أفغانستان دروس لنا أم لأمريكا؟ أو أحيانا ينقلب السحر على الساحر

د. كمال الهلباوى

دعيت فى الأسبوع الماضى الى تسجيل برنامج تليفزيونى لقناة الميادين، بعنوان : الكلمة الحرة، يقدمه بالانجليزية السياسى القدير المحبوب / جورج جالاوى. وهو السياسى المعروف بمناصرته للقضايا العادلة ومنها العربية. كان موضوع الحوار عن صفقة السلام، التى تدور حلقاتها برعاية قطرية أو فى الدوحة قطر، بين أمريكا وطالبان أفغانستان . شارك فى الحوار عدد من الاعلاميين والسياسيين الانجليز أو البريطانيين والباكستانيين والأفغان وغيرهم.

الصفقة على وشك الاكمال، وقد تكون الجولة الأخيرة فى شهر سبتمبر القادم 2019 ونتمنى لها النجاح حقنا للدماء، وعودة إلى العقل وحل المشكلات والقضايا عن طريق الحوار بعيدا عن الحروب أو التلويح بها أو احتلال أراضى الغير بالقوة أو فرض الهيمنة أو الاستمرار فى الصراع. سعت أمريكا إلى تلك الصفقة سعيا حثيثا، بعد أن فعلت ما فعلته فى أفغانستان وشعرت بإقتراب هزيمة ساحقة، بعد ١٩ سنة. فأرادت أمريكا الخروج أو الانسحاب وسحب قواتها وقوات الناتو فى إطار صفقة سلام. ومن العجيب أن الوفد الطالبانى يضم بعض مساجين جوانتانامو الذين إتهمتهم أمريكا بالارهاب من قبل، وتجلس معهم أمريكا اليوم على طاولة واحدة وتناقش معهم أمريكا صفقة السلام لتحفظ بها وجهها، والأعجب أن يكون لطالبان مكتب معترف به فى الدوحة – قطر- دون مطاردة من الغرب بتهمة الارهاب . لقد أحسنت طالبان صنعا أن يكون مكتبها والحوار فى قطر، وليس فى السعودية كما كانت أمريكا والسعودية ترغبان .

لخصت فى كلمتى للبرنامج معرفتى بالافغان من قبل عشرات السنين من بداية الجهاد، ثم تطرق الحديث بإقتضاب إلى فقه الافغان وطالبان خصوصا، وضرورة قيامهم بمراجعات فقهية معاصرة. ومع ذلك فإننى أحترمهم وتقديرى لهم كبير ولجهودهم فى تحرير أفغانستان من الاحتلال أو العدوان الذى وقع عليهم بقيادة أمريكا والناتو، بعد أن أجبر المجاهدون فى الثمانينات السوفيات إلى الانسحاب. ولكنهم إختفوا بسبب الصراع فيما بينهم.

أقول إن الطالبان لم يهاجموا دولة من الدول ولا أرضا خارج أفغانستان، وهم يدافعون عن أرضهم، وإمتد كرمهم وواجبهم لحماية من جاء من العرب أو غير العرب لمساعدة الأفغان أو دعمهم ضد العدوان على أفغانستان، بل ضد الاحتلال سواء من السوفيات أو الأمريكا أو غيرهم.

أهم ما يلفت النظر فى موضوع صفقة السلم أو السلام التى سعت إليها أمريكا مع طالبان اليوم، أن أمريكا لم تكن تستوعب التاريخ القديم من الاسكندر الأكبر، ولا المعاصر الذى شهد تفتت الاتحاد السوفياتى بسبب غزو أفغانستان . نعم ساعدت أمريكا المجاهدين الأفغان فى الثمانينات لمصلحتها الخاصة التى تحقق منها شيئ فى هزيمة الاتحاد السوفياتى وبداية تحول بعض بلاد ومناطق أوروبا الشرقية إلى الرأسمالية أو نظام العولمة . ولكن لماذا احتلت أمريكا افغانستان بعد ذلك وتخلصت من المجاهدين ولم تسمح لهم أن يحكموا بلادهم؟؟؟.

ظن الأمريكان أنهم بمساعدتهم طالبان – تنظيما وتنسيقا وتدريبا – بالترتيب مع باكستان ” بوتو”، سيكون طالبان تحت أيديهم، وطوع أمرهم، وخصوصا عندما تولوا حكم أفغانستان سنة 1996 بعد صراع مرير مع كبار المجاهدين آنذاك، ولكن جاءت أحداث سبتمبر 2001 فقلبت الموازين، ثم نرى اليوم السحر وقد إنقلب على الساحر مهما مرت السنون، وكثرت الفواجع فى أفغانستان.

كتبت سابقا فى السبعينات عن الأوضاع السياسية فى افغانستان حيث كان يحكمها الملك ظاهر شاه منذ 1933 ولمدة 40 عاما متصلة، ثم ثار أو إنقلب عليه السردار داوود، صهره وابن عمه 1973، ثم حدث الانقلاب الشيوعى فى كابل 1978، ثم الغزو السوفياتى فى ديسمبر 1979. وفى الثمانينات كتبت العديد من المقالات عن الغزو السوفياتى لأفغانستان وعن الجهاد الأفغانى والدروس المستفادة أو المهدرة، وخصوصا فى مجلة (قضايا دولية) الأسبوعية، (وتقرير أفغانستان الحاضر والمستقبل)، وجريدة (القدس العربى) اللندنية، عندما كان يرأس تحريرها الاعلامى النابه عبدالبارى عطوان .

ولكن هذا المقال عن الدروس التى يمكن أن نستفيد أو تستفيد منها أمريكا، بعد هزيمتها هزيمة منكرة حتى تطلب صفقة سلام مع من كانت تعتبرهم إرهابيين – وحتى يكون إسهامنا هنا إسهاما إيجابيا – من قضية أفغانستان، أقول ماذا يمكن أن تستفيد منه أيضا طالبان بل الأفغان جميعا فى هذه المرحلة المهمة من التاريخ المعاصر ومن الصراع على السلطة، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

نعم استطاعت أمريكا أن تنصب كرازاى ثم أشرف غنى، دون كبار المجاهدين، لحكم افغانستان بعد أن تخلصت من طالبان وقبلها من المجاهدين، فهل ندرك جميعا هذه الأوضاع، ونتعلم منها هذا الدرس الكبير؟؟ لم تكن طالبان موجودة فى الجهاد كحزب أو منظمة أو حركة ولكن شاركوا كأفراد فى المنظمات والأحزاب الجهادية وخصوصا التى يرأسها مولوية مثل يونس خالص أو محمد نبى رحمهم الله جميعا. ولكن بعد تأسيس طالبان فى منتصف التسعينات حكموا افغانستان خمس سنوات فقط وحتى سبتمبر ٢٠٠١، عندما بدأ العد التنازلى.

شاهدت أمريكا – والحمد لله تعالى – تخضع مرتين، بل تتوسل إلى من وصفتهم بالارهاب، المرة الأولى : وترامب يرجو الجمهورية الاسلامية فى ايران ويدعوها للحوار بعد التهديد والوعيد، ولكنها ترفض ولها شروطها المنطقية، وياليت الامم المتحدة تكون شاهدة على صفقة السلام التى سعت اليها أمريكا مع الطالبان، حيث ان هذه هى الثانية التى نحن بصددها اليوم وأمريكا الجبارة المهيمنة، تلهث وراء طالبان لاتمام صفقة السلام أو مشروع السلام حتى تنسحب من أفغانستان، بدون أن يقول العالم إنها تنسحب مهزومة، مثلما حدث فى فيتنام فى الستينات من القرن العشرين.

 ولكننى – للأسف الشديد – شاهدتها وهى تتجبر مئات المرات فى الأمم المتحدة وتستخدم حق الفيتو لتحول دون العدالة وحقوق الانسان، وتقف الى جانب المحتل الغادر فى فلسطين وغيرها. نعم رأينا ذلك فى أمريكا الجنوبية وفى قضية فلسطين وفى أفغانستان وفى العراق وسوريا وطبعا فى تركيا والصومال، كما شاهدنا ترامب وهو يتباهى بإذلال حكام الخليج والسعودية خصوصا ويبتز أموالهم وثرواتهم..

وسؤالى هنا : هل يتعلم العرب الدرس؟ وهل يدركون ما قاله العرب من قبل؟، لا يفل الحديد إلا الحديد، طالما أنهم لم يفهموا الأمر الالهى القرأنى “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ “.

أزعم أن الحجيج وقد أتموا الحج والعمرة لله سيعودون إلى بلادهم. ومنها بلاد غارقة فى الدم والظلم والاستبداد والتخلف، ويأتى غيرهم فى العام أو الأعوام القادمة للحج ثم العودة دون تغيير حقيقى. فهل استوعب الحكام والأمة، الجملة الأولى من خطبة الوداع ويسعون فى تطبيقها : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ). وهل يمكن أن تهتم السعودية حكاما وعلماء وشعبا بهذه الجملة خصوصا، ويتوقفوا عن سقوطهم فى التدمير أو دعمهم للصراع والقتال؟؟ فإن لم يفهموها، فليفهموا الدرس الكبير، والسعى الأمريكى اليوم لاتمام صفقة السلام مع الافغان . وطبعا التوقف عن السير فى الاتجاه الخاطئ أو ما يسميه الأمريكان صفقة القرن التى سقط فيها بعض حكام العرب، والمنافقون من النخبة والمثقفين.أما كيف تجمع أمريكا بين صفقة سلام مع الطالبان، وتسعى الى صفقة القرن فى نفس الوقت بخصوص فلسطين، فهذه تعود الى العقلية والمعايير المزدوجة التى ينبغى ان تخرج منها أمريكا والغرب عموما حتى تسير الحضارة الغربية فى طريقها الصحيح. ويكون التعاون العالمى والعمل العالمى على أسس صحيحة.

والله الموفق فى القول والعمل

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here