أمل الحارثي: عن جرعة الأخبار العربية. التي نصيبنا بالاحباط

أمل الحارثي

لا يُمكن أنْ تتجّنب الدهشة وأنتَ تتصفّح الصحف الغربيّة المحلّيّة كلّ صباح، أخبار الأغذية المناسبة للصحّة، والدراسات الحديثة التي تصبّ في مصلحة العلم، وغالبًا ما تكون ناتجةً عن مراكز أبحاث تابعة لجامعات عريقة، ترفد ينابيع العلم المختلفة باكتشافات جديدة تُؤثّر في حياتنا اليوميّة، أخبار أخرى لا تقلُّ أهمّيّة عن البيئة وطرق حمايتها والمظاهرات الداعية إلى الاهتمام بها لحفظ الكوكب للأجيال القادمة، أخبار كثيرة عن العلاقة بين الزوجين وكيفيّة تطويرها، وأخرى عن التربية والتعامل مع فترة المراهقة الحسّاسة، لا تخلو الأخبار من تفاصيل سياسيّة دقيقة وشفّافة ليطّلع الناس على كلّ صغيرة وكبيرة في مراكز صنع القرار، ثمّ بالتأكيد الأخبار عن مظاهرات للمساواة التامّة في العمل، والرواتب بين الجنسين، وأخرى لإعطاء الآباء إجازة أبوّة أسوةً بالأمّهات، وأخرى لمطالبة الحكومات بالمزيد من العمل لتحسين أحوال المواطنين بما يحقق أفضل معيشة ممكنة .

هذا في الصحف الغربيّة فما الحال في صحفنا المحلّيّة؟؟ كأردنيّة أتفقّد الصحف الأردنيّة وبعض الصحف العربيّة يوميّا، خبر العفو العامّ الذي قد يشمل رجلًا حرق ابنته الصغيرة حتى الموت، وآخر صعق ابنه بالكهرباء؛ لأنّه سرق خمسة دنانير، يصدمني الخبر فأنتقل إلى غيره: خبر انتحار طفل لتنمُّر زملائه عليه، أشيح بنظري فإذا بأخبار الضرائب على السلع الأساسية وتأثيرها على معيشة المواطنين، ثمّ أرقام الطلاق المفزعة التي تعني لي ارتفاع منسوب المعاناة لدى عدد كبير من الأطفال، أقرّر أنْ أنتقل للأخبار العربيّة فيصعقني خبر وفاة طفل سوريّ (ماسح الأحذية) في لبنان بعد هروبه من دوريّة شرطة ووقوعه في منور عمارة، أُقرّر التوقّف بعدها فورًا عن قراءة الأخبار التي لا أستبعد أنّها أصبحت منذ سنوات إحدى المُسبّبات لأمراض القلب والضغط والذبحات الصدريّة عند المواطن العربيّ.

ثمّ تبدأ رسائل الواتس أب بالانهمار، يصلني فيديو لعرس فتاة في إحدى الدول العربية قيل أنها  قُدّمت كقربان صلح من عائلة إلى عائلة أخرى لفضّ خصومة بينهما فيما يعرف بالفصلية (الفصل العشائري)، حيث تُعطى الفتاة هِبةً بدون مهر وتعيش كالخادمة، وبغضّ النظر عن صحّة التفاصيل فإنّ النظر إلى وجه الفتاة كافٍ ليشرح لنا حالها وهي تمشي كالميّتة بجانب عريسها الطفل ذي الثانية عشرة سنة وهو أصغر منها بعشر سنوات.

وفي وسط تلك العواصف الهوجاء من أخبار القتل والتشريد والظلم والجهل القاتل ،  إذ بفيديو تحفيزيّ عن الإيجابيّة يقفز في وجهي بلا مُقدّمات، الفيديو يدعونا إلى التفاؤل ورؤية النصف الممتلئ من الكوب،( سعادتك ملكك، نجاحك بين يديك، أنت تصنع مستقبلك، لا تجعل شيئًا يُعكّر صفو حياتك، أنتَ مهندس حياتك) . فكّرت قليلًا بتلك الجملة، يا لها من كذبة خدعتنا وآمنّا بها لنكتشف خذلانها بعد تعب وإجهاد في التخطيط والهندسة، وددت لو أبعث لصاحب الفيديو صورة الفتاة المساقة إلى بيت الزوجيّة كالخروف الذي يساق للمسلخ، هل هندَسَت تلك الفتاة حياتها؟ وماسح الأحذية هل اختار ذلك المسار وتلك النهاية؟ وكلّ شابّ عربيّ هل يملك سعادته أم أنّها دفنت تحت أنقاض الحروب و الواسطة والمحسوبية والفساد وضرائب الحكومة وشروط البنك الدولي؟

يقولون: انظُر للنصف الملآن من الكوب، حاولْتُ أنْ أبحث عن الأنصاف الممتلئة من أكواب الأخبار التي ارتشفتها صباحًا، فلم أجد أنّها مملوءة بغير السمّ، أُفكّر في كل تلك الأنفاق التي لا أرى في آخرها نورًا، أوضاع اقتصادية صعبة واجتماعية سيّئة وإنسانيّة متعبة.

لا أُريد أنْ أنشر التشاؤم، وكنت لمرحلة قريبة مِن أكثر المتفائلين ولا زلت أحلم، لم يملكني اليأس، بل وأتمنّى أنْ يأتيَ اليوم الذي تصبح فيه أخبارنا عن البيئة وطرق حمايتها، عن الحيوانات الأليفة وكيفيّة الاعتناء بها، عن الأغذية المفضّلة لصحّة ممتازة بدلًا من أخبار الحروب والعنف وتزويج الطفلات وموت الأطفال من البرد والإهمال والقهر.

كاتبة أردنية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here