أمجد إسماعيل الآغا: تفجير منبج.. بين الاستراتيجية الأمريكية والمصالح التركية

أمجد إسماعيل الآغا

المتابع لتطورات الشأن السوري و حيثياته، يدرك بأن القوات الأمريكية و كذلك التركية هم من أبرز داعمي الفصائل الإرهابية في سوريا، إذ تنطوي هذه الاستراتيجية الأمريكية و التركية على تطويع ذريعة محاربة الإرهاب كـ وسيلة لتمرير الأجندات و تنفيذ الخطط، و في سياق الحرب على سوريا، كَشفت العديد من التقارير الصلة الوثيقة التي تربط الفصائل الإرهابية و على رأسها تنظيم داعش الإرهابي و جبهة النصرة الإرهابية، بكل من واشنطن و أنقرة، فضلا عن جعل الأراضي التركية معبرا لهذه الفصائل، و بدعم استخباراتي أمريكي و تركي، و الملاحظ أنه خلال سنوات الحرب على سوريا، لم تُسجل أي إستهدافات للقوات التركية أو حتى الأمريكية من قبل هذه التنظيمات، ما يؤكد حجم التنسيق و التخطيط فيما بينها، و بالتالي ما حدث في منبج شمال سورية، ما هو إلا مسرحية هزلية حيكت برعاية أمريكية تركية بُغية تمرير استراتيجية تخدم واشنطن و أنقرة على السواء، و هذا يندرج في إطار تدوير الزوايا، من أجل تبرير البقاء الامريكي في سوريا تحت ذريعة محاربة الإرهاب، و من المؤكد أن فصول هذه المسرحية سيتم الكشف عنها قريبا.

توقيت التفجير الذي حصل في منبج لم يكن مفاجئا، لا سيما بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، و ما تبعه من تناقضات و تعقيدات رافقت هذا القرار، و لا شك بأن المتضررين من هذا الانسحاب هم بيادق واشنطن و على رأسهم تركيا، و الجدير بالذكر أنه في 19 من كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي اعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب انسحاب قواته من سوريا، هذا القرار الذي أثار زوبعة في الأوساط السياسية و العسكرية الأمريكية، الأمر الذي دفع وزير الدفاع جيم ماتيس إلى تقديم استقالته كوسيلة ضغط على ترامب، بغية دفعه للتراجع عن قراره، هذا القرار الترامبي و بحسب ترامب سيكون ضمن سياسة الانسحاب البطيء و الماكر من سوريا، بحجة ضمان المصالح الاميركية.

بُعيد القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، كان لافتا سياق التصريحات التي جاءت بمجملها في سياق خطة استراتيجية امريكية، يراد منها على المدى البعيد، شرعنة التواجد الامريكي، في هذا السياق اقترح “إريك برنس” مؤسس شركة “بلاك ووتر” الأمريكية العسكرية الخاصة، على الرئيس الاميركي دونالد ترامب ما اعتبره حلا يتيح منع وقوع الفراغ الأمني بشمال سوريا بعد انسحاب قوات الولايات المتحدة من هناك، حيث تم اقتراح نشر عناصر مسلحين مدفوعي الأجر في الشمال السوري محل القوات الأمريكية، بعد خروجها منها، كما أكد برنس إلى أن اللجوء إلى خدمة شركة أمنية خاصة سيتيح لترامب تنفيذ وعده الانتخابي بشأن “إنهاء الحروب” الخارجية للولايات المتحدة، لكن مع إبقاء ضمانات أمنية لحلفاء واشنطن حسب قوله، و المثر للجدل ما اعلنه برنس بقوله” ليست تركيا هي التي تشكل الخطر الأكبر على الأكراد، بل قوات الحكومة السورية وإيران”، حسب زعمه، و من الجدير بالذكر أن شركة بلاك وتر ارتكبت جرائم ترقى لمستوى جرائم الحرب أثناء تواجدها في العراق إبان الاحتلال الامريكي، و قد أثارت الانتهاكات وجرائم الحرب التي ارتكبها أفراد الشركة، بما في ذلك قتل 17 مدنيا بريئا وسط بغداد عام 2007، جدلا اجتماعيا في الولايات المتحدة بخصوص استخدام الحكومة للشركات الأمنية الخاصة.

صحيفة “نيويورك تايمز” أشارت بدورها، إلى وجود صلات بين برنس ومسؤولين في إدارة ترامب، إذ استثمر برنس 250 ألف دولار في حملة الرئيس الانتخابية، مضيفة أن أحد المسؤولين في البيت الأبيض اقترح في صيف 2017 استبدال العسكريين الأمريكيين في أفغانستان بعناصر شركة “أكاديمي” (تسمية جديدة لـ”بلاك ووتر”)، غير أن ترامب ومستشاريه العسكريين لم يوافقوا على هذه الخطة.

بات واضحا أن الهجوم الذي تبناه تنظيم داعش في منبج، هو هجوم مدبر و منسق مع الأمريكي و التركي، و ذلك بغية اثبات حقيقة وهمية بأن داعش لا يزال قادرا على التحرك، و هذا يوصلنا و ضمن ما سبق من معطيات، إلى أن إعلان ترامب سحب قوات بلاده من سوريا، لا يعد إلا استراتيجية خبيثة اعتمدها ترامب من أجل إيجاد آليات جديدة تُبرر له البقاء في سوريا من جهة، و من جهة أخرى تسمح له بتوسيع قواعده في سوريا و العراق، تمهيدا لتمرير اجندات يراد منها إطالة أمد الحرب في سوريا، و العبث بمفردات الحل السياسي، إضافة إلى العمل على إحداث توترات سياسية و عسكرية في العراق، و هذا يصب مباشرة في استراتيجية واشنطن التقسيمية.

في النتيجة، قد يكون تفجير منبج هو بداية مسلسل إرهابي بإخراج أمريكي تركي، الغاية منه خلط الاوراق السياسية و العسكرية التي باتت في يد الدولة السورية و حلفاؤها، و لا يخفى على أحد، أن محور المقاومة و الحليف الروسي لديه خطط بديلة لمواجهة الاستراتيجية الامريكية و التركية في شرق سوريا، و ما يُحاك أمريكيا، سيكون للجيش السوري مهمة تفكيكه و كسره، و هذا ما أُثبت خلال سنوات الحرب التي فرضت على سوريا، من الجنوب السوري مرورا بدمشق و محيطها، و وصولا إلى محيط منبج و رمزيته السياسية و العسكرية، حيث انه في كل هذه المحطات، تمكن الجيش السوري و حلفاؤه من كسر خطط واشنطن، و هزيمة أدواته الارهابية، و ما التخبط الأمريكي و التركي و البحث عن حلول و بدائل لتقويض مفاعيل الانتصار السوري، إلا ترجمة لانتصار الدولة السورية و جيشها.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here