أمريكا وتركيا.. صراع مصالح أم أجندات متوافقة

الدكتور حسن مرهج

الواضح من التطورات المتسارعة في الشأن السوري، أنه بات اليوم هناك تضاربا واضحا لجهة تحديد الأولويات و الأهداف، و ذلك يأتي ضمنا جراء الانتصار الذي حققته الدولة السورية سياسيا و عسكريا، و بالتالي حين تصبح خطط الأعداء حبر على ورق، سيكون هناك بلا ريب إعادة إصطفافات لترتيب المشهد السياسي و التوافق على المشهد الميداني، و لكن محور أعداء سوريا بات اليوم في مرحلة انعدام الخيارات، و الواضح أيضا أن هذا المحور يتسابق سراً و جهراً للتواصل مع دمشق، ما سيفرض إيقاعا جديدا على الصعيدين السياسي و الميداني.

حين نتحدث عن أعداء سوريا نقصد طبعا واشنطن و أنقرة، و لعل الصراع بين حلفاء الامس بات مشهدا يتكرر في كل مناسبة سياسية و عسكرية، خاصة أن واشنطن تعول كثيرا على ورقة الأكراد، في مقابل تخوف تركي من طبيعة النوايا الكردية و تأثيرها مباشرة على تركيا، كما أن واشنطن تحاول الحفاظ على مناطق الأكراد شرق الفرات، من أجل تغطية المشروع الأمريكي في المنطقة، و رغم التطمينات الامريكية لـ تركيا بعدم اقامة كانتون خاص بالأكراد، إلا أن انقرة باشرت و على مرأى من عيون القوات الامريكية و قواعدها بحشد القوات التركية للبدء بعمل عسكري ضد الاكراد شرق الفرات، و كما تنطلق تركيا من مبدأ مكافحة الإرهاب الكردي، تحاول واشنطن استيعاب التهديد العسكري التركي و منعه من الهجوم شرق الفرات، لذلك كانت التصريحات الامريكية المُحذرة من تداعيات أي عمل عسكري شرق الفرات بمثابة تهديد مبطن لأنقرة و مباشر لأدواتها من عصابات الجيش الحر، هنا نجد أن تركيا و امريكا تدخلان في نفق مبهم، و لعل ما يُسرب من تحت الطاولة مخالف تماما لما نراه اعلاميا و حتى ميدانيا، فالتسريبات تؤكد بأن هناك مفاوضات امريكية تركية من اجل تأخير العمل العسكري التركي شرق الفرات، و تأتي الذرائع الأمريكية انهم بحاجة إلى عدة أشهر للقضاء على ما تبقى من جيوب داعش، و الذراع العسكري لواشنطن ” قسد ” هو من سينجز هذه المهمة، و أي هجوم على الأكراد شرق الفرات سيُأخر القضاء على داعش، و حين انتهاء المهمة يصبح بالإمكان مفاوضة انقرة على كل المواضيع، كما يزعم الأميركيون.

ما يُفهم من الحشود العسكرية التركية و الغارات الجوية ضد مواقع حزب العمال الكردستاني في مناطق سنجار العراقية، انها جاءت بعد ضوء اخضر امريكي، و لا يمكن لأنقرة باي حال من الاحوال ان تقوم يمثل هذه الاجراءات بدون تنسيق مع الامريكي، حيث ان واشنطن تتخذ من الاكراد وسيلة لتمرير مشروعها، كذلك تركيا تتخذ منهم وسيلة للتوسع داخل الأراضي السورية، و عليه فإن الامريكي و التركي متوافقين ضمنا في مشروعهم القائم اساسا على تقسيم سوريا، و قضم أراضيها بحجة محاربة الارهاب، و لكل من تركيا و امريكا اجندة تتوافق حينا و تختلف حينا اخر، و ذلك بالتناسب مع ما يجري من مستجدات سياسية و ميدانية، و المُراد الأمريكي من ذلك مجابهة النفوذ الروسي الكبير في سوريا، بينما ما تُريده تركيا ضمان ورقة سياسية تفاوض عليها لاحقا، فالمشروعان التركي و الامريكي لا يمكن أن يسيرا إلا في خطين متوازيين، بدءا بدعم الارهاب في سوريا، و انتهاءً بتقسيم سوريا، و بين الهدفين سيُمرر هدف أخر ألا و هو إخراج الإيراني من سوريا، و هذا ما لا تقبل به موسكو ولا إيران ولا الدولة السورية.

ما يجري اليوم في الشمال السوري اقرب إلى الموازنات السياسية و العسكرية، فالأجندات الامريكية و التركية واضحة للجميع، و كذلك الأهداف و المصالح، فـ حماقة ترامب و أردوغان ستودي بهما إلى الهاوية في نهاية المطاف، و لعل الصمت السوري عما يجري في الشمال ما هو إلى احتساب للوقت بدل الضائع، فالأسد حينما يهم بالانقضاض على فريسته، يُخطط و يُمهد و من ثم ينقض، ترقبوا و انتظروا.

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here