أمجد إسماعيل الآغا: صفقة القرن والأمر الواقع.. دراما سياسية

 

أمجد إسماعيل الآغا

رغم وضوح جُزئيات المشهد بجانبية الإقليمي والدولي، إلا أن الحيرة البالغة قد بدت واضحة على المراقبون وصُناع القرار في المنطقة، فالتقلبات المتواصلة ذات الإطار المتناقض حيال المواقف والسياسات الأمريكية، لا يُمكن الركون إليها عبر خطابات التنديد والاستنكار، هذا الأمر يستوي تُجاه جُلّ السياسات الأمريكية في المنطقة. ولعل هذه الجُزئية قد استثمرتها واشنطن جيداً، فأدركت أن خصومها يناورن على جوانب النهايات المفتوحة لأزمات المنطقة، وهم في بحث دائم عن الخيارات والبدائل السياسية، حتى إن تطلب الأمر عقد شراكات غير تقليدية. لكن اليوم قد تعاظمت السياسة الأمريكية لجهة فرض أجندات تُقاس وفق منظورها الاستراتيجي للشرق الأوسط، وبما لا يتعارض إطلاقاً مع رؤية الكيان الاسرائيلي، فأجندة ترامب الخارجية بُنيت على نظام العلاقات الشخصية، والصفقات التجارية، لا سيما أن المراقب لتطورات الشرق الأوسط، يُدرك حقيقةً أن انجازات ترامب حُققت في إطار المنفعة المتبادلة، التي أقامها مع قادة فاسدين كـ أردوغان والسيسي وولي العهد السعودي، عطفاً  على رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. وبالتالي، بات من البديهي استشفاف أي صفقة يُهندسها ترامب وبيادقة في المنطقة، خاصة أن المقومات متوفرة وكذا النوايا والإمكانيات. وعليه فإن طريقة صياغة وماهية صفقة القرن التي أعلنها دونالد ترامب، هُيئ لها سوقاً استثمارياً إقليمياً ودولياً، وتم إدخالها في نفق تقديم التنازلات، للوصول إلى نهاية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

المُعطى الأساسي الذي لا بد من مواجهته يتجلى في التباين الخطير حيال رؤية صفقة القرن، والمعيار الذي يجب اتباعه لمواجهة هذه الصفقة، يجب أن يبتعد حُكماً عن مصطلحات التخبط الأمريكي والارتباك الاسرائيلي، وبطبيعة الحال فإن مسألة القضية الفلسطينية لم تعد تشغل حيزاً بالنسبة للكثيرين، حتى أن القضايا الأمنية والسياسة والعسكرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، لم تعد ضمن جدول الاهتمامات العربية. لا سيما أن السياسة الإسرائيلية هندست مساراً تُعزز من خلاله نُظمها الأمنية والجيواستراتيجية مع دول الإقليم، فالعُقم واضحاً لدى سياسات بعض النظم العربية تُجاه فلسطين، الأمر الذي أستغله ترامب ونتنياهو، فضلاً عن وجود افتراض جوهري لديهما ولأسباب عديدة ومعقدة، هو أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية مركزية، ولم يعد حلها أمراً بالغ الأهمية.

هذا الافتراض لابد من تبديده بوسائل عدة، إذ لا يُمكن استعادة الحقوق المُغتصبة، دون الاستحواذ على أوراق قوة بجُزئياتها السياسية والعسكرية، لصرفها في أي استحقاق مصيري ومُحدداً لمصير قضية كـ صفقة القرن ذات المواصفات الصهيوأمريكية –خليجية، خاصة أن المُراهنات الأمريكية الاسرائيلية، قد اتخذت مساراً ناظماً في أوقات سابقة، لجهة ردود الأفعال المتوقعة جراء الخطوات الأمريكية والإسرائيلية حيال ضم القدس إلى اسرائيل، وكذا الجولان. فالاعتقاد السائد بناءً على ما سبق، أنه سيتم تحجيم أي رد فعل على ما سيأتي من صفقات في ما يخص الصراع العربي الإسرائيلي، يُضاف إلى ذلك أن الإشارات التي سبقت إعلان ترامب، كان جُلها مُطمئناً، فالرضى الأمريكي والاسرائيلي على مواقف الأنظمة العربية تُجاه الممارسات بحق القضية الفلسطينية، يؤكد بأن أي رد فوق المتوقع سيتم إخماده. هذه التأكيدات وصلت إلى تل أبيب بالقبول الضمني لبعض الحكام العرب بالصفقة، وهذه التأكيدات أيضاً مبنية على أحاديث خاصة بين الجانب الأميركي وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، كذلك نقلت القناة الـ13 العبرية في وقت سابق، عن مصادر خليجية رسمية، أن الموقف الرسمي في الخليج من خطة ترامب لن يكون رافضاً، خاصة إن امتنعت الخطة عن السماح لإسرائيل بفرض سيادتها على الضفة المحتلة فوراً، الأمر الذي يعني أن موقف الخليج مبني وفقاً لشكل الخطة وطريقة تقديمها، وليس لمضمونها الفعلي.

كثيرة هي التحليلات التي أعقبت إعلان ترامب بنود صفقة القرن، وقد جاءت جُلّ هذه التحليلات في سياق التمهيد الانتخابي لـ ترامب، أو بُغية حرف الأنظار عن نتنياهو الغارق في ملفات الفاسد، ليكون هذا الإعلان بمثابة القشة التي ستنقذهما من الغرق. لكن وبعيداً عن هذا المنطق، فإن رؤية الرجلين فعلية وواقعية وقيد التطبيق، وبالتالي أي توظيف لهذه الصفقة من قبل الرجلين في سياق الاستثمار السياسي يبدو أنه غير واقعي، حتى أن الدراما السياسة التي سوقها البعض لجهة بعض المواقف المُعلنة، لا ترتقي لمستوى إعلان ترامب وابتسامة نتنياهو عُقب الإعلان، فالهزائم المتراكمة في سياق الصراع العربي الاسرائيلي، لم تأتي من مواقف الرفض والتنديد والاستنكار، بل جاءت جراء عُقم الخيارات اللاحقة لأي مشاريع تُسوقها الإدارة الأمريكية تُجاه القضية الفلسطينية. لكن ضمن هذه المُعطى، لا يُمكن إطلاقاً تعميم الهزائم على كل مسار الصراع مع اسرائيل، خاصة أن هناك أوراق كثيرة رابحة سياسياً وعسكرياً هندستها سوريا وإيران وحزب الله، في طريقة التعاطي مع أي مشروع أمريكي اسرائيلي يخص قضايا المنطقة المصيرية، فالمقاومة حققت الكثير من الانتصارات على اسرائيل، كما أن جُلّ المراهنات الأمريكية والاسرائيلية وحتى الخليجية، لجهة القضاء على حزب لله وحركات المقاومة الفلسطينية، قد باءت بفشل ذريع، إذ أن هذه الحركات لم تنحني للشروط الاستسلامية والمُهينة، وقد أثبتت قدرتها على فرض رؤيتها بالقوة.

الدراما السياسية التي شهدها الاجتماع الطارئ لـ جامعة الدول العربية، بُغية اتخاذ اجراءات مؤثرة وفاعلة حيال صفقة ترامب – نتنياهو، لم يكن إلا مسرحية يتبادلون خلالها المواقف السياسية، دون أي تأثير حقيقي وفعلي يضع حداً لحالة التخبط والانكسار الذي يؤطر المشهد العربي برمته، فالوقائع والمعطيات التي رافقت إعلان ترامب، تؤكد بأن بعض الدول العربية تحمل أجندات ضمنية، بخلاف ما يتم إظهاره والتسويق له، لا سيما أن جاريد كوشنر أكد أن مصر والسعودية وقطر والبحرين وعُمان والإمارات، قد أبدوا موافقتهم على صفقة القرن، وهذا يؤكد بأن إعلان صفقة القرن، لم يكن معزولاً عن ترتيب المسارات الإقليمية المتعلقة ببنود هذه الصفقة، إذ لا يُمكن أن تخرج عن هذه الصفقة دونما تنسيق متزامن أمريكي عربي، لإضفاء الشرعية على صفقة القرن. وعليه يبدو واضحاً أن الاجتماع “الطارئ” الذي عقدته جامعة الدول العربية، لم يكن إلا دراما سياسية من سلسلة متكاملة، تأتي تتويجاً لصفقة ترامب.

في المحصلة، فإن ما تشهده الساحة الفلسطينية بكل مكوناتها، يعود اساساً إلى حالة الاستكانة العربية تجاه القضية الفلسطينية، وقد حاولت الكثير من الدول ذات الهوى لأمريكي، تعميم هذا المشهد في الداخل الفلسطيني، وتطويق خياراته السياسية، ولجم قوة الفصائل العسكرية، عبر التضيق عليها، ومحاولة فرض مقايضة سياسية قوامها دعم لا محدود، في مقابل المساكنة مع الاحتلال.

لكن وعلى الرغم من هذه السياسات، فقد استطاعت المقاومة الفلسطينية بشقيها السياسي والعسكري، فرض حالة من اللا منطق في وجه القوة الاسرائيلية، وتمكنت في مناسبات عديدة من فرض معدلات غير تقليدية في وجه اسرائيل، الأمر الذي يُمكن البناء عليه لصوغ معادلات جديدة، تكون سبباً في إجهاض صفقة القرن.

وعليه يجب عدم الركون إلى الواقع العربي المتشظي على جوانب الخطط الأمريكية الاسرائيلية، ويجب تهيئة أسباب القوة ومدها إلى الداخل الفلسطيني، لمواجهة العربدة الأمريكية الاسرائيلية الخليجية ضد فلسطين وشعبها، وفي جانب أخر لا يقل أهمية عما سبق، يتمحور حول تعزيز القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، فهي القادرة على تحقيق التعديلات الجذرية في سياق الصراع مع الكيان الاسرائيلي، وتفعيل قواها العسكرية لإلغاء الأجندات المرتبطة بمضامين صفقة القرن.

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here