ألكسندر نازاروف: الحزب الديمقراطي يشن حربا أفغانية جديدة.. هذه المرة داخل الولايات المتحدة الأمريكية

ألكسندر نازاروف

قرأت منذ أيام أخباراً عن فتاة أمريكية تبلغ من العمر 18 عاماً، هيلينا ديوك، أبلغت السلطات علناً عن والدتها التي شاركت في اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي، حيث قامت ديوك بنشر مقطع فيديو في صفحتها على موقع “تويتر”، لشرطية سوداء تصفع والدتها، تيريزا ديوك، على وجهها، وعلقت على الفيديو قائلة: “هل تتذكرين يا أمي كيف منعتني من الذهاب إلى احتجاجات (حياة السود مهمة) لأنها أصبحت عنيفة؟”. شارك في عملية الاقتحام كذلك عمتها وعمها، حيث كتبت هيلينا أنها تخجل أن تكون جزءاً من هذه العائلة. وتابعت أنها تمثل “الجزء الليبرالي والمثلي من العائلة، والذي تم طرده عدة مرات بسبب وجهة نظره، ولمشاركته في مظاهرات حياة السود مهمة”.

يرتفع عدد القتلى جراء الاشتباكات والاحتجاجات تدريجياً، وهو الانقسام الأعمق والأكثر عنفاً في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وعبر المدن، وحتى العائلات، لم تعد تلك مجرد شواهد، بل هي الحرب الأهلية التي اندلعت بالفعل.

وكما هو معروف الحروب الأهلية عادة ما تكون أكثر وحشية من الحروب بين الدول المختلفة، حيث تتسم تلك الحروب بمرارة شديدة بين الأطراف، وتحطم كل الأساطير حول وجود الديمقراطية الأمريكية.

تلقي الشرطة القبض على أنصار ترامب، وتمنع بعضهم من ركوب الطائرات، وتطردهم من وظائفهم، وتحذف منشوراتهم وتحجب حساباتهم من مواقع التواصل الاجتماعي “تويتر” و”فيسبوك” وغيرها بأعداد لا تصدق (حجب “تويتر” منذ الجمعة الماضية أكثر من 70 ألف حساب). يُحرم السياسيون الذين دعموا ترامب من التمويل، وقد يتورط عدد منهم في قضايا أمام المحاكم.

يحدث ذلك في الوقت الذي يتجادل الخبراء الروس فيما بينهم حول أي من مراحل القمع الستاليني تشبه ما يحدث الآن في الولايات المتحدة الأمريكية. حتى المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، والتي من الواضح أنها لا تتعاطف مع دونالد ترامب، ذكرت على استحياء أن حرية التعبير لا يمكن تقييدها دون حكم من المحكمة.

لكن نخبة الأوليغارشية القديمة المتعفنة في الولايات المتحدة تشنّ حربا عصابات لمدة 4 سنوات ضد الرئيس الشرعي المنتخب ديمقراطياً، والذي يدعمه حتى الآن نصف الولايات المتحدة الأمريكية على الأقل. وخلال اقتحام مبنى الكابيتول، تعرّضت تلك الأوليغارشية إلى صدمة ورعب لا يصدقان أمام احتجاجات شعبية عارمة، وتعتزم الآن قمع أي تهديدات مهما بلغت تفاهتها وميكروسكوبيتها بأكثر الطرق وحشية. فحرية التعبير وحقوق الإنسان لم تعد تشكل عقبة، وسقطت الأقنعة.

ومع ذلك، فإن مشكلة أمريكا هي أن النخبة الأمريكية ليس لديها خبرة في حل النزاعات داخل البلاد، بنفس خبرتها في تجربة النزاعات الدولية، التي تعودت فيها الولايات المتحدة الأمريكية على أكبر قدر من القسوة، بحيث لا يسمح المنطق الأمريكي بفكرة أنه من الممكن، بل من الضروري التفاوض مع عدو مهزوم، بدلاً من استغلال ضعفه وقتله.

الآن، وباستغلال واقع أن ترامب وأنصاره هم من “بادروا بالهجوم”، أي أنهم جعلوا من العنف ضد أنفسهم أمراً قانونياً، تتصرف نخب الحزب الديمقراطي بما تمليه عليهم عاداتهم وتقاليدهم، ويتخذون مساراً مباشراً نحو التدمير الكامل للعدو، أي ترامب وأنصاره.

لكن الصعوبة تكمن هنا في أن العدو ليس في دولة بعيدة، يمكن في حالة الفشل سحب القوات منها، وترك السكان المحليين يتحملون عواقب الغزو الأمريكي لسنوات وعقود تالية.

وبعد أن أذهل الديمقراطيون الضحية، أمريكا البيضاء المحافظة، بضربة موجعة في مؤخرة الرأس، قيّدوها، واغتصبوها علناً، واعتقدوا ولا زالوا يعتقدون أن الضحية لن تستيقظ، ولن تحاول الانتقام، ولن تكون هناك أي تداعيات من أي نوع.

أكرر أن الديمقراطيين يرتكبون هذه الأخطاء بسبب الصدمة الشخصية ونقص الخبرة، لكن حتى ذلك لا يبرر مثل هذا السلوك الانتحاري لأي سياسي.

فالعنف والإذلال لنصف الشعب الأمريكي، النصف الذي حمل على أكتافه اقتصاد هذا البلد، ناهيك عن كونه مدججا بالأسلحة، وتربى على قصص التنظيمات الذاتية الشعبية لمقاومة اللصوص في الغرب المتوحش، فهذا أمر أقل ما يوصف به هو الخطورة والغباء.

ولكن، مثلما أصيبت النخبة السوفيتية بخرف الشيخوخة وقت انهيار الاتحاد السوفيتي، وتقزّمت ولم تعد قادرة على الاستجابة بشكل مناسب للتحديات، تبدو النخبة الأمريكية الحالية مصممة على تكرار نفس مراحل الانهيار.

بطريقة أو بأخرى، فإن خصم الأوليغارشية التي استعادت السلطة خطير، وسوف تكون المقاومة كذلك خطيرة، وهو ما يحدد بدوره قسوة الإجراءات المطلوبة لقمع هذه المقاومة، وما نراه الآن مجرد بداية.

من الصعب تحديد أي الأحداث ستقع قريباً، ولكنني أعتقد أنه عاجلاً أو آجلاً، ستعلن بعض القرى أو المدن عصيانها لإدارة بايدن، وبعد ذلك تبدأ سلسلة من ردود الفعل العنقودية التي ستجعل السلطات المحلية والشرطة في بعض الأماكن تصطف إلى جانب المتمردين. ولن يكون من السهل حينها استخدام الجيش لقمع مثل هذه الأعمال، فقد يرفض الجنود إطلاق النار في البداية.

ولكن في بعض الأماكن الأخرى، سيطلق الجنود النيران، وبعدها سيبدأ ترسيم الحدود في الجيش نفسه، وستنتقل بعض الوحدات والأفراد الفارّين إلى جانب المتمردين.

باختصار، ستبدأ حرب أهلية تقليدية، والتي رأيناها على سبيل المثال في سوريا أو ليبيا. بمعنى أدق، سوف تبدأ المرحلة الدموية للحرب الأهلية، بعد أن اندلعت الحرب الأهلية “الدافئة” بالفعل.

ربما لا تزال أمام إدارة بايدن فرصة لتأجيل اندلاع الحرب الأهلية لخمس سنوات أخرى أو أكثر، حتى انهيار هرم الديون العالمي والدولار كعملة عالمية. وذلك إذا عاد الديمقراطيون إلى رشدهم، وبذلوا جهوداً للمصالحة الوطنية، بما في ذلك بدء الحوار، إن لم يكن مع ترامب شخصياً، فمع أنصاره على الأقل.

ولكن، حتى اللحظة الراهنة، هم يتصرفون في الاتجاه المعاكس تماماً، ويشنّون حرباً مدمرة، وكأنهم يقاتلون ضد طالبان في أفغانستان، دون أخذ أسرى، ودون التوقف عن أي انتهاكات لحقوق العدو.

إذا ما أراد الله أن يعاقب قوماً، حرمهم من عقولهم.

(روسيا اليوم)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here