أمجد إسماعيل الآغا: مُقاربة الانسحاب الامريكي من سوريا وفق الوقائع الإقليمية

أمجد إسماعيل الآغا

السقوط المُتسارع لكافة الرهانات الأمريكية في سوريا، لم يأتي جُزافاً، بل ثمة الكثير من الوقائع والمعطيات التي ترقى لمستوى النظريات الاستراتيجية في البحث والتحليل، بغية إيجاد الطُرق التي تمكنت الدولة السورية وعبر حلفاؤها، من هندسة المسارات السياسية والعسكرية بحكمةٍ، لترسيخ ابجديات السيطرة على الخطوط الناظمة للحل السوري. وبصرف النظر عن نظريات التوافق الاقليمي والدولي لجُزئيات الحل في سوريا، بات واضحاً أن جُلّ التكهنات التي رافقت تفاصيل الحرب على سوريا، أخطأت وانحرفت عن السيناريو الامريكي المُراد تطبيقه واقعاً سياسياً وعسكرياً. فحين تعجز واشنطن عن إيجاد موطئ قدم لها في الجغرافية السورية، أو تأمين المستلزمات الاستراتيجية لاستدامة وجودها، فهذا يُعد فشلاً استراتيجياً بالمستويات كافة، وضرباً بكافة النظريات الأمريكية المُعتمدة على التوسع والنفوذ وفرض الرؤى بطرق عسكرية. وعليه لم يعد القرار الامريكي بالانسحاب من سوريا مفاجئاً في توقيته، بل المفاجأة الكبرى في مبدأ هذا الانسحاب وماهيته.

صحيح أن الانسحاب من سوريا سيكون عسكرياً صِرفاً، لكن التأثير السياسي لواشنطن لا يزال يفرض رهبته لدى الجميع، وقد تكون إحدى جُزئيات هذا الانسحاب، مُعطلاً ومؤخراً للشروع الفعلي في تطبيق خارطة الحل السياسي في سوريا.

ما تبع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجهة الانسحاب من سوريا، من مداولات في مؤسسات القرار الامريكي، والضغوط التي مورست من قبل حلفاء واشنطن للعدول عن القرار، أرجأت هذا الانسحاب مرات كثيرة. لكن الواضح أن الرهان الامريكي على البقاء في سوريا، كان أكبر من الإمكانيات التي وُضعت بُغية الحفاظ على هذا التواجد، والتي جاءت مُخالفة للتوقعات كافة، فلم يتم مراجعة الاستراتيجيات الامريكية في سوريا، ولا حتى بناء استراتيجيات جديدة مع كافة المؤسسات الامريكية بُغية تمديد هذا التواجد، فالمناخ السياسي والعسكري المؤطر للمشهد السوري، بات ضاغطاً ومتشابكاً إلى درجة باتت واشنطن تبحث عن طرق تُخرجها من سوريا، لكن مع بقاء مفاعيل سياستها كعامل مؤثر ومُعطل لأي قرار يُنهي الحرب بكافة أوجهها في سوريا. هذا المشهد الأمريكي المُتخبط جاء نتيجة القرارات الفردية التي اتخذها ترامب، والتي بُنيت على اعتبارات انتخابية، وصفقات سياسية تمت بينه وبين بعض أعضاء في إدارته، إضافة إلى رغبات إقليمية ودولية تؤسس عميقاً في مشهد الشرق الأوسط. هي خطوات اتخذها ترامب وتندرج ضمن إعادة ترتيب أولويات الادارة الامريكية، والبحث عن مسارات استراتيجية جديدة تُعيد الهيبة للولايات المتحدة. في هذه الجُزئية من الواضح أن الهدف الامريكي بمُجمله يأتي ضمن معادلات التفوق الدولي، فروسيا والصين يُشكلان هاجساً لـ ترامب، وتفوقهما يُمثل تحدياً استراتيجياً لابد من مقارعته وتأطير تأثيراته الإقليمية والدولية.

ضمن هذه الرؤية، بات الانسحاب الامريكي من سوريا في حدوده المنطقية سياسياً وعسكرياً، فالحروب التي كانت واشنطن سبباً مباشراً لها أو غير مباشر، قد أبعدتها عن المضمون الاستراتيجي لتوجهاتها الشرق أوسطية، كما أن نتائج هذه الحروب كانت كارثية بالمعنى السياسي على الولايات المتحدة، وهذا ما ألمح إليه ترامب في أكثر من مناسبة وتذكيره المستمر بالأثار الكارثية لهذه الحروب على الاستراتيجية الأمريكية. ولمقاربة الانسحاب الامريكي من سوريا وفق منظور إقليمي، فإنه لا يمكن النظر إلى هذا الانسحاب على الصعيد العسكري الصرف، لأن التواجد الأمريكي في سوريا يكاد يكون رمزياً مقارنة بالقواعد الأخرى في الشرق الأوسط، لكن وفق المنظور الاستراتيجي فإن هذا الانسحاب يُعد أساسياً للوصول إلى المعادلة السياسية الامريكية الرامية لتركيز جهودها على روسيا والصين في المشهد الشرق أوسطي، وبعيداً عن الساحة السورية، لأن الضرورات الاستراتيجية الأمريكية تُحتم على ترامب جدولة مهام الإدارة الأمريكية، بطريقة تُفضي في خواتيمهما، بتأسيس واقع جيوستراتيجي يكون سبباً في الحد من التفوق الروسي والصيني في معادلات الشرق الأوسط.

وبالتالي بات من الواضح أن الهدف الاساسي لـ ترامب، هو الوصول إلى الصيغة المثالية للتمكن من مواجهة موسكو وبكين الصاعدتان في الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى، هناك رغبة يُراد أمريكياً تطبيقها عبر تقليص الانخراط الأمريكي المباشر في الصراعات الإقليمية، والبحث عن شركاء محليين وإقليميين ودوليين، يخففون من الحضور الأمريكي مع الحفاظ على المصالح الأمريكية العليا، والمتمثلة بمواجهة اقتصادية ضد الصين وروسيا.

**في الشأن السوري ومقاربته لتعزيز الانسحاب الأمريكي.

هذه المقاربة تبدو معقدة في الورقة السورية، حيث أن التداخل الإقليمي والدولي في الشأن السوري مُعقد جداً، ويصعب التكهن بمساراته في ظل نتائج عسكرية وسياسية هندستها الدولة السورية وجيشها، كما أن فواعل الانتصارات السورية والزخم الهجومي المتضاعف للجيش السوري، قد يُشكل تهديداً مباشراً للتواجد لأمريكي الرمزي في سوريا. وبالتالي لا يمكن ردع الجيش السوري بقوته وبقوة حلفاؤه الروس والإيرانيين. وعليه فمن الواضح أن هناك رؤية لدى الإدارة الامريكية، رغم كل التضادات في بنية هذه الادارة لجهة الانسحاب من سوريا من عدمه. هذه الرؤية تعتمد على الفصل بين الأهداف العامة لسياسة الولايات المتحدة في سوريا، وسياساتها الاستراتيجية بعيدة المدى، فلجهة الاهداف العامة لسياسة واشنطن في سوريا، فهذه لم تعد مُقنعة، لأن إيران باتت شريكاً اساسياً في مقومات الانتصار السوري، كما أن تواجدها في سوري شرعي، فضلاً عن عمق علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا، كما أن داعش تم القضاء عليه باعتراف أمريكي مباشر، والتهديدات بعودته ربما تبتعد عن الواقعية، في ظل الانتشار السوري والروسي والإيراني على مساحة الجغرافية السورية، وبالتالي الأمور المتعلقة بإيران ودعم الوحدات الكردية والتسوية السياسية في سوريا، هي أهداف عامة لواشنطن غير مرتبطة بالأهداف العسكرية، أو ضمن أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى.

دليل ما سبق، تصريح جيمس جيفري في 18 كانون أول / ديسمبر 2018، حيث أكد أن بلاده لا تهدف إلى التخلص من الرئيس السوري بشار الأسد، ولا تسعى إلى إنهاء النفوذ الدبلوماسي الإيراني المتنامي في سوريا بل إخراج قواتها وميليشياتها. تصريح جيفري يعني توجيه الآليات والسياسيات لتحقيق هذه الأهداف، وفق السياسات الناعمة، وبالاعتماد على الضغوط السياسية والاقتصادية، والابتعاد عن معالجة الأهداف السابقة بطرق عسكرية.

**لماذا الانسحاب الأمريكي من سوريا إلى العراق.

من وجهة نظر بعض صناع القرار في الولايات المتحدة، فإن الأزمة السورية معقدة وهي في نفق مظلم، ولا إمكانية لإجراء تحولات نوعية، في ضوء عدم وجود قرار دولي بإسقاط الأسد عسكريا. لذلك، تبحث الإدارة الأمريكية عن أساليب جديدة تُغير من المشهد العسكري والسياسي، حيث لا يعتقد ترامب أن الوجود العسكري القليل في سوريا، من شأنه أن يشكل رافعة لدور أمريكي أكبر في فرض حل سياسي يتناسب مع أولويات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. ورغم ذلك، يمكننا القول بأن واشنطن لا تُريد التخلي عن كل ما اسست له في سوريا، بقدر ما يهم واشنطن في المرحلة الحالية والمُقبلة، الحفاظ على الحد الأدنى من مصالحها في الجغرافية السورية، عبر بوابات ثلاث:

–        الأولى: بوابة الكرد، بُغية إبقاء حالة الكباش السياسي بين مُختلف الأطراف الفاعلة والمؤثرة في الشأن السوري، في مستويات عالية، لجهة مشروع الكرد الانفصالي، إضافة إلى بقاء الكرد وبالمستويات كافة ذراعاً عسكرياً لواشنطن، وأداة سياسية مُعطلة.

–        الثانية: بوابة تركيا، تتمثل هذه البوابة في الرغبة الأمريكية باستثمار التطلعات التركية في شمال شرق سوريا، وابقاء الهاجس التركي من الكرد وتوجهاتهم، الأمر الذي يُمكن تلخصيه باستثمار سياسي امريكي في الجانبين التركي والكردي.

–        الثالثة: بوابة المصالح مع روسيا، وهنا تكمن المعادلة الجيوسياسية، حيث أن واشنطن وموسكو قد اتفقتا على الخطوط العريضة لأبجديات الحل السياسي في سوريا، بما في ذلك جُزئية التواجد الايراني، لكن يبدو أن هذه المعادلة مؤجلة ظرفياً ريثما يتم نضوج المناخ السياسي العام في سوريا. وهذا يقودنا إلى الانسحاب الامريكي من سوريا الى العراق.

فقد بات واضحاً أن خصوصية سوريا في الاستراتيجية الروسية، قد فرضت واقعاً لا يُمكن لواشنطن تجاهله. وبناء على ذلك، يبدو أن الانسحاب الأمريكي من سوريا، مرتبط أساساً بجملة التطورات الشرق أوسطية، وليس فقط بالارتكاز على الملف السوري، ولأن واشنطن أدركت قدرة روسيا على هندسة الحل السياسي في سوريا، فهي القادرة عملياً على حفظ الامن والترتيبات العسكرية، وصوغ معادلات إقليمية انطلاقاً من سوريا، بينما ومن الناحية الاستراتيجية، فإن روسيا لا تنظر للعراق على أنه منطلقاً استراتيجياً للتوجهات الروسية. وعليه، فإن سوريا في العقل الامريكي لم ولن تكون ضمن العباءة الامريكية، ولن تكون دمشق في فلك سياساتها الاقليمية والدولية، لا الآن ولا في المستقبل.

وفي جانب أخر، فإن الادارة الامريكية توصلت إلى نتيجة مُفادها، أن الانسحاب من سوريا، قد يفرض على ايران الانسحاب ايضاً من سوريا،  وبعبارة أخرى، لن تسحب أمريكا قواتها من سوريا بعد سحب إيران لقواتها، وإنما العكس، بحيث أن انسحاب الولايات المتحدة أولاً سيؤدي إلى انسحاب إيران ثانياً، وهو موقف تدعمه موسكو، ويبدو أن لديها نوعاً من الضمانات حيال الانسحاب الإيراني، فضلا عن أن الدولة السورية قد تطلب من إيران تخفيف تواجدها العسكري بشكل كبير، إن غاب التهديد العسكري الأمريكي.

من خلال هذه المقاربة، يبدو أن واشنطن وبالاعتماد على الوقائع الاقليمية، قد توصلت لنتيجة مُفادها، أن الساحة السورية لا يُمكن ان تحقق لها أي مكاسب استراتيجية على المدى البعيد، بخلاف العراق الذي لا زال اساسياً واستراتيجيا في الحسابات الامريكية. ففي العراق يُمكن الحفاظ على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، مع الحفاظ على أمن اسرائيل،  ومنع تحويل العراق لساحة للمصالح الايرانية.

في النتيجة، من الصعوبة بمكان التنبؤ واقعياً بجوهر السلوك الامريكي في المرحلة المقبلة، لكن ووفق ما تم تأسيسه في سوريا، لجهة المنجزات السياسية والعسكرية التي حققتها الدولة السورية وجيشها، وعطفاً على العلاقة الاستراتيجية السورية الروسية، وبلورة تفاهمات ومعادلات ستؤسس لأبجديات الحل النهائي في سوريا، يبدو أن واشنطن عدلت استراتيجيتها في سوريا، وستبدأ بتأسيس معادلة شرق اوسطية، لمواجهة التحديات الروسية والصينية المتزايدة في الشرق الاوسط. وعليه، فإن مقاربة الانسحاب الامريكي من سوريا، ترتكز على الوقائع الاقليمية، بأبعادها السياسية والعسكرية، وضرورات المرحلة القادمة والتي تحتوي على تهديدات تمس مباشرة بالصورة الامريكية عالمياً.

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here