ألكسندر نازاروف: القرار يتّخذ اليوم: هل يبدأ ترامب الحرب ضد إيران

يحل موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية خلال عام أو يزيد من الآن. وقد تصبح إيران عاملا رئيسيا في فوز أو خسارة الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، في هذه الانتخابات.

تعتاد الإدارات الكذب على الشعب، وتزداد حدة تلك الظاهرة خاصة قبيل الانتخابات. ورأينا كيف راقبت النخب السياسية الروسية بهدوء وتساهل، محاولات مرشحة انتخابات الرئاسة الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، تضخيم فقاعة “رشا غيت” (فضيحة التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الأمريكية) في بدايتها، لتصبح ورقة لعب رابحة في المنافسة مع غريمها، دونالد ترامب، في تلك الانتخابات. ولكن مع الوقت، ومع تصاعد الهيستيريا واتخاذ خطوات عملية في الحملات المضادة لروسيا، تحولت الابتسامات الهادئة والمتساهلة إلى دهشة، لتصل تلك الخطوات في نهاية المطاف إلى سباق تسلح نووي، بل وكادت تؤدي أحيانا إلى صدام مباشر بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

إن الاستنتاج الرئيسي من “رشا غيت” هو أنه ليس لدى النخب السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية أي محظورات فيما يمكن التضحية به بسهولة خارج حدود الولايات المتحدة من أجل الفوز بالسلطة في واشنطن. ومن أجل ذلك فكل الوسائل مباحة، بما في ذلك تدمير دول بأكملها والحرب النووية، لتحقيق هدف الوصول إلى السلطة. الحرب ضد العراق عام 2003، وقبلها الحرب ضد يوغوسلافيا، “رشا غيت” والآن لا يمكننا النظر إلى الأزمة الإيرانية بمعزل عن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية.

لا يوجد في الوقت الراهن، بالنسبة لدونالد ترامب، قضية أهم من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فكيف يمكن أن تنعكس الحرب المحتملة ضد إيران على تلك الانتخابات؟

في ظل الركود الاقتصادي المتصاعد في العالم، تمثّل الولايات المتحدة الأمريكية الجزيرة الوحيدة التي لا زالت تحافظ على نمو اقتصادي (ولو أنه باتجاه التراجع)، من بين دول “الغرب المتعولم”. ومع ذلك فالوضع هش، وتشير كافة المؤشرات إلى أن الركود سيشمل الولايات المتحدة أيضا في العام المقبل، وعلاوة على ذلك فإن مؤشرات أكثر أصبحت تشير إلى أن ذلك لن يكون مجرد انخفاض طفيف، وإنما انهيار يشبه أزمة عام 2008 الاقتصادية، وحينها ستهوي مؤشرات الاقتصاد، ومعها فرص دونالد ترامب للفوز بانتخابات رئاسية إلى ما دون الصفر.

وانطلاقا من هذا، فإن أي صدمات كبيرة مثل إغلاق مضيق هرمز أو تدمير البنى التحتية للمنشآت النفطية السعودية، قادرة على تسريع تباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو أمر غير مقبول لدونالد ترامب، حيث أن احتمال الحرب مع إيران يعني ضمنيا إغلاق المضيق وتدمير المنشآت. ونحن نرى أن منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية التي اشترتها السعودية غير قادرة على حماية منشآتها النفطية.

وعليه فإنني أجازف بالقول بأنه حتى يبقى الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية إيجابيا ولا يعرقل إعادة انتخاب ترامب، سوف يحاول الرئيس الأمريكي، قدر الإمكان، الحفاظ على عدم تورط البلاد في أي عمليات عسكرية ضد إيران.

ونحن نرى أن جدول أعمال السياسة الخارجية الأمريكية لم يعد يشغل الأولوية ذاتها بالنسبة لترامب في الآونة الأخيرة، حتى أن الحرب التجارية مع الصين لم تعد بنفس الشراسة التي يواجه بها دونالد ترامب البنك المركزي الأمريكي والاحتياطي الفدرالي، الذي يملك الآن مفتاح المكتب البيضاوي في البيت الأبيض لعام 2020.

إن الاقتصاد العالمي يتحرك نحو أزمة أخرى، وبالنظر إلى الإرث المتراكم من القضايا العالقة، فإن هذه الأزمة مرشّحة لأن تفوق أزمة عام 2008. لذلك فإن البنوك المركزية حول العالم تخفّض بشكل جماعي سعر الفائدة على القروض، محاولة منها في تحفيز نمو الاقتصاد دون طائل. فها هو البنك المركزي الأوروبي لم يكتف بخفض سعر الفائدة على القروض الأسبوع الماضي، وإنما أطلق سياسة “التسهيلات الكمّية” QE، التي سيقوم بموجبها البنك بطبع نقود غير مغطاة بالبضائع في محاولة لتأخير الأزمة.

اليوم، الأربعاء 18 سبتمبر، يوافق موعد اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستحذو حذو الأوروبيين أم لا. أو بمعنى أصح، هل تفعل ذلك الآن أم لاحقا، بما أن الأمر حتمي على أي حال. يسعى دونالد ترامب بكل قوة إلى أن يحدث ذلك قبل الانتخابات، ويستحسن أن يحدث الآن فورا.

في أغسطس دعا مدير بنك نيويورك للاحتياطي الفدرالي، ويليام دادلي، مجلس الاحتياطي الفدرالي لرفض سياسة “التسهيلات الكمّية” QE، وخفض سعر الفائدة على القروض، وأي إجراءات أخرى لتحفيز الاقتصاد، بغرض منع إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسا. وحينها أعلن الاحتياطي الفدرالي عن رفضه الانصياع لأي دوافع سياسية، ولكن السؤال الآن يبقى مطروحا: هل تتوافق اليوم الأفعال مع الأقوال؟

وهنا نصل إلى إمكانية انقلاب الوضع بزاوية 180 درجة. فلو لم يتخذ الاحتياطي الفدرالي قرارا حتى نهاية العام الحالي (ويعني ذلك اليوم)، باستئناف تحفيز واسع النطاق للاقتصاد الأمريكي، فسوف نرى غالبا انهيارا في البورصات، وانخفاضا للناتج الإجمالي المحلي الأمريكي في المستقبل القريب.

وفي هذه الحالة سيفقد دونالد ترامب ورقة اللعب الرئيسية، التي دائما ما كانت تعزز موقفه في مواجهة هجمات مؤسسات الدولة، وهي النمو الاقتصادي الأمريكي في عهده. وسيصبح طريقه الوحيد للبقاء في السلطة هو أن يصبح “رئيس الحرب”. وهنا ستتحول الحرب ضد إيران من تهديد محتمل لترامب، إلى الفرصة العملية الوحيدة لإعادة انتخابه لمدة رئاسة ثانية. وكلما اتسع نطاق وخطورة الحرب كلما كان ذلك أفضل، لإمكانية التذرع بها في كافة المصاعب الاقتصادية، بل ولإمكانية تأجيل الانتخابات الرئاسية بالأساس.

ليست إيران بقدرة روسيا أو الصين، وسوف تنتصر عليها الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية المطاف، مهما كانت التكلفة الاقتصادية الهائلة للعالم. بل وقد تمكنت الولايات المتحدة الآن من تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، وسوف يؤدي خروج النفطين السعودي والإيراني من السوق العالمية إلى الإضرار بمصالح المنافسين، أوروبا والصين. بمعنى أن الحرب بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية سوف تكون بمثابة ضرب عصفورين بحجر واحد.

وبهذا أعتقد أن اليوم هو أحد أهم أيام السنة، فدعونا نرى أي قرار سيتخذه الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، القرار الذي سيحدد تداعيات الأمور في العالم مستقبلا. (روسيا اليوم)

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. غالب
    مقالة جيدة لكن نسي الكاتب ان الظروف التي تحدث عنها ستجعل روسيا بسبب كونها المصدر الأعظم للنفط في تلك الظروف دولة عظمى في كل العالم وستكون اوربا تحت رحمتها
    هل الأمريكان اغبياء إلى هذه الدرجة كما يفعل السعوديون اليوم بالتحريض على حرب سيكونون هم اول حطبها

  2. هناك ثغرة كبيرة في هذا التحليل وهي عدم فهم السايكيولوجيه الإيرانيه يجب معرفة ان الايرانيين يتميزون بطول النفس والإصرار حتى في حروبهم فأمريكا لو ضربت ضربة محدودة.فان الرد سيكون اكبر من ضربة امريكا وعندها. ان سكتت امريكا فستخسر كل شيء وان ردت فستندلع الحرب وهنا يأتي عامل الاصرار بمعنى ان الحرب ستكون طويلة الأمد وأمريكا لا تتحمل حربا طويلة الأمد. وسيقتل آلاف الأمريكيين في غضون اشهر بمعنى ان امريكا يجب ان تستعد لموت عشرات الآلاف من الأمريكيين خلا ل عام واحد وهذا يعني انها ستنهار لان المجتمع الامريكي لن يصمد حتى شهرا واحدا في حرب حقيقية ربما يتحمل المجتمع الامريكي الف قتيل خلا ل عشر سنوات مثلا اما انه يقتل منه الف او ألفين كل شهر فهذا لايمكن في مجتمع رأسمالي لا اخلاقي نكرر ان ايران ليست العراق قيل سبعة عشر عاما بل هي ليست حتى فيتنام الستينات هي شيء اصعب وأخطر بكثير من هذه المقايسات سيخسر الا مريكي. في مواجهة ايران أضعاف ما خسره في فيتنام وبفترة قياسية ولذلك اطمئنوا فأمريكا لن تحارب ايران حتى لو احرقت ايران كل نفط الخليج وتحية من عراق المقاومة لكل ام فلسطينية قادمون رغم الذل العربي

  3. لم يخرج الأقتصاد الأمريكي والعالمي من الركود الأفتصادي العالمي في العام 1929 من خلال ادوات السياسة المالية والنقدية فقط بل الحرب العالمية الثانية هي بالدرجة الأولى من فعل ذالك ، الرأسمالية دائما لا يخرجها من مأزقها سوى الحروب ، الحرب قادمة ، السؤال هو متى وأين وكيف ؟؟ الله وحده أعلم ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

  4. بالإضافة إلى ما قيل سابقا هناك نقطة مهمة تتعلق بإسرائيل. قيل بعد إسقاط الطائرة المسيرة الأمريكية من قبل الحرس الثوري الإيراني أن ترمب أعطى أوامره لضرب أهداف محددة في إيران، لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة لأن نتانياهو استعطفه للتراجع عن قراره لما في ذلك تهديد لإسرائيل. في خطاباته الأخيرة كرر السيد نصر الله أن الحرب على إيران ستشعل المنطقة بكاملها ولا أعتقد أنه كان يمزح في كلامه. بناء على هذه المعطيات البسيطة أعتقد أن الضربة الأمريكية المفترضة لن تقع لأن تداعياتها على المنطقة بكاملها ستكون كاريثية …

  5. مقال رائع، لكن اعتقد الكاتب غفل عن فكرة عجز امريكا عن تحمل حرب جديدة، بالذات مع ايران (و هي ليست لا عراق و لا سوريا). لن تتحمل الحرب، لا هي و لا اسرائيل، بسبب الأعباء المالية لها، و لانه سيرجع آلاف الجنود الأمريكيين لبلادهم بتوابيت و سيثور الشعب الامريكي على نظامه. امريكا سواءا قامت بهذه الحرب السنة او لم تفعل، و اعتقد ستقوم بها هذه السنة، هي منتهية كأبعد تقدير في السنة القادمة و الى الأبد، و معها الكيان الصهيوني. والله تعالى اعلم.

  6. الدخول في الحرب سهل و لكن لا يمكن معرفة تبعاتها على كل المستويات العسكرية و الاقتصادية و السياسية لذا فإن إعلان أمريكا الحرب على إيران سيكون له انعكاس على العالم حيث سنرى روسيا و الصين و محور المقاومة تقدمون العون لإيران لإطالة مدة الحرب و إضعاف أمريكا و الحيلولة دون نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here