أكراد سوريا أمام مفترق طرق …. وعليهم النظر للحقائق من منطق الواقعية السياسية

محمد نادر العمري

القرار الأمريكي بالإنسحاب من سوريا رغم ضبابيته والتشكيك بمصداقيته، إلا أنه شكل تهديداً حقيقياً بالتخلي عن التنظيمات الكردية التي طالما شكلت الذراع العسكري لواشنطن في الشمال الشرقي من الجغرافية السورية، الأمر الذي يتطلب أو يشكل دافعاً  لهذه القوى بإعادة تقويم خياراتها ومراجعة رهاناتها في البحث عن حلول أقل ضرراً عليها في المرحلة القادمة، ولاسيما بعد فشل مراهناتها على دعم واشنطن والدول الغربية بإنشاء دولة مستقلة لها في الشمال السوري، وتعرض الحلم الكردي العراقي لهزة وانتكاسة أقل مايمكن وصفها بأنها (قسمت ظهر البعير).

فأقتراب إعلان واشنطن الانتهاء من “الحرب على داعش في سوريا” سيشكل الأسفين الثاني تجاه حلم الاستقلال والتخلي شبه الكامل عن هذه القوى، بعد أقدام ترامب على دك الأسفين الأول بإعلان إنسحاب قوات بلاده _ بشكل فردي _ والإعلان عن إبقاء 200 جندي من القوات الأميركية، هي ليست سوى تكتيك أميركي جديد بالمراوغة مابين التراجع عن قرار الإنسحاب أو لأغراض استخبارتية تتراوح بين عرقلة التواصل والتنسيق بين محور المقاومة، أو لتنشيط الخلاية الأمنية والانتحارية لداعش في استهداف المراكز الحيوية للجيش السوري وحلفائه، بعد نجاح سلوك واشنطن بإخراج العناصر القيادية من القاعدة نحو أفغانستان لتوظيفهم في صراعها مع إيران، واستثمار الأوروبيين منهم لأغراض ومنافع جيواقتصادية يبحث عنها ترامب عبر ضغطه بإعادتهم إلى دولهم، أو باتجاه دفعهم للمشاركة بقوات تتراوح بين 1500 إلى 2000 عسكري لإقامة المنطقة الآمنة ونشر قوات أوروبية بها.

هذا الواقع يضع القوى الكردية أمام حقائق يجب وضعها ضمن اعتبارها وتبني عليها سلوكها في مرحلة مابعد الإنسحاب الأميركي، من خلال توجهها بقرار استراتيجي وليس تكتيكي للتنسيق مع دمشق بشكل مباسر أو غير مباشر عبر الأصدقاء والحلفاء، فطهران التي عرضت وساطتها مابين دمشق وأنقرة لإنجاز مصالحة إقليمية، لن تتوانى عن بذل الجهود لتسريع وتيرة التسوية السياسية في سوريا لما لذلك من تبعات تأثيرية تخفف من حجم الضغوط والحصار الاقتصادي والتهديد الأمني الذي تتعرض لها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما أن موسكو التي دعت لإحياء بروتوكول أضنة 1998، تسارع أيضاً لكسب جولة بتراكم إنجازاتها في سوريا ضمن صراعها الجيوسياسي مع واشنطن على مستوى النفوذ والتأثير في إدارة الأزمات الدولية، وهذه الحقائق تتضمن النقاط التالية:

– الحقيقة الأولى: أن هناك إجماعاً على المستوى الإقليمي بأستثناء الكيان الإسرائيلي برفض إنشاء أي فيدرالية أو دويلة عرقية أو أثنية، لأن ذلك ينعكس على أمن وسلامة هذه الدول ويهدد أمنها القومي، فالبرغم من الخصومة التركية السورية ومساهمة تركيا بالحرب ضد سوريا، إلا أن مقومات الحفاظ على الأمن القومي التركي دفع أنقرة للحفاظ على التنسيق مع دمشق ولو بشكل غير مباشر وعبر أجهزة المخابرات كما أعلن الرئيس التركي (رجب اردوغان).

لذلك على القوى الكردية ان تتخلى عن هذا الوهم الفيدرالي لعدم وجود إرادة إقليمية ”مهيأة ومساعدة”، كما أن الفيدرالية بالنسبة لدمشق هي من الخطوط الحمراء، وليس لديها أي تفسير تجاهها سوى أنها وسيلة لإضعاف سوريا وتجزئة جغرافيتها وديموغرافيتها.

– الحقيقة الثانية تكمن بأسلوب القوى الكردية التي لجأت  للأنظمة الديمقراطية وفق زعمها لتستجدي بها وتطالبها بدعمها بإنشاء فيدراليتها أو كيانها المستقل عبر فرض أمر واقع بأستخدام القوة العسكرية واستغلال ظروف الحرب والفوضى، في حين أن المجتمعات السياسية لهذه الدول تلجأ للعملية السياسية عبر الاستفتاء أو الانتخابات لتحقيق أهدافها هذا من جانب، ومن جانب آخر ومنذ استقلال سوريا هناك شخصيات كردية شغلت مناصب سياسية ودينية واقتصادية مهمة وحساسة في سوريا كأمثال محمود الأيوبي الذي شغل منصب رئيس الحكومة في الفترة الممتدة من 1972 إلى 1976، والعلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي.

 ـ الحقيقة الثالثة وهي مرتبطة بالحقيقة السابقة وتتضمن الأحقية في المطالبة بالمحاصصة السياسية أو مايعرف بتمثيل نسبي ولكن على شرط التناسب مع حجم القوى الكردية وتعدادها، وليس التوجه نحو تغير ديموغرافي واستغلال ظروف الحرب للضغط على باقي ألوان الطيف السوري للانخراط بمشروعها في اقتطاع جزء من الجغرافية السورية ونسبة القوى الكردية بهذه المناطق لاتتجاوز بأحسن تقديراتها 27% من نسبة التوزيع الديموغرافي للسكان في حين تصل بعضها إلى 2%فقط كما الرقة و1% بدير الزور.

ـ الحقيقة الرابعة وهي الأهم وتمثل مقاربة سياسية تفرزها نتائج الميدان، ويجب على القوى الكردية أن تنظر للواقع من هذا المنظور تاريخياً وواقعياً، فالمنتصر في الميدان العسكري هو الذي يفرض رؤيته سواء في النظام الدولي على مستوى الدول كماهو حال معاهدتي في

“فرساي” بعد الحربين العالميتين أو على مستوى الداخلي للدول، ولكن القيادة السورية في دمشق لم تتعامل من هذا المنظور رغم سيطرتها على 87% من مساحة سوريا مع اقتراب حسم معركة إدلب، وهي متمسكة بالحلول السياسية لينتصر السوريون ببعضهم وليس ضد بعضهم.

التخلي عن التنظيمات الكردية من قبل واشنطن يبدو أنها من المستجدات البارزة للسياسة الخارجية الأميركيةاليوم، رغم محاولة واشنطن احتواء خصومها الأعداء، ولكنها تؤكد حقيقة السلوك السياسي للولايات المتحدة الأمريكية القائمة على المصالح، فالإدارات الأمريكية المتعاقبة تتسيد حلفائها وتفرض عليهم أجنداتها عندما تنتصر …وتتخلى عنهم وتقايض على مصيرهم عندما تنتكس.

كاتب وباحث سياسي سوري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لقد شخصت المرض سيدي الكاتب فهم اقليه وظيوف نازحين في محيط عربي وعلى الدوله السوريه القضاء على الوهم قبل ان يستفحل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here