أطباق الطعام وجدل الهوية.. جذور ثقافة أوروبا الراسخة في بريطانيا رغم البريكست

لندن- متابعات: يتفاوض الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حاليا على صيغة علاقتهما الجديدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويبرز الجدل المتعلق بالطعام والمطبخ البريطاني وتحولاته ضمن أسئلة الهوية المتزايدة على الساحة البريطانية أخيرا.

وفي نهاية القرن 18 كانت عادات الأكل والنظم الغذائية الإنجليزية ضمن نقاشات القومية البريطانية المبكرة، ورغم أن إنجلترا وفرنسا كانتا غالبًا في حالة حرب في القرن 18، فإن العائلة المالكة البريطانية تناولت الكثير من الأطباق التي تحمل أسماء فرنسية مثل  كعكة الدوقة “gateau a la duchesse” ولحم الضأن على الطريقة الفرنسية، اللذين كانا على طاولة الملك جورج الثالث (1760 – 1820) وزوجته الملكة شارلوت، بحسب وثائق ملكية لتتبع الطعام الذي تم تقديمه في القصر البريطاني، وفق “الجزيرة”.

وبالنسبة للعائلة المالكة آنذاك، لم يكن الطعام الفرنسي مرتبطًا بهوية أوروبية محددة، وفي الواقع لم يكن مفهوم “الهوية” ذاته قد تبلور بعد، ولم يكن له أي معنى أو دلالة بالنسة للعائلة المالكة في ذلك الحين، بحسب دراسة مشتركة للباحثتين راشيل ريتش وليو سميث اللتين تقومان بتتبع الطعام البريطاني في القرن 18.

في المقابل، كانت هذه الأطباق الفرنسية المميزة مرتبطة بطبقة اجتماعية رفيعة وشرائح مرموقة في المجتمع، مثل الفرسان والنبلاء وأمراء العائلة الملكية، بحسب مقال الباحثتين المنشور بموقع كونفيرذيشن.

وشهدت حقبة الملك جورج الثالث حرب السنوات السبع (بين عام 1756 وعام 1763م) التي انتهت بانتصار المملكة المتحدة على فرنسا، وتمددها عالميا لتهيمن على الهند وشمال أميركا قبل حرب الاستقلال الأميركية، بحسب الباحثتين المختصتين بالدراسات التاريخية.

حرب وحفاوة

وفي حين أن العديد من البريطانيين الأثرياء تناولوا الأطباق الفرنسية واستقبلوها بحفاوة على طاولات الطعام، فقد كان هناك رأي شائع بأن الطعام الإنجليزي كان أفضل من الطعام الذي يتم تقديمه على الجانب الآخر من قناة المانش الفاصلة بين بريطانيا وفرنسا، واستخف كثيرون بالطعام الفرنسي باعتباره أجنبيا.

ومع ذلك، وبحلول الستينيات من القرن التاسع عشر، كان كتاب “السيدة بيتون” وهو أشهر كتاب لفن الطهي في بريطانيا، يصف “الطهي العصري” بأنه “مدين بالفضل الكبير لذائقة الطعام لدى جيراننا الفرنسيين”، واشتمل الكتاب على معجم من ثلاث صفحات لمصطلحات الطهي والطعام الفرنسية المستخدمة في نسخة اللغة الإنجليزية من الكتاب.

ونشر كتاب المؤلفة إيزابيلا ماري بيتون لأول مرة في عام 1861، وسرعان ما أصبح أهم كتب الطبخ التي ميزت العصر الفيكتوري البريطاني الذي يؤرخ له بين نهاية القرن 19 وبداية القرن 20.

تنوع ثقافي

على الرغم من تأثيرها الكبير فإن أطباق المطبخ الفرنسي لم تكن هي الأصناف الأجنبية الوحيدة على مائدة عشاء الملك البريطاني في قصور الحدائق النباتية الملكية في كيو، فبحلول منتصف القرن الثامن عشر، كانت النكهات والأطباق الأوروبية الأخرى تصلان إلى إنجلترا عبر المسافرين وخاصة بسبب كتابات شبان مؤلفين قاموا بجولة في المواقع الثقافية الأوروبية وكتبوا عن تجاربهم بما في ذلك الطعام.

وعرف البريطانيون أطعمة أوروبية أخرى، وتظهر سجلات العائلة المالكة في شتاء عام 1789 وجود المعكرونة الإيطالية والنقانق الألمانية وحساء الشعيرية (الشعرية) الإيطالي والجبن المحمص الفرنسي، ووردت هذه الأصناف كذلك في كتب الطبخ التي استخدمها الطهاة المحليون لعمل وجبات طعام للطبقتين العليا والمتوسطة في بريطانيا، بحسب مقال الكاتبتين البريطانيتين.

معكرونة

وأطلق تعبير “المعكرونة” في بريطانيا في ذلك الوقت على الشبان البريطانيين الذين كانوا يقلدون السلوكيات الأوروبية.

ومن الصعب تحديد الأطعمة البريطانية التي لم تتأثر بالثقافة الأوروبية، ولا يزال العديد من الأطعمة الأوروبية التي دخلت القائمة الملكية في نظام البريطانيين الغذائي، وتحول كثير منها لأطباق شعبية وعادية وغير مرتبطة بالضرورة بمكانة اجتماعية رفيعة ولا طبقة الأغنياء.

وطوّر البريطانيون أساليب تقطيع اللحوم والشواء قبل أن تصبح ممارسة شائعة في أوروبا، وأدى الغزو النورماندي لإنجلترا في القرن الحادي عشر الميلادي لإدخال بهارات غريبة على الثقافة البريطانية إلى البلاد التي تأثرت -في وقت لاحق بزمن الإمبراطورية- بتوابل المطبخ الهندي العريق.

ومع ذلك، أدت سياسات الحصص المحددة وتقنين الغذاء التي طبقتها الحكومة البريطانية خلال فترات الحروب في القرن العشرين إلى تراجع المطبخ البريطاني بسبب نشأة جيل كامل يعتمد على الحصص والأنواع اللتين حددتهما السلطات في زمن الحرب.

وكما تظهر أطباق حقبة القرن الثامن عشر تأثر تقاليد الطعام في بريطانيا الشديد بأوروبا، فلا يبدو أن البلاد التي تعتمد في ثلث احتياجاتها الغذائية تقريبا على أوروبا، قد تتخلى عن زيت الزيتون ومنتجات جيرانها الغذائية وحتى ثقافة الطعام المتأثرة بالقارة الأوروبية في أي وقت قريب.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here