أمين بوشعيب: النموذج التنموي المغربي وسؤال الحكامة الجيدة

أمين بوشعيب

أعلنت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي المغربي، أنها شارفت على الانتهاء من مسلسل المشاورات الموسعة الذي كانت قد أطلقته في دجنبر 2019، وأنها دخلت في مرحلة إعداد التقرير التركيبي لرفعه إلى أنظار الملك محمد السادس مطلع شهر يناير 2021.

وكان العاهل المغربي، قد أحدث هذه اللجنة، وعهد إليها بإرساء نموذج تنموي جديد، فعال ومتكامل، يأخذ بعين الاعتبار التوجهات الكبرى، للإصلاحات التي تم أو سيتم اعتمادها، في عدد من القطاعات، كالتعليم والصحة، والفلاحة والاستثمار والنظام الضريبي؛ وأن تقدم اقتراحات بشأن تجويدها والرفع من نجاعتها.

رئيس اللجنة شكيب بنموسى، أوضح أنهم عقدوا في إطار الاستشارات التي تمت 180 جلسة، والتقوا بـ1200 شخصا في إطار لقاءات مباشرة أفرزت أزيد من 6200 مساهمة، وهذا ما يبين الاهتمام الذي يعطيه المغاربة لتحسين النموذج التنموي الجديد. مشيرا إلى أن النتائج الأولية للقاءات أظهرت ضرورة التركيز على نقطة إعادة الثقة، وهو ما طرحه المواطنون والفاعلون السياسيون والاقتصاديون على حد سواء.

وأضاف السيد بنموسى، أن الانتظارات كثيرة لكنها تصب كلها في نقاط العدالة الاجتماعية، المجالية والترابية، فضلا عن الخدمات العمومية التي يراها الكثيرون تدهورت. مسجلا وجود فارق بين المقتضيات الدستورية وتنزيلها.

يبدو أن السيد بنموسى قد وضع الإصبع على الجرح، فمشكل المغرب ليس في القوانين والدساتير بقدر ما       هو في التنزيل. فبإطلالة سريعة على دستور فاتح يوليوز 2011 يتضح أن المشرّع المغربي خصص بابا كاملا من الدستور الجديد للحكامة الجيدة وضمّنه 17 فصلا، كلها تروم الحد من الفساد وسوء التدبير الذي تعاني منه مؤسسات الدولة والمجتمع. لكن هل تحقق -بعد مرور كل هذه السنوات على إقرار الدستور- شيء مما جاء في باب الحكامة؟  طبعا لا شيء تغير إن لم أقل إن الأمور ازدادت فسادا وتدهورا. لأن تلك النصوص لم تنزّل كما يجب، فأصبحنا – بدل أن نتحدّث عن الحكامة الجيدة – نشير بالإصبع إلى الحكامة السيئة.

لقد أتى دستور 2011 في بابه الثاني عشر، بمجموعة من هيئات ومؤسسات الحكامة الجيدة الهادفة الى حماية الحقوق، والحريات، والحكامة الجيدة، والتنمية البشرية، والديمقراطية التشاركية. لكنها بقيت كلها سطور على ورق، دون أن يتم تفعليها بشكل ملموس لتلعب دورها المطلوب منها.

وزير الاقتصاد والمالية واصلاح الإدارة، في هذه الحكومة السيد بنشعبون، كان واضحا في إحدى تصريحاته بمجلس النواب، حيث أعلن أن جميع القطاعات الحكومية تعاني من مشكل الحكامة، بل إن هيئات الحكامة تلزمها حكامة، وأن مفاهيم في دستور 2011 حبر على ورق. لقد كشف السيد الوزير عن وجود الفساد في جميع القطاعات الحكومية بسبب غياب الحكامة الجيدة.

من هذا كله، يتبين أن الحكامة الجيدة لا يمكنها أن تعطي ثمارها ومفعولها في التدبير العمومي، وأن تتبلور على أرض الواقع، بدون تفعيل حقيقي. والأكيد ان النموذج التنموي الذي يعول عليه المغاربة ملكا وشعبا وحكومة، هو الآخر لن يؤتي أكله، دون حكامة جيدة. فممارسة الحكامة في تجلياتها لا تقتصر على إصدار نصوص مرجعية أو قوانين ومراسيم تنظيمية ولكن في عمقها وجوهرها، هي ثقافة يجب أن يقتنع بها المسؤولون والجهات الفاعلة، وعندما تترسخ هذه الثقافة في أذهانهم ستتحول حتما إلى سلوك ونهج وممارسة يومية.

فلاش: من مقتضيات ممارسة الحكامة الجيدة أيضا، فتح المجال أمام المواطنين للاطلاع الدائم على سير الحياة العامة في جميع المجالات. يجب أن تكون السياسات والخطط العامة واضحة ومحددة ومعروفة من المواطنين دون غموض. يجب ألا تكون السياسات سراً من أسرار الدولة، وألا يكون القرار محصورا بيد شخص او مجموعة من الأشخاص. يجب أولا وقبل كل شيء فسح المجال أمام أوسع مشاركة في رسم السياسات واتخاذ القرارات. وهذا ما سيعمل على تعزيز ثقة المواطنين في الدولة ومؤسساتها والالتزام بقوانين النظام وتطبيقها على أرض الواقع.

إيطاليا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. النَّموذج الصّيني في تَطويق الفساد و الإخْتِلاس و الرشوة (الحكامة السيئة) مُلْهِمٌ للحالة المغربية لكن قبل الشروع في تطبيقه يجب إرساء القُدْوَة بدْأً من رأس الدولة أولا ثم إضطلاع الدولة والحكومة بدورها في إحقاق مجانية التعليم و الصحة و نسبيا السكن و بعث إقلاع إقتصادي مُنْتِج..
    غَيُْر ذلك هُو دَرْدَشة و جَعْجَعة بلا طِحْن

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here