أمجد إسماعيل الآغا: قمة أنقرة والسيناريوهات السورية.. أستانا وفشل المسارات السياسية

 

 

أمجد إسماعيل الآغا

تبقى التجاذبات السياسية والتعقيدات المُفتعلة أمريكياً وتركياً عنواناً عريضاً لمشهد الشمال السوري، خاصة أن تركيا لا تزال في إطار البحث عن مكاسب تُحقق لها الحد الأدنى مما خططت له في سوريا، وعليه لا يُمكن التعويل على القمة المُقررة غداً في أنقرة، والتي ستجمع ثُلاثي أستانا، ولا يُتوقع في هذا الإطار أن تُحقق تقدماً لجهة التوصل إلى حلول تأسيسية لملفي إدلب واللجنة الدستورية، خاصة ان واشنطن وانقرة يسعيان ضمناً للحؤول دون التوصل الى حلٍ سياسي، ضمن هذه الظروف السياسية والعسكرية.

القمة أنقرة تأتي ضمن محاور اربع:

**الأول – إعادة إحياء التفاهمات السورية خاصة مع المُتغيرات التي فرضها الجيش السوري والتي ستُؤسس لمعادلات إقليمية جديدة، فالمُنجزات العسكرية السورية ستُترجم تفاهمات سياسية، وهذا ما دأب الجيش السوري على تطبيقه واقعاً، في ظل المناورات التركية في ملف إدلب.

**الثاني – التوقيت السياسي لهذه القمة يأتي في إطار الانزعاج الروسي الواضح حيال محاولات أنقرة الاستثمار السياسي لمقررات اتفاق سوتشي، وبعد أن تم تطبيق الاتفاق بالنار، باتت أوراق القوة الميدانية بيد سوريا وحلفاؤها، وهذا بدوره سينعكس على جزئيات ملف إدلب، وفرض الوقائع السورية بلغة عسكرية واضحة.

**الثالث – الاتفاق الأمريكي التركي حيال ما اُتفق على تسميته “منطقة آمنة”، وهذا في الجوهر يناقض مقررات اتفاق ستانا، على اعتبار أن تركيا أحد الضامنين، لا سيما ان معادلة استانا تقوم صراحة على احترام السيادة السورية والعمل على منع تقسيم الجغرافية السورية، في حين ان التوجهات التركية تسير بنسق سياسي وعسكري مُغاير للاتفاق، وبالتالي لابد من تبيان الممارسات التركية، ووضعها في أطر ضامنة جديدة لكن وفق قواعد دمشق.

**الرابع – يبدو أن اللجنة الدستورية وتفاهماتها ستكون مؤجلة، ولن تُبصر النور في المدى المنظور، خاصة مع التعقيدات الجديدة التي فرضتها واشنطن وانقرة حيال العديد من الملفات، بيد أن ملف إدلب واقتراب التوصل لحلول بشأنه، سيُساعد نظرياً في البت بتشكيل اللجنة الدستورية.

القمة  قد لا تُحقق جديداً في السياق السياسي المُرتبط بملف إدلب، وما بعد خان شيخون، ولا يمكن البناء على هذه القمة لجهة إمكانية التوصل إلى حلول قد تُفضي مساراً سياسياً يكون بوابة لتفاهمات تتعلق حُكماً بملف الشمال السوري، وذلك نتيجة دخول واشنطن على خط الصفقات مع تركيا من جديد، وتحديداً تلك الصفقة التي أعلن عنها أردوغان، فقد قال أنه” إنه ناقش مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” خلال اتصال هاتفي رغبة تركيا بشراء منظومة باتريوت الأمريكية للدفاع الصاروخي، وأوضح أنهما سيبحثان المسألة أكثر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ستبدأ الأسبوع القادم.

ضمن هذه المُعطيات، من المؤكد أن الجيش السوري سيتابع خُططه الإستراتيجية المُحكمة في الشمال السوري، وسيؤَسس على النتائج الميدانية مُخرجات سياسية ناظمة لجُملة الحلول المتعلقة بإدلب واللجنة الدستورية، فالواضح أن هناك تجاذبات عديدة تجمع روسيا وتركيا وإيران، والواضح أيضاً أن حجم التعقيدات التي تُريد واشنطن العمل على صياغتها، ستزيد من تأزم الأوضاع في شمال شرق سوريا، لكن في المقابل، فإن كل هذه المُعطيات لن تؤثر في الجوهر والمضمون على توجهات دمشق، خاصة أن هذه التوجهات بُنيت على محورين:

الأول – الرئيس الأسد أكد خلال استقباله في وقت سابق وفداً من حزب روسيا الموحدة برئاسة ديمتري سابلين عضو مجلس الدوما الروسي، أن الانتصارات التي تحققت تثبت تصميم الشعب والجيش على الاستمرار بضرب الإرهابيين حتى تحرير آخر شبر من الأراضي السورية على الرغم من الدعم المستمر الذي تتلقاه التنظيمات الإرهابية من قبل العديد من الأطراف الغربية والإقليمية وفي مقدمتها تركيا، وهذا سيُترجم عبر تتابع العمليات العسكرية لفرض الرؤى السياسية في ملفي إدلب وشرق الفرات.

الثاني – تحرير مدينة خان شيخون الاستراتيجية سيكون بمثابة بوابة عسكرية للولوج إلى إدلب، ومن ثم التوجه إلى شرق الفرات، حيث أن سيطرة الجيش السوري على بلدة خان شيخون الاستراتيجية كان إحدى الحلقات الأبرز في استراتيجية القضم المتدحرج، مما يعني أن الهجوم السوري المدعوم بغطاء جوي روسي، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، بأن الدولة السورية لن تكتفي بهذا الإنجاز الاستراتيجي، بل ستسمر العمليات العسكرية الممنهجة لاستعادة مناطق أخرى، وهذا ما تم تأكيده في دمشق عبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى سورية ألكسندر لافرنتييف ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، خلال لقائهما مع الرئيس الأسد. الوفد الروسي أكد ان موسكو عازمة على الاستمرار بالعمل مع دمشق للتخفيف من الآثار الناجمة عن الحرب الإرهابية المستمرة على الشعب السوري، وذلك بالتزامن مع مواصلة العمل لمكافحة الارهاب وتطهير الأراضي السورية كافة.

في النتيجة، وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، قال في تصريح صحفي، إن “اتفاق سوتشي المبرم في 17 أيلول 2018 بين روسيا وتركيا، عامل مهم لكن هناك صعوبات ومشاكل”، وهذه رسالة واضحة بأن الروس باتوا ينظرون إلى اتفاق سوتشي ومسار أستانا بأنهما قد أصبحا من الماضي، وبالتالي بات من الواضح وضمن ما سبق من مُعطيات، أن مسار أستانا وصل إلى نهايته، ولم يعد قادراً على ضبط السياق السياسي المُتعلق بمناطق خفض التصعيد، وكذا الفشل لجهة النجاح في تأسيس ارضية مناسبة للبدء بعملية سياسية في سوريا، وفي جانب أخر، فقد كان اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنت عنه روسيا ووافقت عليه دمشق، مرتبطاً بتحريك العملية السياسية، لكن الواضح أن تركيا وبيادقها الإرهابية يسعيان لتوظيف هذا الاتفاق وتحويله إلى فرصة لالتقاط الأنفاس، ومن ثم البدء بعمليات إرهابية ضد الجيش السوري، من هنا يبقى التعويل على القرار السوري الصرّف البعيد كُلياً عن أي أجندات إقليمية أو دولية، فالقرار السوري بُني على معادلة وحيدة، تحرير كامل الجغرافية السورية من الإرهاب، سواء أكان أمريكياً أم تُركياً.

كاتب وإعلامي سوري

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here