أمين بوشعيب: لماذا توعّد ترامب المحكمة الجنائية الدولية؟ ويعتبرها غير شرعية؟

أمين بوشعيب

يوم الجمعة الماضي وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في بيان رئاسي، تحذيرا للمحكمة الجنائية الدولية باتخاذ أية إجراءات من أجل محاكمة المواطنين الأميركيين أو الإسرائيليين، وذلك على خلفية شكوى قدمها الفلسطينيون تطالب بإجراء تحقيق دولي في انتهاكات إسرائيل بحقهم، وتوعدها بردّ قوي تجاه أي محاولة منها، لاستهداف الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي من حلفائها، واصفها المحكمة ب “غير الشرعية”.

ويعود تأسيس المحكمة الجنائية الدولية إلى سنة 2002  بعدما وافقت مائة وعشرون دولة في اجتماع للجمعية العمومية للأمم المتحدة في إيطاليا على ما يعرف بميثاق روما، الذي يعتبر أن ملايين الأطفال والنساء والرجال في القرن العشرين – الذي شهد حربين عالميتين- قد وقعوا “ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزت ضمير الإنسانية بقوة” وأنه شهد “جرائم خطيرة تهدد السلم والأمن العالمي” وأن مثل هذه الجرائم لا يجوز أن تمر دون عقاب.

لذلك جعلت من أهم اختصاصاتها متابعة الأفراد المتهمين بـ:

– جرائم الإبادة الجماعية، وتعني حسب تعريف ميثاق روما، القتل أو التسبب بأذى شديد بغرض إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية إهلاكا كليا أو جزئيا.

– الجرائم ضد الإنسانية، وهي أي فعل من الأفعال المحظورة المنصوص عليها في نظام روما، إذا ارتكب بشكل منظم وممنهج ضد مجموعة من السكان المدنيين، مثل القتل العمد والإبادة والاغتصاب والإبعاد والنقل القسري والتفرقة العنصرية والاسترقاق.                                                                                                                                 – جرائم الحرب، وتعني كل الخروقات المرتكبة بحق اتفاقية جنيف لسنة 1949، وانتهاك قوانين الحرب في نزاع مسلح دولي أو داخلي. والآن نعرّج على السؤال الذي طرحناه كعنوان لهذا المقال: لماذا يتوعد ترامب المحكمة الجنائية الدولية؟ ويصفها بغير الشرعية؟

بلمحة بسيطة إلى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية القصير- الذي لا يتجاوز ثلاثة قرون  – نجد أن سجلها الجنائي مليء بكل أنواع الجرائم التي تحدث عنها ميثاق روما، و مليء بعدد هائل من الحروب لم يسبقه عليها أية دولة في العالم، وبحسب الوثائق والإحصائيات فإن 93 بالمئة من عمر الولايات المتحدة هو عبارة عن حروب شنتها على شعوب العالم، فهي لم تكتف بإبادة ملايين الهنود الحمر، السكان الأصليين لأمريكا، بل استمرت بحروبها الدموية ضد الشعوب والدول في مختلف بقاع  العالم في أفريقيا السوداء وفي اليابان وفي فيتنام وفي أفغانستان وفي العراق وفي سوريا، حيث أن ضحاياها خلال هذه الحروب يعدّ بالملايين وليس بالآلاف. وقد ركزت خلال هذه الفترة الزمنية على شن حروب مباشرة أو بالوكالة على دول الشرق الأوسط متخذه ذريعة محاربة الإرهاب خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. والغريب في الأمر أن هذه الدولة المارقة، تمارس غطرستها وجبروتها على الشعوب المستضعفة، وتدّعي أنها تحارب الإرهاب من أجل إتباب السلم والسلام في العالم. وأما إسرائيل التي يدافع عنها ترامب، فعُمرها أقصر من حليفتها، ولكنها مثلها في ارتكاب الجرائم والمجازر الدموية، فمنذ الوهلة الأولى لاغتصابها أرض فلسطين، شنت حربا لإبادة أصحابها، بل و بحسب بعض الوثائق التاريخية، فإنه قبل إعلان قيام دولة إسرائيل، ارتكبت العصابات الصهيونية في فترة الانتداب البريطاني، مذابح بشعة، تبقى من أكثرها هولاً، مذبحة دير ياسين التي شهدها غرب القدس يوم 9 أبريل 1948، ونفذتها الجماعتان الصهيونيتان: الأرجون وشتيرن. ولم تكتفِ العناصر الصهيونية بالقتل، بل تجاوزتها للتعذيب البشع ولتقطيع الأطراف واغتصاب الفتيات. وقد بنى الصهاينة قرية جديدة فوق القرية القديمة التي احتلت منذ تلك السنة، كما أطلقوا أسماء مقاتلي الإرجون على شوارعها، عرفاناً لما قدّموه من ترويع للفلسطينيين تسبّب في نزوج الكثير منهم عن قراهم خوفاً من تكرار المجزرة، ولا تزال الجرائم الإسرائيلية مستمرة إلى يومنا هذا، مما يُتيح مقاضاتها ومحاكمتها.

ولكن، وبما أننا تحدثنا عن المحكمة وظروف تأسيسها واختصاصها، وتحدثنا عن المعتدي وجرائمه الموثقة، فما بال الضحايا لا يحركون ساكنا؟ وما بالهم لا يقومون بتقديم شكاياتٍ إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد جلاديهم الأمريكيين والإسرائيليين؟ هل لأنهم متأكدون من قرار المحكمة الذي سيرفض أي طلب للتحقيق في شبهات جرائم الحرب التي تلاحق الجنود الأميركيين والإسرائيليين؟ أم أن هناك تخوفا من ردود أفعال قد يقوم بها الرئيس الأمريكي ضدهم؟ أم هناك حسابات أخرى لا يعلمها إلا الله؟

مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس نفوذها وضغوطها على قضاة المحكمة الجنائية لرفض أي طلب للتحقيق في جرائم القوات الأميركية والإسرائيلية، لكن ما يجب أن يعلمه ترامب ونتنياهو أن هناك في السماء محكمة عليا لا يضيع عندها أحد، نتوجه إليها ونحن على أبواب شهر رمضان الفضيل ونرفع إليها، نيابة عن ضحايا الغزو الأمريكي والصهيوني، شكوى ونطلب من الله العلي القدير أن ينصف المظلومين، وأن يجرد الأمريكان والصهاينة من كل أسباب القوة والبطش التي يستكبرون بها على الأرض ويدمّرها. ” وما ذلك  على الله بعزيز” صدق الله العظيم.

كاتب ليبي مقيم في روما

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here