أمهات الحرب السورية قراءة في كتاب “من يحمل لوني عني” لحنان علي

هشام الخج

علاء زريفة

“هشام الخج .. إن كان الوطن بلا شيء فالموت على شيء أفضل”

هذه الحرب وجوه نساء ( أمهات) يبصرن من نافذة الالام المتراكمة ك جبال المدن المدمرة، يحرقن اصابعهن بلهيبها المستعر، يشقون بطون أثوابهن ليخلقوا الوطن الجديد بينما يمارس الرجل كعادته تاريخياً -دوره ك أحمق مسعور تأجيج نيرانه ارضاءً لنزوات البناء المتفوق ذاتياً ك ذكر، و يكدس فوارغ رصاصه على العتبات.

  ( مفاتيح بلا أبواب تخفيها محفظتي ، كم علينا أن نتشرد لندرك أن لا بيت لنا)

تختصر هذه الجملة المعجونة بالاسى و بثنائية الموت البطيء و التهجير المزدوج ، داخليا تجاه الذات لاستقرائها. و تجزية نكرانها للواقع السوري الحالي.

و خارجياً معبرة عن تشظي وجودي لتلك الذات الوطنية الضائعة في ذوات أفراده.

الكتاب يستخدم لغة سردية-شعرية مكثفة باذخة الجمال تستحضر فيها وجعها الفردي في كل امرأة سورية ، هذا اللاوطن الذي لم ندرك بعد تماماً أياً منا يحمل أثامه و لكننا نعلم تماماً من يدفع ثمن هذه الاثام الجمعية.

لغة توجع الحزن النبيل، تخثر الدم في عروق الجغرافيا الجافة و لا تستسلم ل نكروفيليا محطمة، بقدر ما تحملنا على تشهي هذا الحزن و اجتراره لندرك فداحة المأساة و الكارثة المرتكبة منذ سبع سنوات و أكثر.

( أخبرني حين خلاص: “للدروب اتجاهات دائرية”، لم أصدقه العراف الهندوسي)

في هذا المقطع تترمد اللغة لتخلق نيرڤانا الروح السورية البكماء التي استعذبت احتراقها و لم تنضج بعد ك أنا جمعية لتعمل أعباء نزيفها الساخن.

( أحبك، حقيقة العالم اليتيمة) يكتم الصوت، البنت التي أضاعت بنوتها لتعيد قراءة ذواتها الأولى، تتحول، تشكل وجودها المشبع بالفراغ( رأيتك، كنت ترقب جسداً يتضخم، جسدي، لا قيمة للدموع خلف الستارة، لا ثمن لأسى يخفي في أحشائه طفلاً لا يأتي)

تستعيد فكرة الولوج او التداخل بين اثنين مشاع اليتم، و الانتماء المريض منجبة طفل الحرب المشوّه، و فاضةً بكارة الاثم الجماعي في وحدة لغوية مطهمة بالتعابير تعابيرها الخاصة و.مجازات الفعل الانساني المخرب عبر تصوير تفاصيل تفيض ب نوستالوجيا حارقة( بك أم تهذي، أمهلها طقوس انتظارك، تشعل بخورها، توزع النذور، تتجرع حنينها سّمها حنيناً مكتوماً)

و ( قهوتك بردت، أنه فنجانك، في الثكنة لا يجيدون تحضير البن، مالح طعمها? )

و تتوالى النكبة في نكبات، في صرير الاسى المزمن، في امل ينتظر ، في انكسار الوجه الانثوي البارد، في حضور الغياب القلق، في متواليات الحزن القلق لفرحٍ لا يأتي.

  ( خمس و عشرون بلاطة، وصوتك،و أشلاء الماضي المهين)

هنا تغترب مجددا في لجة الدم، أي  حماقة تقودنا إلى القتل?

و القتل المضاد، حين يضيق المكان ل خمس و عشرون بلاطة هي أوسع من كون ينظر إلينا ك أرقام، كعبيد لصفقات خارجية يطرح فيها الرأسمال من حساباته انسانية الانسان و يلغي الروح و يمحوها و لكن دون جدوى.

تستعيد الكاتبة الوقوف و هي نصف حية يحملها شبق الاصرار مطالبة العالم الرجل بالابتسام لتطرح الأرض اليابسة بالطوفان ( عنيدة لأني أنحت مرآتي، وجهك الغريب القريب، من دمه أجمع سفينتي و ابتسم، ابتسم لنا.  بعنادٍ ابتسم)

إذا صورة هذا الانتماء مرآة الذات الانثوية مجدداً التي استطاعت حنان جمع شظاياها المبعثرة لترى بلادها في شهيد ضيعته قضية لم تُشبع غرورها الأرعن، تارةً و تارة امتلك آناه و لكن خانه الوراء المؤدلج و حاملي الشعارات الوهمية.

( دمه لا أحمل صيغته، أنا، امرأة البلاد الغريبة)

ثم تُضمَن الشكل الجوهر في ادوارها المتعاقبة ك انثى منتشيةً بأساها الواعي المكتمل، معلنة صباحاً لابد سيلج من دخان الحرب الداكنة ( تباركي منا، لا يخمدها الكون، فتاة تشبه أمها أنتٍ ، يا ابنة الشمس)

و مدركةً فلسفة الاسترجاع النوعي لعرق بائس، مستغرقةً في طيات روحها كمن يحفر عميقاً في جسد قاتله ليقتله أو ينتهي منه. و.محييةً ضعفها الوليد و مركب نقصها محاولةً ليَّ عنق المستحيل.

( من تستعبده هشاشته، الحرية!

هل ينشدها، اثنان اتفقنا، عن انفصالهما، عاجزان)

و متنكرة لهذه الذات،تعلن العصيان، ترفض المسكنة الوضيعة، تكفر بكل شيء ، تخيط كفن موتها، ببارقة عابر متهم بالزندقة هي أنا أخرى متحفزة خارج عالمٍ رفضته و رفضها.

( لجذع الجب ذاكرة تفيض

كلما مر عابر

هنا قتل ملحدان)

و تنعي الوطن مجددا مكرسة فضيلة ثورة مضادة على حيوات الموت المستمرة محمولةً على تمردها الفردي، على حزن لم يقتلها تماماً ( لا تعشق امرأة متمردة تثور عليك ، لطفلك، أم كل أطفالها أنت)

و تذيع نشيدها الحر لاشلاء البيت المهدم ، للحقل المحترق، للوجه البائس، للروح الميتة، و تطلقها ضحكة مدوية بوجه من يعرف الاجابة سلفاً.

( كيف يطلقونها-مقطوعو الروح-

براقةً ، ضحكاتهم)

و.تختزل المصير مغتالةً الطبيعة طبيعتها القديمة ك امرأة قتلتها رومنطيقية الانتماء و تستسلم متأملة مشهد الخراب مختصرة قصة الحرب عابرةً صراط العدم.

( العدم مصير جيد أيها الغصن، لتنهار باستسلام جميل، لترتطم بسرب عابر و نتهشم، نتبعثر، نذوي و نذوي، نتلاشى كما اللا شيء)

( نحن الذين اغترب الوطن فينا، و ضاع منا العنوان)

و الخلاصة:  نستطيع أن نستقرأ هذه الملحمة المختزلة في هذا الكتاب البديع الذي يحيلنا ل ذواتنا الأولى كقراء و يعيدنا إلى أول الحرب، أشباها لانفسنا مقطوعي الظلال.

هذا الكتاب الذي يحاكي بأسلوب المونولوغ الداخلي سيرة امرأة واحدة في نساء امهات سوريات يمكن أن تعبر أي شارع سوري اليوم ل تراها فيهن جميعاً.

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here