أماني رباح: الرئيس الفلسطيني محمود عباس والمناطق الرمادية الثلاث

 

 

أماني رباح

في بداية الأمر قد يتبادر إلى الأذهان سوء مفهوم المنطقة الرمادية التي لا يقبلها عقل ولا منطق، وباللغة العامية تجد من ينعت الآخرين بالقول لا تكن رمادياً، نعم لا تكن رمادياً في موقفك، وإن اجتهد المراوغون بمحاولة نشر مفهوم أن هناك ألوان أخرى غير الأبيض والأسود، فالسائد حينما نقول لاتكن رمادياً أي في اتخاذ المواقف، إما أن تختار أبيضا أو أسودا يا نعم أو لا، لكن دعاة أن هناك ألوان أخرى ليس الهدف النظر إلى الطبيعة وألوان أزهارها وثمارها، بل قبول الرماديون في حياتنا في مؤسساتنا، في أن يحكموا مستقبلنا، هذه الرمادية ليس كما يقال لكل مقام مقال، بقدر ماهي لغة الحدث والآنية ولغة السطحية وردات الفعل، ردات الفعل العاطفية المشحونة التي سرعان ما يندم ربما مرتكبيها، ولكن ربما أيضا يُمعن ممارسها بأن يبقي على ردة الفعل في اثبات سطحيته ، وكأنه مبني على العقل والمنطق، لقد كان مايحكم هذا الموقف هو الصوت المرتفع والوسيلة الإعلامية الصاخبة، وأسلوب نعت الطرف الآخر الذي يحاول أن يدافع عن المنطق والعقل، لكن كما يقول المثل الشعبي “أبو لسان غلب أبو فعال” نحن نحتاج الاثنان معا لسان يعبر بمنطق عن فكرة بأدلة وحجج وبراهين ويُترجم بفعلٍ، لا أن يلغي أحد على الآخر، ويكن هو السمة السائدة ويوهم القوم بضجيج ذلك الرمادي بأنه خير لكل الأطراف .

ونتساءل هنا ماهي المنطقة الرمادية هي ليست مساحة جغرافية تحكمها المقاييس ويتم تفصيلها للخروج من منطقتي الأبيض والأسود، وتقع بينهما، ليست بهذه السهولة، كأنك تريد نزع بعض الشوائب فالأساليب والأدوات لنزع الماديات من الأشياء يكون سهلاً وإن واجهت بعض الصعوبات، لكن ماذا عن المنطقة الرمادية المتعلقة بالمواقف والآراء، متعلقة بالقيم والمباديء، متعلقة بالأفكار، بل بالفكرة، بل بالمعتقدات، كل هذه اللاماديات التي تتواجد في المنطقة الرمادية وتصنع نفسها خلالها، أو يتم صناعتها من قبل الأفراد، وكأن عمليات البرمجة الذهنية التي تُمارس تتماشى وتلك المنطقة الرمادية من الأفكار، تلك أشد خطورة في القضايا المصيرية، وقد تبدو أكثر ارتياحاً مع من يسيرون أينما تتجه الريح، بل لا سلطة لهم على أنفسهم، لا شيء يهم يعتبرون أن الحياة ليست معركتهم .

لكن ماذا لو كنت أنت في وسط تلك المعركة، معركة الحق الفلسطيني ووجدت أنك محاصر بمناطق رمادية ثلاث هل ستجعل الرياح تدفعك كيفما تشاء، وتقبل بتلك المنطقة، أم ستسعى ليكون الأبيض أبيضاً والأسود أسوداً، هذا مافعله الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأن ألغى المناطق الرمادية التي كانت مليئة بالتضليل، كانت جيدة لفترة لأنك لا تفكر ليس لديك طموح ، لكن دعونا نتعرف على تلك المناطق الرمادية التي اخترقها الرئيس محمود عباس وافقدته حب الكثيرين وجعلته في مرمى النيران والهجوم المستعير .

 المنطقة الأولى وهو من وقع على اوسلو بل هو كما يُعرف مهندس الاتفاق الذي وقعه بيده وأعلن أن الفلسطينيين بحل من الاتفاق، بعدما افرغه الاحتلال من مضمونه، لطالما كان الاحتلال يقف بالمنطقة الرمادية غير الظاهرة  وذلك من خلال مايروجون له عن رغبتهم بالسلام والممارسات على الأرض عكس ذلك من استيطان وقتل وسرقة الأرض، دولة احتلال اقامت دولتها على أرض فلسطين التاريخية، تقتل الشجر والحجر وتحتل القدس وقبلة المسلمين الأولى، تريد سلاماً كما لو كانت ضحية، الفلسطيني الذي طُرد من أرضه كان عليه أن يفهم هذه الحيلة الرمادية التي يمارسها الاحتلال أمام المجتمع الدولي، حتى ظن أن هذا الجسم الغريب يُمارس عليه ظلم تاريخي، ويطالب الفلسطيني بنبذ العنف والإرهاب ، فقفز لهم محمود عباس في المنطقة الرمادية التي يتخفى بها الاحتلال متى يشاء، جرهم ليكشف المنطقة البيضاء التي يتحدثون عنها وهم بعيدون عن تنفيذها أمام المجتمع الدولي، ويظهر لهم رماديتهم وأن لا جدية فيما يقولون ووقعوا عليه أيضا، فكشف كذب إدعاء السلام واظهر لهم المنطقة التي من خلالها يتحدثون وجرهم للمنطقة السوداء التي أساساً يقوم عليه مشروعهم، وانعكس على إظهار الموقف الأمريكي الذي أيضا جُر فيه ترامب ليفضح مواقفهم المنحازة لإسرائيل، فسنوات التضليل والرمادية كوسيط بين الطرفين قد كُشفت .

أما بالنسبة للمنطقة الرمادية الثانية فكانت مع حركة حماس كانت المقاومة هي المنطقة الرمادية التي تلعب فيها حماس وقد اجادت اللعب جيداً في كسب تعاطف الشعب الفلسطيني وبعض الأطراف العربية،  ناكرة مقاومة شعبنا بكافة وسائله المشروعه، وقد صنفت نفسها كفصيل هدفه المقاومة وتحرير فلسطين ولا يطمع بالسلطة، وعلى أن يبقى خارج مؤسسات اوسلو، استمر هذا الرفض في أول انتخابات فلسطينية عام 1996 ولكن الذي لم يكن مفاجئا مشاركة حركة حماس في انتخابات 2006، بعد عام تنقلب على منظمة التحرير الفلسطينية من خلال مواجهتها مع حركة فتح وعناصرها والأجهزة الأمنية، تم الدعوة إلى الوحدة الوطنية وانضمام كافة الفصائل لمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وأن المقاومة حق لشعبنا بكافة الطرق المشروعة، ضمن برنامج وطني ولا يجوز لفصيل أن يستفرد بحمل السلاح وقد دعا حينها الرئيس محمود عباس إلى سلطة واحدة وسلاح شرعي واحد ولم يكن هناك مواجهة الدم بالدم في الانقلاب لأننا ضعفاء أمام الدم الفلسطيني هذا ماقاله الرئيس محمود عباس وهذا ما نفذ، ويبدو أن حماس لم تعِ وتفهم الدرس جيداً ، لقد استطاع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يقفز ثانيةً في مرمى حركة حماس واحتكار والعبث في المنطقة الرمادية التي يسمونها مقاومة، ليرد على صواريخهم التي كانوا يطلقونها بالصواريخ العبثية، خُون محمود عباس وانهالت عليه وابل من أقبح المسبات والتخوين وكأنه يمس المقاومة، هم يدركون أنه أتى ملعبهم لكشف زيف تلك المنطقة الرمادية وماذا وراء هذا المشروع وكيف تديره حماس بأجندات لا علاقة لها بفلسطين، وتتوالى الأيام وتُوقف حماس بنفسها إطلاق الصواريخ وتعتقل كل من يطلقها، وتنسق وتجند عناصرها لحماية الحدود مع الاحتلال، ويخرج قادتهم بين تهدئة وهدنة وبين طويلة الأمد وبين وقف إطلاق النار وزيادة مساحة الصيد، وبين اتهام من يطلق الصواريخ بأنها صواريخ غير وطنية، تلك المنطقة الرمادية كشفها للداخل الفلسطيني ولمن توهم يوماً أن لحماس مشروع مقاومة، و اليوم تخرج تباعاً أسماء وخلايا مرتبطة بالاحتلال من قياداتهم بكل أسف، إذا استطاع محمود عباس أن يقتحم منطقتهم الرمادية وجرهم إلى المنطقة السوداء التي هم بالفعل فيها وكانوا يضللون المجتمع عبر إدعاء ثارة الحرب على الاحتلال وعدم الاعتراف به وبين التنسيق معهم، وبين عدم رغبتهم بالسلطة تلك المنطقة البيضاء ماعاد يمكن الكذب من خلالها، كانوا يروحون بين الأسود والأبيض في عملية تضليل حتى تم إظهار حقيقة الرمادية التي يمارسونها باسم المقاومة .

والمنطقة الرمادية الثالثة وهو المجتمع الدولي مُدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها هذه المنطقة التي ينطلق منها، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يكون له دولة، فكان شرط إقامة دولة إسرائيل في ظل الظلم التاريخي الذي وقع أن يكون هناك دولة فلسطينية تبعاً لقرار التقسيم، عاد الرئيس محمود عباس ليطرق المجتمع الدولي ليخاطبهم  بما أخذوه على أنفسهم من قرارات وقالوه من شعارات، ليسحب من أدراجهم ماكتب ويناقسهم من خلاله، كانت الخطابات فضفاضة ولغة يسمعها الظالم والمظلوم القاهر والمقهور، الدول العظمى والدول المستعبدة، دول الاستعمار والدول المستعمرة، هذه هي المنطقة الرمادية التي قفز إليها الرئيس محمود عباس ليشاهد الفلسطيني والمواطن العربي ودول العالم أن المجتمع الدولي يخاطب العالم ليس كما يشاهدوه من منطق العدل والحقوق والشرعية، بل يتربع هذا المجتمع في المنطقة الرمادية غير الظاهرة أيضا فاستطاع الرئيس محمود عباس أن يظهرها أن لا إمكانية لقرارات أن تُنفذ وأن هذا المجتمع تُهيمن عليه أمريكا حتى وإن لم يصرح بذلك، فها هي الولايات المتحدة تهدد رئيس دولة فلسطين بشخصه والقيادة الفلسطينية في احتقار للمجتمع الدولي وممارسة البلطجة بحق الشعوب وقادتها، فكلما حاولت فلسطين للانضمام لأحد مؤسسات المجتمع الدولي تجد أمريكا توقف دعمها وتنسحب من تلك المنظمات، هذه المنطقة التي أكثر ماكان يستغلها هي أمريكا فكشفت من داخل تلك المنطقة وكانت التعرية واضحة أمام العالم .

إذا هذه هي المناطق الرمادية التي تم اقتحامها وكشفها، ليفضح من كان يدعي السلام ويرواغ ومن يدعي المقاومة ويقاول ومن يدعي الحياد وللاحتلال ينحاز، فهذه هي المناطق الرمادية التي تجعلك تقف وحدك تحارب بمفردك، ويمارس عليك ضغط وأنت تحاول أن ترجح لغة العقل والمنطق مع من يكذب باسم المقاومة والإسلام والآخر باسم حقوق الإنسان والثالث يطلب المفاوضات وأنه يريد السلام، أمام كل هذا أنت صاحب مشروع وفكرة، أنت صاحب حق، عليك أن تقتحم تلك المناطق وحدك، تحاول أن تظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود  لتتحرى هلال الدولة الفلسطينية، تحاول أن تعلن للعالم أن هناك حق وآخر باطل، هناك فلسطين التي ترزخ  تحت الاحتلال مايفوق السبعة عقود، ودولة أخرى تمارس القتل والإجرام بحق شعب أعزل إلا من رغبة الحرية والعيش بسلام .

هنا علينا أن نُمعن بالقراءة والتأمل أكثر بالمواقف والممارسات، مقارنة بين القول والفعل، وعدم الارتهان للأفكار الجاهزة، لا تبرر شيء فذلك ظلم للفكرة حاول استخدام الأدلة والبراهين كي تريح ضميرك عندما تتخذ موقفا ما، ولا تبقى أسيرا للرمادية التي تُصنع وتعيش فيها وتمارس مواقفك من خلالها دون دراية، وتظن أنك تحمل موقفاً محدداً وإذا بك تميُل مع من مالوا، ويصبح لك موقفاً هو موقفهم ورأياً هو رأيهم، وقد تمتلك موقفاً بلا حجة فمن السهل أن تستبدله، وقد تمتلك الحجج والبراهين لكن ليس لديك موقفا، وقد لا تستطيع أن تتخذ أي قرار لضعف حجتك، وربما عدم مبالاة، أو ظروف قاهرة، وربما المصلحة الذاتية تستدعي أن تكون سلبياً، بهذا أنت الشخص الرمادي الذي يتم صناعتك، لتقبل كل الرمادية التي تنتشر وتتبناها وتصنع لها منطقتها، فكيف بمقتحم تلك المناطق وأن لا يكون شخصاً عادياً بل رئيسا لدولة فلسطين .

كل هذا لا يمكن أـن يكون لمن هو صاحب فكرة وفِكر صاحب رؤية وبصيرة في التعامل مع كل القضايا، أمام الهجوم الكبير وما يتعرض له على الصعيد الداخلي والخارجي إلا لأنه لم يمارس يوماً موقفاً رمادياً ولا يقبل بالرمادية لا قولا ولا فعلاً ولا من باب مناورة، كان يناور بصبره وحكمته وتأنيه هذا هو رفيق الشهيد ياسر عرفات الذي خاطب المجتمع الدولي يوم قال جئتكم حاملاً غصن الزيتون الأخضر بيدي وبندقية الثائر في يدٍ بين خيارين لا ثالث لهما فلا رمادية وهذا ماتُرجم في النضال الفلسطيني وجسده واقعياً وملموساً الرئيس محمود عباس .

شكرا سيادة الرئيس لأنك كشفت للمجتمع الفلسطيني وللعالم تلك ، لقد كنت بطيئا جداً سيادة الرئيس ونحن كنا على عجالة من أمرنا ننتظر النتيجة، لندرك صحة ماكنت تقول وتصر عليه، وما أطول صبرك ، جازفت بشعبيتك، الذي يعرف شخصيتك يدرك جيداً أنك لست شعبوياً ولطالما كنت الأكثر حكمة، حينما قلت خطاب غير شعبوي يحمي شعبي خير من خطاب شعبوي يقتل شعبي، صدقت وفعلت .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. ها انتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة امن يكون عليهم وكيلا
    اذكر بهذه الآية كل من يسحج لأوسلو ورجالها كي يثوبوا الى رشدهم قبل ان يأتي يوم لا ينفع فيه الندم

  2. السيد محمود عباس كشفهم فأحسن فضحهم، ولكن السؤال هو: الآن ماذا بوسعه أن يفعل لخدمة القضية الفلسطينية بعدما أوسع المقاومة الشعبية في الضفة الغربية تنكيلا و زج خيرتهم في السجون منذ انتفاضة الأقصى..
    دعونا نعود للجرح الفلسطيني النازف ونتعلم من كارتة أوسلو أن اللغة الوحيدة التي يفهمها الرماديون هي مقاومة مسلحة كمقاومة اللبنانيين وكفى تنسيقا امنيا لحماية الصهاينة..

  3. المقال متحيز للرئيس عباس ويجافي الحقيقة.. كفانا تمسحا ومحاباة للشخوص والرموز على اختلاف أشكالها ومواقعها وتنظيماتها لأسباب نعرفها جميعا ومثل تلك المقالات تجعل قياداتنا تمعن قمع الشعب.. من الآخر ويالعربي الفصيح مثل تلك المقالات هي التي تصنع الطغاة. تحياتي للكاتبة مع رجاء تقبل ملاحظاتي بروح رياضية.
    تحياتي لراي اليوم مع رجاء نشر التعليق

  4. الكاتبه أماني رباح
    600 قفزه جعلتي عباس يقفز ياأختي الكاتبه عباس دمر المسأله الفلسطينيه وفكك المجتمع الفلسطيني وتسبب في حرب أهليه “أحداث الإنقسام” ووسم المقاومه بالإرهاب وطمع العرب بفعل هذا وهو جزء لايتجزء من معاناة غزه ويقمع أي رأي مضاد في الضفه ويستقوي باليهود وبعلاقات مع دول معاديه للشعب الفلسطيني حتى فتح قسمها لتيارات دحلان وشتيه الرجوب وفرج الشيخ وصبيح المصري مسؤل البنوك بإختصار عباس لن يكون بطل قومي أما حماس رغم إنفصامها السياسي تقف ضد النظام السوري ولاتنبس بكلمه عن جرائم السعوديا في اليمن وتناور بين تركيا وإيران وتحاول فتح قنوات إتصال مع أوربا وحتى واشندن وفشلت في إدارة غزه من ناحية الأمور الحياتيه ولديها بعض الفساد ولديها أمور غير مفهومه إلا أنها مازالت على الأقل تحتفظ بسلاحها لحماية ماتبقى من المسأله الفلسطينيه عباس حقبته ستصنف على أنها الأسوء وطنيا بلا منازع لن يكون عباس بطل قومي إلا بنظر السحيجه فقط الرجاء النشر يا صحيفة رأي اليوم .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here