أغلبيتنا الصامتة.. كم يكفيها من الوقت لتتحدث؟

lohmad777

 

لحويمد المحجوب

لفت انتباهي نهاية الأسبوع المنصرم، إجراء رقابي ذي خلفية سياسية محضة، ذلك الذي أقدم عليه الأمن العام بلبنان من خلال منعه للفيلم الوثائقي الذي كان مقررا عرضه ضمن فعاليات مهرجان “الثقافة تقاوم”، الذي يحمل عنوان “الأغلبية الصامتة تتحدث”، للمخرجة المتألقة “باني خوشنودي” ويتضمن الفيلم الوثائقي مشاهد تم التقاطها في إيران سنة 2009 على أيدي هواة، أو بواسطة آلات تصوير بسيطة، وهذه المشاهد لتظاهرات عديدة حاشدة خرجت بانتظام لأشهر طويلة تندد بـ “تزوير” وأتت باحمدي نجاد رئيسا لولاية ثانية وأسقط خلالها منافسه الإصلاحي مير حسين موسوي، وجوبهت التظاهرات بالقمع من السلطات، وتخللتها عشرات التوقيفات، وعمليات إطلاق نار و سقوط قتلى.

هذا العنوان المثير لهذا الفيلم الوثائقي والذي خلف منعه من العرض ضمن فعاليات المهرجان المذكور، تفاعلا كبيرا من لدن وسائل الإعلام الدولية، مما جعل العديد من القراء والمتتبعين لشأن الدولي يضطلعون على مضمونه النقدي للسلطة الإيرانية المحافظة، إلا أنه ما أثارني أكثر هو العنوان الفريد الذي يحمله هذا الفيلم الوثائقي “الأغلبية الصامتة تتحدث” فمفهوم الأغلبية الصامتة أصبح متداولا كثيرا في الأوساط السياسية في الآونة الأخيرة، إذ أن الرئيس الأمريكي “ريتشارد نيكسون” هو أول من استعمل هذا المفهوم خلال الحرب الأمريكية على الفيتنام، فحينها أكد الرئيس نيكسون على أن الأغلبية الصامتة كلها تؤيد حربه على الفيتنام، إلا أن هذه الأغلبية سرعان ما نفت و بشكل عملي إدعاءات نيكسون حينما خرجت مظاهرات بالآلاف تدعوه إلى التخلي عن هذه الحرب، حينما بدأت تصل الطائرات الأمريكية محملة بشكل يومي برفات الجنود الأمريكيين، هذا ما يجعلنا أمام مفهوم زئبقي إن صح التعبير، فالصمت قد لا يعني الرضا والقبول في جميع الأحيان.

عموما يمكن القول بأن لكل مجتمع معين أغلبيته الصامتة، وهو ما ينطبق على مجتمعاتنا العربية التي ترزح تحت مختلف صنوف أشكال التهميش والإقصاء وغياب تام لأنظم الديمقراطية، ثم عجز هيئات المجتمع المدني عن القيام بالأدوار التي من المفترض أن تنظم هذه الأغلبية بحيث تصبح مؤثرة كما هو الشأن بالنسبة للمجتمعات المتقدمة.

هكذا و بعد أن حاولنا إعطاء لمحة موجزة عن مفهوم الأغلبية الصامتة على ضوء ما حصل بمهرجان “الثقافة تقاوم”، سوف نحاول أن نعرج على حالة الاستقطاب السياسي أو الاستثمار السياسي لهذه الأغلبية في الصراع السياسي الإقليمي الذي تشهده الصحراء الغربية، وهو ما أشار إليه “كريستوفر روس” الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء الغربية، في تقريره السنوي لسنة 2013 بحيث ذكر خلال تشخيصه للوضع السياسي الذي تشهده المنطقة، بأن أقليتان صادفتهما خلال زيارتي للمنطقة الأولى موالية للطرح المغربي والثانية تدعو لتطبيق مبدأ تقرير المصير و هي بذلك متماهية مع موقف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الدهب، ثم أغلبية صامتة.

فهذا التشخيص الواقعي و الذي هو عصارة لمجموعة من اللقاءات و الزيارات المكوكية التي قام بها السيد “كريستوفر روس” للمنطقة و لمخيمات اللاجئين الصحراويين بالجزائر، بالإضافة إلى مجموعة من الدول ذات الصلة بقضية الصحراء الغربية خلال المرحلة التي توج بها تقريره السنوي، يجعلنا بصدد محاولة للوقوف على أغلبيتنا الصامتة ورصد لأسباب هذا الصمت و تأثيراته السياسية، فلاشك بأن طول أمد الصراع نتج عنه بروز طبقة أوليغارشية محلية مستفيدة من هذا الوضع القائم، والتي تعمل بكل الوسائل الخفية أكثر من العلنية عن عدم إحراز أي تقدم سياسي في القضية حفاظا على امتيازاتها، والموجودة على طرفي الصراع فسمتها الصمت تلعب على النقيضين فلا هي مع الطرح المغربي ولا هي مع مبدأ حق تقرير المصير، حتى إن بدت في بعض المناسبات من أشد المدافعين عن أحد الموقفين، إلا أن ذلك لا يعدو كونه إثبات للوجود أمام الرأي العام، أو حينما ترى أنه من الضروري احتواء خصوم مفترضين على الساحة السياسية عندما يعجز من أوكلت لهم مثل هذه المهام، أغلب عناصرها كانت لهم تجارب سابقة على مختلف المستويات السياسية والعسكرية من كلا الجانبين، فهذه الطبقة الاوليغارشية هي صامتة لكنها تمارس نوع من السياسة الغير معلنة، أو تمارس السياسة بالوكالة وهي معدودة على حد أصابع اليد، لكن تأثيرها لا محدود.

هذا من جهة أما من جهة ثانية، فإن الأغلبية الساحقة من “أغلبيتنا الصامتة”، هي من السواد الأعظم الذي لا يملك أدنى تأثير في ظل الأوضاع الراهنة التي تعاني منها المنطقة، والتي تظل مجرد كتلة جامدة، هي مادة للتجارب السياسية، وهنا يجب الوقوف على خطاب العاهل المغربي محمد السادس الأخير، والذي جاء فيه ما يلي: “فهؤلاء الانتهازيون قلة ليس لهم أي مكان بين المغاربة ولن يؤثروا على تشبث الصحراويين بوطنهم لذا و إنصافا لكل أبناء الصحراء، وللأغلبية الصامتة التي تؤمن بوحدة الوطن دعونا لإعادة النظر جذريا في نمط الحكامة بأقاليمنا الجنوبية”، هنا ضمنيا أدرجت هذه الأغلبية من المؤمنين بوحدة الوطن، والتي من المقرر أن يتم إنصافها من خلال تغير جذري في نمط الحكامة الذي كان سائدا وهو بمثابة اعتراف صريح بالخلل على مستوى الحكم الرشيد المنتهج من قبل الدولة بالمنطقة، وهنا فالفئات المستهدفة أكثر وضوحا من غيرها ألا وهي فئة المهمشين و المقصيين، التي تعاني من مختلف أشكال الحيف والإقصاء الاجتماعي، وهو ما يبرر كونها صامتة، وذلك نتاج عدم درايتها بأساليب انتزاع حقوقها واقتصارها على بعض الاحتجاجات العفوية التي يكون مآلها الفشل دون أن تستطيع تحقيق ولو جزء بسيط من متطلباتها الاجتماعية، وبالتالي فإن صمتها هو ترجمة لوضعها الاجتماعي المتردي وانعدام فئة قادرة على بلورة مطالبها في تنظيمات اجتماعية قوية قادرة على الاستمرارية، وهو الشيء الذي بالطبع يستغله النظام للحفاظ على صمت هذه الأغلبية و التي يجب كذلك ألا تصل إلى مرحلة اليأس فتلبية بعض مطالبها المستعجلة ضرورة استراتيجية، فالإبقاء دوما على بصيص الأمل لدى المتشائمين يجنب من حصول هزات اجتماعية عنيفة، كما حصل سنة 2010، بمخيم اكديم ازيك الاحتجاجي الذي انطلق من أرضية مطالب اجتماعية واضحة تتلخص في الحق في الشغل و السكن اللائق للمعوزين و الذي لم تتفاعل الدولة مع مطالبه بشكل إيجابي في حينه مما نجم عنه أزمة توالت نتائجها السياسية الوخيمة على الدولة المغربية، وهو ما يشكل خروج للأغلبية الصامتة عن صمتها في شكل هزات  سياسية- اجتماعية عنيفة، وهو ما ساهم عقب ذلك من اتساع المد الجماهيري للمطالبين بتحقيق الشرعية الدولية و الممثلة في حق تقرير المصير من خلال الزج بالكثير من المواطنين الصحراويين في غياهيب السجون المغربية ومتابعتهم أمام القضاء العسكري.

مجمل القول أن الأوضاع القائمة في الوقت الراهن والذي يتسم بالمزيد من الهجوم على مكتسبات الجماهير الشعبية، وتعريضها للقمع الوحشي وحرمانها من مزاولة حقها في الاحتجاج ثم مصادرة جل المكتسبات الاجتماعية، ونهج سياسة الكذب و التظليل إعمالا بسياسة ” اتركهم يصرخون وافعل ما هو مقرر”، ليجعل من الكتلة الجامدة إن توفرت لها مجموعة من الشروط و لعل أهمها أداة تنظيمية قادرة على استيعاب هذا الكم الكبير من الإشكالات الاجتماعية و الاقتصادية، و بالتالي فإن الكلمة الفيصل ستكون للأغلبية الصامتة بحكم أنها تضم بين صفوفها جيش احتياطي قادر على قلب الموازين، فمتى سوف تتكلم أغلبيتنا الصامتة؟

   كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. اخي انا وانت والنظام المغربي نعرف بل متاكدون ان الاغلبيةالصامتة تنتظرالفرصة وتخرج انشاالله كماخرجت بلالاف يوم ٤ماي اثناء زيارة وفدصحفي امريكي للمنطقة.كان يجب عليك ان تركز على اسباب صمت الاغلبية٠الاقليم محاصر.الصحافةممنوعةمن:زيارةالاقليم.الصحراءالغربية عبارة عن ثكنةعسكرية ٠٠٠٠

  2. الجمهورية العربية الصحراوية هي الحل النهائي ولو كره المحتلين لانها اعلنت يوم خروج المستعمر الاسباني ليخدع الشعب الصحراوي من قبل جيرانه في المغرب وموريتانيا احذرو يوم الغضب الصحراوي يا توسعيين الصحراء لاتباع ولاثمن لها .

  3. أﻻغلبية الصامتة طفحت! طفحت من الوهن العربي والخيانة والمؤمرات والفتنة والدم المهدورة والقتل البارد ، طفحت من من كنا نعدهم أخوة وأصدقاء صاروا فجرة أعداء! حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here