أمجد إسماعيل الآغا: ليبيا ومشهد التحالفات الشرق أوسطية

أمجد إسماعيل الآغا

من الواضح أن أهداف القوى الإقليمية والدولية المتنافسة، تتمحور حول جُملة من الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى، والتي تسعى بموجبها إلى اختراق الدول الضعيفة. ولعل الأهداف الأساسية التي تقوم عليها مرتكزات التنافس الإقليمي والدولي، تتمثل في الاستيلاء على موارد الطاقة المُربحة، والسيطرة على الأسواق العالمية، وإنشاء قواعد عسكرية بُغية السيطرة على الممرّات الاستراتيجية المهمة، والقيام بعمليات استخباراتية سرية ضد الخصوم. وبالتالي، فإن الحدث الليبي يفرض نفسه سياقاً سياسياً وعسكرياً ناظماً لجُملة من التحديات الإقليمية والدولية، والتي بدأت تلوح في شرق المتوسط. فالصراع على ضفاف المتوسط الليبي يؤسس لتغيرات كبرى في طبيعة النظامين الإقليمي والدولي، حيث أن هذا الصراع المفتوح على مصراعية في ليبيا بين مُختلف القوى الإقليمية والدولية، يشي بتحول ليبيا إلى سوريا جديدة، مع إختلافات جيواستراتيجية في طبيعة التحالفات والإصطفافات. من هنا ستكون التطورات الليبية شاهدة على ولادة تحالفات جديدة، إنطلاقاً من مساعي جُلّ القوى الإقليمية والدولية، لتحقيق مصالحها السياسية الخاصة في هذه الدولة الغنية بالنفط، وذلك من خلال تمويل وتسليح التيارين المتنازعين في ليبيا، الأمر الذي زاد من تعقيد الأزمة في هذا البلد.

دخول السعودية على خط الأزمة سيُعمق الخلاف اكثر في ليبيا على وجه الخصوص، وفي المنطقة على وجه العموم، ويبدو أن السعودية تُريد من خلال هذا التدخل الجديد ان تُبعد الأنظار عن الحرب اليمنية التي استنزفت فيها السعودية كامل قدراتها، ولم تستطيع الوصول إلى اي نتيجة مرجوة من هذه الحرب، فضلا عن أن الرياض خسرت أوراقها في سوريا، لذلك تُريد نقل الصراع بعيداً نحو ليبيا، لاسيما وان هناك حسابات تعمل على تصفيتها فيما يخص العلاقة مع تركيا. في هذا الإطار، قالت أوساط خليجية مطّلعة إن اللقاء الذي جمع الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز برئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، يعكس دخولاً سعودياً قوياً على خط الأزمة الليبية، لمواجهة النفوذ التركي خاصة بعد الاتفاقية المثيرة للجدل بين أنقرة وحكومة الوفاق، التي تتيح لتركيا امتهان السيادة البحرية لليبيا وتشرع لتدخلها العسكري. والملفت أن اللقاء حضره الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، والأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية، ورئيس مجلس الشورى عبدالله بن محمد آل الشيخ، ومستشار الأمن الوطني مساعد بن محمد العيبان، ووزير الدولة لشؤون الدول الأفريقية أحمد بن عبدالعزيز قطان، ما يُدلل على جدية التحركات السعودية لمواجهة تركيا، خاصة أن اللقاء جاء في مرحلة مهمة من تطورات الأحداث في ليبيا، بعد توقيع الاتفاق الأمني بين تركيا وحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، مما يفتح الباب لتدخل تركي أكبر في شمال أفريقيا عموماً، وفي الأزمة الليبية على وجه الخصوص.

في جانب أخر، فإن تركيا أيضاً تُريد أن توسع نطاق حربها مع السعودية في ليبيا ولن تتراجع أمام هذه المسألة، لأن ليبيا بحد ذاتها تعني لتركيا الكثير، فهناك دوافع سياسية وعسكرية وايديولوجية واقتصادية لتركيا في ليبيا، إضافة إلى الدّوافع العسكريّة الاستراتيجيّة.

أردوغان ذو الأحلام العثمانية، يحاول هندسة المحيط الجغرافي شرق المتوسط، عبر نسج تفاهمات مع تونس والجزائر، تُرجمت زيارات مفاجئة لكلا البلدين. إلا أن أردوغان لم يتمكن من تحقيق أي خرق ضمن حدود البلدين، بُغية إيصال مرتزقته إلى ليبيا. خاصة في ظل محدودية الاجراءات التي يتم عبرها إيصال مرتزقته عبر البحر، بعد أن بدأت اليونان والقوات البحرية التابعة للجيش الوطني الليبي، بعمليات تفتيش للسفن المُشتَبه بها، ويتوقّع أن تشارك في هذه العمليات سفن تنتمي إلى دول أخرى مثل ألمانيا وفرنسا.

فالرئاسة التونسية وكذا معظم الأحزاب في تونس، أصدرت بيانات مُتتالية تمحورت مُجملها، على ضرورة ابتعاد تونس عن المسار التركي حيال ليبيا، وعدم توريط تونس في الشأن الليبي.

وبذات السياق، فإن صانع القرار السياسي في الجزائر، ينظر إلى زيارة أردوغان بعين الريبة والشك والحذر، خاصة بعد خاصة بعد التصريحات التي أطلقها وزير الداخلية المفوّض في حكومة الوفاق الليبية فتحي باشاغا، وذكر فيها أن كلاً من تونس والجزائر باتتا في حلف مع تركيا في ما يتعلّق بالملف الليبي.

في هذا الإطار، يبدو واضحاً أن استماتة تركيا لفرض واقع جيوسياسي شرق المتوسط، ينطلق من بُعدين:

**الأول – محاولة أنقرة خلط الأوراق في منطقة شرق التوسط، عبر اتخاذ خطوات أحادية الجانب، تمثلت في إطلاق عمليات التنقيب عن الغاز في مناطق شرقي وجنوبي جزيرة قبرص، إضافة إلى توقيع مُذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق الوطني، حول الحدود البحرية بما ينتهك المنطقة الاقتصادية لليونان، ويتجاهل وجود مناطق بين تركيا وليبيا مثل جزيرة كريت. ما دفع بمصر واليونان إلى رفض الاتفاقية الأمنية والبحرية بين “حكومة الوفاق الوطني” وتركيا، مع التأكيد على أنها “غير شرعية” كونها تأتي خارج إطار الصلاحيات المقررة في اتفاق الصخيرات.

وبالتالي بات واضحاً ان أردوغان يدفع بإتجاه اجبار كل الأطراف المعنية بملف الغاز شرق المتوسط، إلى الجلوس مع انقرة للتفاوض، لا سيما أن مصر قد باتت نقطة مفصلية يتم من خلالها إسالة الغاز، ومن ثم تصديره إلى أوروبا عبر خط “إيست ميد”.

**الثاني – إدراك تركيا بأن مآل التطورات شمال شرق سوريا، ستكون في مصلحة الدولة السورية، خاصة مع إصرار دمشق وحلفاؤها حسم الملف العسكري في إدلب، ومن ثم الانتقال إلى شرق الفرات وغربه، لوضع جداول زمنية بإطار سياسي واضح لجُلّ الأطراف الفاعلة في الشأن السوري، وبالتالي ليس أمام أردوغان إلا البحث عن نطاق جغرافي جديد ليتم استيعاب أدواته الإرهابية، وإعادة تدويرهم في مشاريع تركية بصبغات ايدولوجية وسياسية وعسكرية. من هنا وجد أردوغان ضالته في ليبيا، ليتم ترحيل أدواته إلى ليبيا، عبر مكاتب أُنشأت خصيصاً في أنقرة لهذه الغاية.

ضمن هذه المعطيات، ينبغي التعمق جيداً في قراءة المشهد الليبي، وحيثيات البُعد الاستراتيجي الناظم للتطورات اللبيبة، خاصة أن غالبية الدول الإقليمية التي تتخذ خطوات تأثيرية سياسية وعسكرية في ليبيا، تفتقد إلى الخبرة في التدخل بالأزمات المُعقدة، وهذا ما أكده “برنارد لويس” عندما قال في كتابه “نهاية الشرق الأوسط الحديث”: إن هذه الدول وجدت نفسها كقوه إقليمية وليس لها بنية مؤسساتية ولا خبرة للتدخل في أزمات مركبة مثل ما تعانيه المنطقة من أزمات وقد رأينا المآلات الكارثية للتدخل السعودي في اليمن، وكيف خرجت هذه الدول تماما من سوريا.

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here