظار أن يقوم المقاومون الأحرار، بدحر الاحتلال الصهيوني الذي يعتبر سبب الويلات والشرور التي تتعرض لها المنطقة. وأظن جازما أن استهداف ترمب للواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس، كان دافعه الأساس، أن يقدم دمه للوبي الصهيوني تزلفا، وذلك بسبب الدور الكبير والبارز الذي قدمه الرجل في دعم المقاومة الفلسطينية في مختلف المجالات.

فلاش: مباشرة بعد الإعلان عن استشهاد قاسم سليماني، خرج بعض الأشخاص ممن ينتسبون إلى السُّنة بتدوينات تفوح منها رائحة الشماتة والتّشفي في مقتل الرجل، فكأنهم بفعلهم هذا يقفون بقصد أو بغير قصد مع أمريكا، وتشجيعها على ارتكابها للمزيد من الجرائم والانتهاكات، بيد أن الإسلام نهانا عن موالاة الظالمين والركون إليهم، ونهانا ألّا نشمت بموت أحد، مهما اختلفنا معه، لأن التشفِّيَ بالموت ليس خُلقا إنسانيًّا ولا دينيًّا. أرجو أن يراجع هؤلاء موقفهم، ويعلنوا إدانتهم الصريحة لهذا العمل الجبان الذي اقترفته الأيادي الأمريكية الآثمة، ويطالبوا بقطعها إبراء لذمتهم.

كاتب مغربي مقيم في إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. * العبرة لمن إعتبر *

    إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ..
    فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

    والحق يعلى ولا يعلى عليه
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here